
المقدمة:
إنَّ الإنسان على مَرِّ العصور كان محفوفاً بحجج الله تعالى يدعونه إلى الرشاد والصـراط المستقيم، وما زال يعارضهم ويخالفهم ويسلك غير سبيلهم، ويمشـي في سبل متفرِّقة، بل في بعض الأحيان يرتكب ما يخالفهم عناداً وتعدّياً، كما يُحدِّثنا القرآن عن الأقوام السالفة، والقرى التي حلَّ عليها غضب الله تعالى، إلَّا أنَّ فعلهم هذا لم يقف أمام فيض الكريم لينقطع، ولا أمام حجَّة الله ليدحضها، بل ما زالت حجج الله قائمة على البشـر، وبراهينه تترا عليهم آناء الليل وأطراف النهار، كما ورد عن الإمام الباقر عليه السلام أنَّه قال: (ما خلت الدنيا - منذ خلق الله السماوات والأرض - من إمام عدل، إلى أن تقوم الساعة حجَّة لله فيها على خلقه)(١)، وورد أيضاً عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام أنَّه قال: (لـمَّا انقضت نبوَّة آدم عليه السلام وانقطع أجله، أوحى الله (عزَّ وجلَّ) إليه: أن يا آدم قد انقضت نبوَّتك، وانقطع أجلك، فانظر إلى ما عندك من العلم والإيمان وميراث النبوَّة وأثرة العلم والاسم الأعظم، فاجعله في العقب من ذرّيتك، عند هبة الله، فإنّي لن أدع الأرض بغير عالم يُعرَف به طاعتي وديني، ويكون نجاة لمن أطاعه)(٢).
وهذا هو الحقُّ الثابت باليقين الذي لا يعتريه الريب، لما تظافرت عليه من الروايات الكثيرة الفائقة حدَّ التواتر، الدالّة على استمرارية حجَّة الله على البشـر إلى القيامة، وهو ما تؤكِّده روايات الأئمَّة الاثني عشـر، الواردة عن النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم، وحديث الثقلين: (لن يفترقا حتَّى يردا عليَّ الحوض)(٣)، وهذا الحديث المتواتر هو من النصوص الواضحة في إثبات استمرارية حجَّة الله تعالى على عباده إلى القيامة، ولا يستقيم إلَّا على ما تتبنّاه الإماميَّة من الاعتقاد بإمامة أهل البيت عليهم السلام تبعاً لقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وأيضاً نصوص وروايات الغيبة وتفاصيلها وما يجري في آخر الزمان قبل القيامة يدلُّ على ذلك.
إلَّا أنَّنا لسنا بصدد بيان ذلك، بعد اعتقادنا بإمامة أهل البيت عليهم السلام وحجّيتهم، ووضوح هذه القضيَّة في النصوص الصادرة عنهم عليهم السلام في ذلك، إلَّا أنَّنا نأسف لما حلَّ بنا من الحيلولة دون إمامنا عليه السلام، فقد ابتلانا الله (عزَّ وجلَّ) بغيبة إمامنا عليه السلام اختبارا لإيماننا بالغيب.
وهذا الابتلاء في عقيدة الإنسان له دخل واضح في تحديد مصيره، بل وفي تحديد سلوكياته الاجتماعية أيضاً، وهو بلاء مبين عظيم الوقعة شديد المحنة، ولذا ورد في الزيارة الجامعة قوله عليه السلام: (والباب المبتلى به الناس)(٤)، فهم عليهم السلام في حياتهم وحضورهم قد اختبر اللهُ الناسَ بقبول إمامتهم، فقبلها من قبلها ورفضها الأكثر لإعراضهم عن الحقِّ وكرههم له، ثمّ تطوَّر الاختبار وصار بنحو أشدّ، وهو أنَّ الناس مخاطبون بإمامتهم حتَّى في صورة غيبتهم عليهم السلام، فمن يقبلهم ويقرُّ بهم في غيبتهم يكون من السعداء وممَّن يفوز بأُخوَّة النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم كما روى النسائي بسنده عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قوله: (... وددت أنّي قد رأيت إخواننا)، قالوا: يا رسول الله، ألسنا إخوانك؟ قال: (بل أنتم أصحابي، إخواني الذين لم يأتوا بعد وأنا فرطهم على الحوض)(٦).
