بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وآل محمد
في خضمِّ صراع الإنسان اليومي مع ذاته ومع مغريات الحياة، يظل القلب ساحةً تتجاذبها أنوار الرحمة الإلهية وظلمات الوساوس الشيطانية. وبين هذين الطريقين يقف الإنسان مخيَّراً: إمّا أن يستسلم لضعفه، وإمّا أن يحوّل عثراته إلى درجاتٍ تقرّبه من الله تعالى. ومن أروع ما يجسّد هذا المعنى ذلك الدعاء العميق الذي يربّي النفس ويهذّب الروح:
«اللَّهُمَّ اجْعَلْ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِي رَوْعِي، مِنَ التَّمَنِّي وَالتَّظَنِّي وَالْحَسَدِ، ذِكْراً لِعَظَمَتِكَ، وَتَفَكُّراً فِي قُدْرَتِكَ، وَتَدْبِيراً عَلَى عَدُوِّكَ، وَمَا أَجْرَى عَلَى لِسَانِي مِنْ لَفْظَةِ فُحْش، أَوْ هُجْرٍ، أَوْ شَتْمِ عِرْضٍ، أَوْ شَهَادَةِ بَاطِلٍ، أَوِ اغْتِيَابِ مُؤْمِنٍ غَائِبٍ، أَوْ سَبِّ حَاضِرٍ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، نُطْقاً بِالْحَمْدِ لَكَ، وَإِغْرَاقاً فِي الثَّنَاءِ عَلَيْكَ، وَذَهَاباً فِي تَمْجِيدِكَ، وَشُكْراً لِنِعْمَتِكَ، وَاعْتِرَافاً بِإِحْسَانِكَ، وَإِحْصَاءً لِمِنَنِكَ».
يحمل هذا الدعاء رسالة تربوية راقية فلا يقتصر على طلب الحماية من الشر، بل يسمو إلى تحويله إلى خير. فالإنسان لا ينجو من الوساوس، لكنه يستطيع أن يجعلها سبباً للذكر والتفكّر والقرب من الله. وهنا تتجلّى قمة الوعي الروحي: تحويل الضعف إلى قوة، والخطر إلى فرصة للنمو.
في واقعنا اليومي، تتكرر مواقف تضعنا أمام اختبارات أخلاقية:
عند الحسد: عندما نرى نجاح الآخرين، يعلّمنا الدعاء أن نستبدل الغيرة بالتسبيح، فنذكر عظمة الله الذي يهب من يشاء.
عند سوء الظن: يحثّنا على التفكّر في قدرة الله وعدله، فيزول القلق ويحلّ الاطمئنان.
عند الغضب أو الإساءة: يذكّرنا بأن نطهّر ألسنتنا بالحمد بدل الفحش، وبالشكر بدل الشتائم.
عند انتشار الغيبة: يوجّهنا إلى استبدالها بذكر الله والثناء عليه، فنحفظ كرامتنا وكرامة الآخرين.
وهكذا يتحول الإنسان من أسيرٍ لنزواته إلى قائدٍ لروحه، يعيش في سلام مع نفسه ومجتمعه.
يرسم الدعاء منهجاً متكاملاً لتزكية النفس، يقوم على:
الوعي الداخلي: إدراك مصادر الوسوسة ومواجهتها.
التحويل الإيجابي: استبدال الخطأ بالطاعة.
طهارة اللسان: تهذيب الكلام ليكون حمداً وثناءً.
شكر النعم: الاعتراف بفضل الله يولّد الطمأنينة.
السمو الروحي: استحضار عظمة الله في كل موقف.
من يعيش بروح هذا الدعاء ينال:
صفاء القلب وسكينة النفس.
قوة في مواجهة الشيطان.
سموّ الأخلاق وحسن المعاملة.
رضا الله ومحبة الناس.
شعوراً دائماً بالأمل والطمأنينة.
إن هذه الفقرة من دعاء مكارم الأخلاق للأمام زين العابدين عليه السلام برنامج يعلّم الإنسان كيف يحوّل وساوس الشيطان إلى جسورٍ تقوده نحو الله. فإذا أخلص العبد في العمل به، صار لسانه رطباً بالحمد، وقلبه مفعماً بالنور، وروحه مغمورة بالسكينة.
فطوبى لمن جعل من كل وسوسةٍ تسبيحاً، ومن كل زلّةٍ توبةً، ومن كل نعمةٍ شكراً يقوده إلى رضوان الله.

تعليق