بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾[1].
إن القصص التي ذكرها القرآن الكريم عن إبراهيم الخليل (عليه السلام) ترشد إلى أنه كان وحده مجتمعاً أو أمةً، وهذا من الوضوح بمكان إذا أخذنا بعين الاعتبار أنّ مجتمع إبراهيم كان منحرفاً بأكمله، بما في ذلك أقرب الناس إليه وهو أبوه، وحينئذٍ عندما ينفرد وحده بقضية الإيمان، ويجاهد المنحرفين وحده (قضية تهشيمه الأصنام ومحاكمته وإنقاذه) لابدّ أن يكون كما وصفه الله تعالى ﴿كَانَ أُمَّةًقَانِتًا﴾.
وقد منحه الله تبعاً لما تقدم خصوصيةً وتميّزاً في رسالته وهي الحنيفية وأمر محمداً (صلّى الله عليه وآله) باتّباع مبادئها.
وقد وصف المقطع إبراهيم (عليه السلام) بأنه شاكر لنعم الله ﴿شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ﴾[2].
وتظل قضية الشكر واحدةً من أهم المحاور الفكرية لسورة النحل حيث عدّد فيها النص قضية النِعمَ (الأنعام لحومها ومنتجاتُها، الأسماك، العسل، شرابه وشفاؤه للأمراض، الزرع، الزيتون، النخيل، الأعناب، وكل الثمرات...الخ). هذه النعم التي ورد ذكرها مفصلةً ومكررةً في السورة قد اقترنت بمطالبة الشكر حيالها، وهو أمرٌ يفسّر لنا سرّ التلاحم بين سمة الشكر التي خلعها المقطع على إبراهيم (عليه السلام) وبين مطلق الشكر الذي أشرنا إليه.
يُلاحظ أيضاً، أن المقطع عرض للسلوك الإسرائيلي في قضية السبت، كما عرض لسلوكهم في مقطع أسبق يتصل بتحريم بعض الطعام عليهم، وبانحرافهم في غمرة حديث النص عن معطيات الغذاء الذي شكل أهم محاور السورة كما قلنا، والسؤال هو: ما هي الصلة الفنية بين السلوك الإسرائيلي من جانب، وسلوك إبراهيم من جانب آخر؟
بشكل عام إن الشخصية اليهودية بصفتها أشدّ الشخصيات أو المجتمعات انحرافاً طوال التاريخ منها موقفهم من رسالة الإسلام حيث يتحدث النص عن المجتمع المعاصر لهذه الرسالة وكونه (خصيماً مبيناً) حينئذٍ فإن تسجيل مواقف المجتمع اليهودي يجيء في مقدمة التدليل على انحراف المجتمع المذكور.
أما صلة ذلك بإبراهيم (عليه السلام) فقد جاء في سياق كونه (عليه السلام) ﴿أُمَّةً﴾، وحده، وإلى أنه (ما كان من المشركين) وإلى كونه (عليه السلام) (شاكراً لأنعمه تعالى) وإلى أن اتباع حنيفيته موضع مطالبةٍ حتى للنبي (صلّى الله عليه وآله)، كل أولئك يجسّد أولاً السمات المضادة للسلوك الإسرائيلي الخصومة، التمرد، الشرك الخ، ثم يجسّد جانباً آخر هو كونه (عليه السلام) مقدمة النَسَب الذي يُعنى الإسرائيليون بالانتماء إليه، ثم يجسّد ثالثاً أحد المواقف المتجانسة فنيّاً مع المحور العام للسورة وهو نِعَم (الطعام) الذي سخره الله للآدميين، فيما جاءت قضية السبت وصلتها بصيد الأسماك وهي ظاهرة تنتسب إلى الطعام متجانسةً مع المحور الفكري للسورة مما يفسّر لنا واحداً من اسرار الصلة بين انتخاب قضية السبت دون غيرها من نماذج السلوك المتمرد عند الإسرائيليين.
﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾[3]، أخيراً، طرح المقطعُ الختاميُ قضية (المجادلة بالتي هي أحسن) حيث تشكّل جواباً فنيّاً لمقدمة السورة التي وصفت الإنسان بأنه ﴿.. خَصِيمٌ مُّبِينٌ﴾[4].
فالمنحرف المتخاصم يقف على الضد منه: (الجدال بالتي هي أحسن) فكأن النص يريد أن يقابل بين مضادات السلوك المنحرف والسلوك الإسلامي.
يُلاحظ أيضاً، أن المقطع الختامي طرح قضية القصاص والصبر والعفو ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ ۖ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ﴾[5]، وهي ظواهر تتصل بطرائق التبليغ لرسالة الإسلام، ونمط المواجهة لأعدائه، حيث أن مقدمة السورة طالبت المبلّغين بإنذار الناس ﴿أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾، وحيث جاء الختام متحدثاً عن مستويات هذا الإنذار من حيث صلته بمواقف المنحرفين ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللهِ ۚ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ﴾[6].
إذاً، جاءت الخاتمة متجانسةً مع بداية السورة من حيث تلاقي موضوعاتها وتناميها وتقابلها وفق مبنىً هندسي بالغ الإحكام والجمال، بالنحو الذي تقدم الحديث عنه مفصلاً.
[1] سورة النحل، الآية: 120.
[2] سورة النحل، الآية: 121.
[3] سورة النحل، الآية: 125.
[4] سورة النحل، الآية: 4.
[5] سورة النحل، الآية: 126.
[6] سورة النحل، الآية: 127.