وقد تنفتح أسارير النفس عندما تمرُّ عليها مثل هذه الروايات الشـريفة، وأنَّنا في آخر الزمان ونؤمن بالنبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم والأئمَّة عليهم السلام ولم نرَهم، فنحن من الفائزين بأُخوَّته، نعم يتمُّ هذا السرور لمن استقام على الطريقة وآمن، وختم عاقبته بالحسنى وولاية آل محمّد عليهم السلام، ولكن من بقي ولا يعلم إلى أين المصير، وغربيل الزمان ما زال يهزُّ الناس ويغربلهم حتَّى لا يبقى (إلَّا الأندر فالأندر)(٧)، فالابتلاء ما زال قائماً، والامتحان ما زال نصب عيون الناس.
وكما أنَّ طبقات الأرض إذا تحرَّكت واصطدمت بعضها ببعض أحدثت هزَّة أرضية قد تؤدّي بحياة آلاف البشـر، فكذلك الأفكار والاعتقادات إذا تزلزلت أمكن أن تحدث انقلاباً سلبياً، وتؤدّي إلى نتائج وخيمة العاقبة.
وباعتبارنا في دائرة الاختبار التي أشار إليها أهل البيت عليهم السلام بقولهم عنها: (كالقابض على الجمر)(٨)، بل وأشاروا إلى بعض جوانب الهزّات التي سيتعرض لها أتباعهم خلال مسيرتهم، فلأجل ذلك سنحاول في هذا البحث وبنحو مختصـر أن نشير إلى بعض من هذه الهزّات، وما هي أسبابها، ثمّ بيان علاجها، ثمّ نخلص إلى النتيجة المهمَّة المترتِّبة على ذلك، فكلامنا يقع في أربعة مباحث رئيسية هي:
١ - الهزّات الفكرية.
٢ - أسباب الهزّات الفكرية.
٣ - علاج النتائج السلبية للهزّات الفكرية.
٤ - النتيجة.
المبحث الأوّل
الهزّات الفكرية
المؤمن عرضة للخطر من جوانب مختلفة، الدنيا من جهة ونفسه من جهة أُخرى وإبليس وجنوده من جهة ثالثة وهكذا، وأهمّ سلاح يمتلكه المؤمن في هذه المعركة هو الفكر المستقيم، والذهن اليقظ النبه، فإذا استطاع الإنسان أن يسيطر على ذهنه وفكره، بحيث يحفظ توازنه في كلِّ ما يمرُّ عليه، استطاع أن ينجو من كلِّ تلك العقبات بسهولة، ولعلَّه إلى هذا يشير الإمام الصادق عليه السلام في قوله: (وقوراً عند الهزاهز)(٩).
وهذا الكلام فيه بحث واسع ومترامي الأطراف، إلَّا أنَّنا نأخذ جانباً خاصّاً من جوانب الهزّات التي تعرض الفكر بخصوصه في عقيدته بالإمام المهدي عليه السلام كنموذج، فنقول:
لقد تعدَّدت جوانب التشكيك في قضيَّة الإمام المهدي عليه السلام واختلفت أبعاده، فأراد المشكِّكون من خلال ذلك تلويث الفكر الصحيح، لينتج ما يوافقهم من الفكر المنحرف الضالّ، وبالتالي تكون السطوة لإبليس وجنوده كما هم يُفكِّرون، ومن تلك الجوانب:
الجانب الأوَّل: التشكيك في أصل ولادة الإمام المهدي عليه السلام:
كما تذهب إليه أغلب العامَّة، فإنَّهم تبعاً لسياسات الدولة شكَّكوا في أصل ولادة الإمام الثاني عشـر، ويرون أنَّه سيُولَد في آخر الزمان ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما مُلِئَت ظلماً وجوراً، قال الشيخ السبحاني: (إنَّ الأكثرية من أهل السُّنَّة يقولون بأنَّه سيُولَد في آخر الزمان)(١٠).
