بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ ۙ وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾[1].
تميز المنحرفون بعدة أنماط من الانحراف وفي هذه الآية الشريفة ورد البعض منها، حيث ذكرت السورةُ في مقدمتها إن الله ﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ﴾[2].
فمن أنماط المخاصمة أو المماحكة أو الجدال المَرَضي ذهابُ المنحرفين وهم المشركون المعاصرون لرسالة الإسلام إلى أن محمّدا (صلّى الله عليه وآله) مفترٍ بدليل أن القرآن مبدّل بعض آياته مثلاً: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ﴾، وذهابهم أيضاً إلى أنه (صلّى الله عليه وآله) يعلّمه بشرٌ مثله في ميدان سرد القصص وغيرها، حيث تذكر النصوص المفسرة أن بعض النصارى هم الذين عناهم المنحرفون في الادّعاء المذكور.
وقد أجابهم النص على الادعاء الأول بأن تبدّل آية مكان آيةٍ إنما يخضع لحكمة الله تعالى: ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾، وأجابهم على الادعاء الآخر بأن لسان أولئك النصارى المزعومين هو أعجمي في حين أن لغة القرآن عربيةً مبينة: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ۗ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾[3].
بعد ذلك تتحدث الآية عن فئات أو أفراد قد يصدر عنهم نمط من السلوك غير المقبول ظاهراً، وهذا مثل مَن يمارس التقية مثلاً حيث يقدّم النص تفسيراً لمسوغات هذا السلوك ومستوياته وافتراقه عن سواه.
فهناك كما يقول المقطع ﴿مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾[4]، أي مَنْ يكره من قِبَل الطغاة على أن يقول كلاماً يتفق مع وجهة نظرهم، مثل هذا الشخص لا غبار على سلوكه ما دام قد مارس هذا السلوك لفظياً دون أن يصدر عن حقيقة أعماقه، إنما مارسه ليحقن بذلك دَمه، قال الشيخ الطوسي: [لم تر فرقةٌ، ولا بُلِيَ أهلُ مذهب، بما بُلِيَتْ به الشيعةُ، حتّى لا تكادُ تعرفُ زماناً سلمت فيه الشيعةُ من الخوف ولزوم «التَقِيّة»، ولا حالا عَرِيَتْ فيه من قصد السلطان وعصبته وميله وانحرافه][5].
وقد ذكر النص نموذجاً عملياً للإيمان لدى أمثلة هؤلاء الذين مارسوا التقية متمثلاً في أولئك الذين: ﴿هَاجَرُوا مِن بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا﴾[6]، كما يقول النص، حيث عقّب على سلوكهم المذكور قائلاً: ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾، بمعنى أنه تعالى يغفر للنمط الذي عُذِّبَ في الله وجامل الطغاة لفظياً بأن وافقهم ظاهراً على وجهة نظرهم المنحرفة.
أمثلة هذا النمط ما دام قلبه مطمئناً بالإيمان مغفور له على الضدّ من النفر الذي يتجاوب واقعياً مع أفكار الطغاة حيث عقّب على هذا النفر المتجاوب قائلاً في الآية 106: ﴿وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
إذاً، ثمة معيار رسمته هذه المجموعة من الآيات بالنسبة لمن يمارس سلوكاً لفظياً مخالفاً لحقيقة أعماقه، هذا السلوك مقبول إسلامياً إذا كان الشخص قد أكره عليه بنحوٍ يحقن به دمه.
بيد أن ذلك كما تفصّله نصوصُ الحديث الوارد عن النبي (صلّى الله عليه وآله) وأهل بيته المعصومين (عليهم السلام) مشروط بأوضاع خاصة يستطيع الشخص بنفسه أن يقدر من خلالها ما إذا كانت التقية لها مسوغاتها أم لا، فإذا كانت التقية تجرّ الشخص إلى أن يسفك دماً محللاً مثلاً حينئذٍ لا تقية في هذا الميدان لأنها شرّعت أساساً من أجل حقن الدم، فلا معنى حينئذٍ لأن يسفك دماً من أجل حقن دمه كما لو اضطر أحد الجنود المنتسبين إلى سلطة ظالمة أن يقتل أخاه في الإيمان حينئذٍ لا معنى لأن يمارس الجنديُ المذكور التقية فيقتل أخاه المسلم ليحقن به دمه بل يتعيّن عليه تحمّل كلٍ من السجن أو التعذيب.
والأمر نفسه بالنسبة لموارد أخرى تتحدد المصلحة من خلالها في عدم التقية.
فالشخص نفسه أعرف من سواه بالموارد التي ينبغي استخدام التقية فيها.
[1] سورة النحل، الآية: 101.
[2] سورة النحل، الآية: 4.
[3] سورة النحل، الآية: 103.
[4] سورة النحل، الآية: 106.
[5] تلخيص الشافي، ص 59.
[6] سورة النحل، الآية: 110.