ومن العامَّة الذين أنكروا ولادة الإمام المهدي عليه السلام ابن خلدون الذي ناقش في أحاديث الإمام المهدي عليه السلام وحاول إبطالها(١١)، ولازم إبطال الروايات وردّها هو إنكار الاعتقاد بالإمام المهدي من رأس فضلاً عن ولادته، مع أنَّ العامَّة أنفسهم قد اعترفوا بتواترها بل فاقت حدَّ التواتر، قال ابن حجر العسقلاني: (قال أبو الحسن الخسعي الآبدي في مناقب الشافعي: تواترت الأخبار بأنَّ المهدي من هذه الأُمَّة، وأنَّ عيسى يُصلّي خلفه...)(١٢)، بل تجاوز ابن خلدون أُطر البحث العلمي وعدَّ من قال بالمهدي مغالياً حيث قال: (... وقال مثله غلاة الإماميَّة وخصوصاً الاثنا عشـرية منهم يزعمون أنَّ الثاني عشـر من أئمَّتهم وهو محمّد بن الحسن العسكري ويُلقِّبونه المهدي دخل في سرداب بدارهم في الحلَّة وتغيَّب حين اعتُقِلَ مع أُمِّه وغاب هنالك، وهو يخرج آخر الزمان فيملؤ الأرض عدلاً)(١٣).
إلَّا أنَّ ابن خلدون لم يصمد أمام الفطرة الناطقة بالحقِّ، حتَّى نطق بها ونقض كلامه من الأساس إذ قال: (اعلم أنَّ في المشهور بين الكافَّة من أهل الإسلام على ممرِّ الأعصار أنَّه لا بدَّ في آخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت يؤيِّد الدين ويُظهِر العدل ويتبعه المسلمون ويستولي على الممالك الإسلاميَّة ويُسمّى بالمهدي)(١٤)، فبعد إقراره بأنَّ الجميع يقبلون عقيدة الإمام المهدي، النابعة من السُّنَّة النبويَّة والأحاديث الشـريفة التي أكَّد عليها النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام ببيانات مختلفة، فقد أقرَّ ضمناً بصحَّة تلك الروايات التي أبطلها.
والتشكيك في هذه القضيَّة ليس وليد الساعة، وإنَّما ابتدأ منذ زمان الغيبة الصغرى كما ينقل لنا ذلك الشيخ المفيد رحمه الله في كتابه المسائل العشـر، حيث قال: (فما الذي ينكر خصوم الإماميَّة من قولهم في ستر الحسن عليه السلام ولادة ابنه المهدي عن أهله وبني عمّه وغيرهم من الناس؟)(١٥)، ويذكر لنا الشيخ المفيد رحمه الله بعض من انبرى للترويج وبقوَّة لقضيَّة إنكار ولادة الإمام المهدي عليه السلام بدافع دنيوي ودافع سياسي بعد أن غرَّته السلطات العبّاسية بذلك، فقال رحمه الله: (... وأمَّا المتعلّق بإنكار جعفر بن عليّ شهادة الإماميَّة بولد لأخيه الحسن بن عليّ عليهما السلام وُلِدَ في حياته بعده، والحوز لتركته بدعوى استحقاقها بميراثه مثلاً دون ولد له، وما كان منه من حمل أمير الوقت على حبس جواري الحسن عليه السلام واستبذالهنَّ بالاستبراء لهنَّ من الحمل ليتأكَّد بقيَّة لولد أخيه، إباحته دماء شيعة الحسن بدعواهم خلفاً من بعده كان أحقّ بمقامه من بعده من غيره وأولى بميراثه ممَّن حواه)(١٦).
وهذه النصوص تُبيِّن لنا المحنة التي كان يعيشها أهل ذلك الزمان، والاختبار ببلاء مبرم إبراماً، غياب شخص الإمام عليه السلام من جهة، وتشكيك الناس في أصل إمامته وولادته عليه السلام من جهة أُخرى، والسلطة العبّاسية ومحاربتها من قال بولادة الإمام عليه السلام، وعليه فمن الممكن أن يُؤثِّر ترويج مثل هذه الأفكار على الاعتقاد بالإمام المهدي عليه السلام ويحدث نوع اهتزاز فكري عند المتأثِّر بها، خصوصاً إذا عمَّق إبليس المشكلة وجذَّرها في نفسه.
والجواب عن هذه الشبهة من وجهين:
الأوَّل: من جهة فكرية اعتقادية، وما أفادته النصوص في هذا المعنى.
الثاني: من جهة تاريخية وواقع معاش من عصـر الإمام الحسن العسكري عليه السلام إلى أواخر زمان الغيبة الصغرى.
أمَّا الوجه الأوَّل:
فإنَّه توجد عندنا نصوص كثيرة دلَّت على أُمور اعتقادية عديدة يمكن الاستفادة منها في المقام، ومنها:
أ - النصُّ الذي قرن بين الكتاب وأهل البيت عليهم السلام وأنَّهما لن يفترقا، المعروف بـ (حديث الثقلين)، وهو نصٌّ متواترٌ لا غبار عليه، حيث يستفاد منه وجود الإمام عليه السلام دائماً مع القرآن إلى يوم القيامة، وهذا يعني أنَّ الإمام لا بدَّ أن يكون مولوداً وله تحقّق في الخارج حتَّى يكون مع القرآن، فلو فُرِضَ - كما تدَّعيه العامَّة - عدم ولادته عليه السلام لحصل الانفكاك، وحديث الثقلين يُبطِله.
ب - النصوص التي تعرَّضت لعدم خلوِّ الأرض من حجَّة - وتقدَّمت الإشارة إلى بعضها في المقدَّمة - أيضاً تُثبِت بطلان القول بعدم ولادته عليه السلام، حيث يلزم من القول بعدم الولادة خلوّ الأرض من حجَّة، وهذه الروايات تُبطِله.
ج - النصوص المهدوية ونصوص الأئمَّة الاثني عشـر الكثيرة الوفيرة المتواترة، الدالّة على أنَّ الإمام المهدي عليه السلام هو الإمام من بعد أبيه الحسن العسكري عليه السلام، تُثبِت لابدّية ولادته عليه السلام في زمان أبيه عليه السلام، ولا يُوجَد عاقل يتصوَّر أنَّ الإمام المهدي سوف يُولَد من أبوين قد ماتا وتجاوز الفاصل الزمني بينهم الألف سنة.
وأمَّا الوجه الثاني:
حيث أكَّدت القرائن والدلائل التي ظهرت في ذلك الوقت أنَّه عليه السلام مولود بالقطع واليقين ولا ريب في ذلك، ومن تلك الأُمور التي ثبتت في تلك الحقبة:
أ - رواية السيِّدة حكيمة، وما شاهدته ليلة ولادته عليه السلام وبعدها، وكيف شاهدت الإمام المهدي عليه السلام بيد أبيه العسكري عليه السلام(١٧).
ب - مشاهدة بعض الرواة ووكلاء الإمام العسكري عليه السلام للإمام المهدي عليه السلام من خلال عرض الإمام العسكري عليه السلام عليهم ذلك، ومشاهدتهم إيّاه(١٨).
ج - قضيَّة تجهيز والده العسكري عليه السلام بعد موته، والصلاة عليه، وتنحيته لعمِّه جعفر الكذّاب عن ذلك المقام، والوقوف به للصلاة على جنازة الإمام الحسن العسكري عليه السلام(١٩).
د - استقباله عليه السلام لبعض الوفود بعد وفاة أبيه عليه السلام، وإخباره بما في الهميان(٢٠).
هـ - والأهمّ من هذا كلّه ما حصل في الغيبة الصغرى من نصبه للسفراء الأربعة، وخروج التوقيعات من ناحيته المقدَّسه لمدَّة زمنية قاربت الـ (٧٠) عاماً.
الجانب الثاني: الشكّ في بقائه عليه السلام حيّاً:
إنَّ الإنسان الاعتيادي ليس له قابلية البقاء أكثر من السنِّ الطبيعي الذي أقصاه مائة سنة أو أكثر أو أقلّ، مع أنَّنا نجد عمر الإمام عليه السلام قد تجاوز اليوم الألف والمائة سنة، فقياساً بالإنسان الاعتيادي تكون مسألة بقاء الإمام عليه السلام على قيد الحياة أمراً غير معقول ممَّا يُسبِّب هزَّة فكرية سيقع فيها الناس، كما أشار إليه الإمام أبو عبد الله الصادق عليه السلام إذ قال: (... ولتمحصنَّ حتَّى يقال: مات [قُتِلَ]، أو هلك بأيِّ وادٍ سلك؟ ولتدمعنَّ عليه عيون المؤمنين، ولتكفأنَّ كما تكفأ السفن في أمواج البحر، فلا ينجو إلَّا من أخذ الله ميثاقه، وكتب في قلبه الإيمان ، وأيَّده بروح منه)(٢١).
ولعلَّ هذا الأمر هو الذي دفع السائل أن يسأل من الشيخ الصدوق حيث قال له: (إنَّ الغيبة قد طالت، والحيرة قد اشتدَّت، وقد رجع الكثير عن القول بالإمامة لطول الأمد، فكيف هذا؟)(٢٢)، وذكر السيِّد الميلاني: أنَّ هناك من العامَّة من قال بولادة الإمام المهدي عليه السلام ولم ينكرها، ولكنَّه أنكر بقاءه حيّاً، مثل التفتازاني، (فإنَّ التفتازاني لم يُكذِّب ولادة المهدي من الحسن العسكري عليه السلام، وإنَّما استبعد أن يكون الإمام باقياً هذه المدَّة من الزمان، ولذا نرى بعضهم يعترف بولادة الإمام عليه السلام ثمّ يقول: مات)(٢٣).
وهذه الفكرة لعلَّها أخطر من سابقتها على العقيدة المهدوية، لقرب مأخذها، حيث إنَّ الناس مأنوسون بالحسِّ وعالم المادَّة، وغافلون عن الغيب وعالمه، فيتعاملون مع كثير من قضاياهم بخلفيتهم الحسّية، فلذا نجدهم عندما يأتون إلى قضيَّة بقاء الإمام المهدي عليه السلام حيّاً يُرزَق بعد اثني عشـر قرنا يجدونها صعبة التقبّل إن لم يرفضوها بناءً على ميزانهم الحسّـي، حيث لم يروا إلَّا الإنسان العادي الذي لا يُعمِّر أكثر من ثمانين سنة أو يزيد عليها بشـيء قليل، ولم يعهدوا حسّاً بأنَّ إنسانا عاش ثلاثة قرون، إلَّا أنَّ هؤلاء غاب عنهم أمر الله تعالى ومشيئته، فهو الذي (إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) (يس: ٨٢).
والجواب عن ذلك من ثلاث جهات:
الأولى: وهي الجهة العقلية، فإنَّ العقل عندما تُعرَض عليه مسألة بقاء الإمام المهدي عليه السلام على قيد الحياة، يجدها قضيَّة ممكنة وليست مستحيلة ولا ممتنعة، وعليه فإنَّ العقل لا يعارض طول عمر الإمام ولا ينكره، بل يقول بإمكانه، فالذين يُشكِّكون في طول حياة الإمام عليه السلام لو رجعوا إلى عقولهم لوجدوا جوابهم فيها صريحاً(٢٤).
الثانية: وهي الجهة الروائية، فإنَّ الروايات قد نصَّت على غيبة الإمام الثاني عشـر عليه السلام من جهة، وعلى طول عمره من جهة ثانية، وعلى أنَّ الأرض لا تخلو من حجَّة من جهة ثالثة، وكلُّ واحد منها كافٍ في إثبات طول عمره عليه السلام، إلَّا أنَّ أصرح النصوص دلالةً في المقام هي النصوص التي دلَّت على طول عمره الشـريف، ومنها ما رواه الشيخ الصدوق فقال: حدَّثنا محمّد بن عليّ بن بشّار القزويني، قال: حدَّثنا أبو الفرج المظفَّر بن أحمد، قال: حدَّثنا محمّد بن جعفر الكوفي الأسدي، قال: حدَّثنا موسى بن عمران النخعي، عن عمِّه الحسين بن يزيد، عن حمزة بن حمران، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، قال: سمعت سيِّد العابدين عليّ بن الحسين عليه السلام يقول: (في القائم سُنَّة من نوح، وهو طول العمر)(٢٥).
الثالثة: وهي الجهة التاريخية النصّية، حيث ورد في نصوص عديدة وجود نظائر لقضيَّة طول عمر الإمام المهدي عليه السلام، وليس هو الوحيد في العالم ممَّن مدَّ الله تعالى في عمره، ومن هؤلاء:
أ - العبد الصالح الخضـر، روى الشيخ الصدوق بسنده عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام أنَّه قال لسدير الصيرفي: (... وأمَّا العبد الصالح - أعني الخضـر عليه السلام - فإنَّ الله تبارك وتعالى ما طوَّل عمره لنبوَّة قدَّرها له، ولا لكتاب ينزله عليه، ولا لشـريعة ينسخ بها شريعة من كان قبله من الأنبياء، ولا لإمامة يُلزم عباده الاقتداء بها، ولا لطاعة يفرضها له، بلى إنَّ الله تبارك وتعالى لـمَّا كان في سابق علمه أن يُقدِّر من عمر القائم عليه السلام في أيّام غيبته ما يُقدِّر، وعلم ما يكون من إنكار عباده بمقدار ذلك العمر في الطول، طوَّل عمر العبد الصالح في غير سبب يوجب ذلك، إلَّا لعلَّة الاستدلال به على عمر القائم عليه السلام، وليقطع بذلك حجَّة المعاندين، لئلَّا يكون للناس على الله حجَّة)(٢٦).
ب - عيسى بن مريم عليه السلام، فإنَّه عليه السلام بنصِّ القرآن عليه لم يمت ولم يحرقه اليهود إنَّما شُبِّه لهم ذلك، (بَلْ رَفَعَهُ اللهُ) (النساء: ١٥٨)، وقد ورد النصُّ من طرق الخاصَّة والعامَّة على أنَّ عيسى عليه السلام سوف يظهر مع القائم المهدي عليه السلام ويأتمُّ به، وهذا ما لم يستطع ابن خلدون إنكاره مع أنَّه قد أنكر روايات المهدي عليه السلام فقال: (اعلم أنَّ في المشهور بين الكافَّة من أهل الإسلام على ممرِّ الأعصار أنَّه لا بدَّ في آخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت يؤيِّد الدين، ويُظهِر العدل، ويتبعه المسلمون، ويستولي على الممالك الإسلاميَّة، ويُسمّى بالمهدي، ويكون خروج الدجّال وما بعده من أشراط الساعة الثابتة في الصحيح على أثره، وأنَّ عيسى ينزل من بعده فيقتل الدجّال أو ينزل معه فيساعده على قتله، ويأتمُّ بالمهدي في صلاته، ويحتجّون في الشان بأحاديث خرَّجها الأئمَّة، وتكلَّم فيها المنكرون لذلك)(٢٧).
ج - أبو الدنيا معمر المغربي، قال الشيخ الصدوق: (ومخالفونا رووا أنَّ أبا الدنيا المعروف بمعمر المغربي واسمه عليّ بن عثمان بن خطّاب بن مرَّة بن مؤيّد لـمَّا قُبِضَ النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم كان له قريباً من ثلاث مائة سنة، وأنَّه خدم بعده أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام، وأنَّ الملوك أشخصوه إليهم وسألوه عن علَّة طول عمره واستخبروه عمَّا شاهد، فأخبر أنَّه شرب من ماء الحيوان، فلذلك طال عمره، وأنَّه بقي إلى أيّام المقتدر، وأنَّه لم يصح لهم موته إلى وقتنا هذا، ولا ينكرون أمره، فكيف ينكرون أمر القائم عليه السلام لطول عمره؟)(٢٨).
الجانب الثالث: الشكُّ في فائدة الإمام المهدي عليه السلام عند غيبته:
الإنسان الذي لم تتجاوز إدراكاته حدود الأُطر المادّية يحسب أنَّ الفائدة - من الأشياء بصورة عامَّة ومن البشر وأفعالهم بصورة خاصَّة - لا بدَّ أن تكون ملموسة ظاهرة، وذلك لأُنسه بالمادَّة وعالم الحسِّ، وهذا ما يبعثه على الوقوف أمام الأُمور غير المحسوسة موقفاً سلبياً، كما يُحدِّثنا القرآن الكريم عن أهل الدنيا والدهريين الذين قالوا: (إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا) (الأنعام: ٢٩) وأنكروا الآخرة، ويُحدِّثنا أيضاً عن قوم موسى عليه السلام وكيف طلبوا من موسى أن يريهم الله تعالى جهرةً فقالوا: (أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً) (النساء: ١٥٣)، ويُحدِّثنا القرآن الكريم عن كثير من أمثال هؤلاء الذين سحرت عيونهم الدنيا وخدعت قلوبهم المادَّة، وأركسهم الحسُّ في أعماق بحر الضلال.
وهذا الحسُّ والهاجس الذي بنى أغلب الناس عليه حياتهم جرّوه إلى قضيَّة الإمام المهدي عليه السلام، فإنَّهم بعد إقرارهم بولادته عليه السلام وحياته ضمناً، أنكروا وجود فائدة للإمام المهدي عليه السلام في غيبته، وكأنَّهم يقولون: طالما كان الإمام عليه السلام غائباً مستتراً لم نرَه ولم نباشره بالسؤال ولا يتدخَّل بصورة علنية في أُمورنا فلا فائدة منه(٢٩).

تعليق