بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ ۚ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾[1].
﴿جُعِلَ السَّبْتُ﴾: فرض تعظيمه والتفرغ فيه للعبادة على اليهود الذين اختلفوا فيه على نبيهم، واختاروه بدل يوم الجمعة الذي أمروا بتعظيمه.
أيْ أنّ السبت وما حرم في السبت كان عقوبة لليهود، وقد اختلفوا فيه أيضاً، فمنهم مَنْ قبله ومنهم مَنْ أهمله.
وتقول بعض الرّوايات: أنّ موسى (عليه السلام) دعا قومه بني اسرائيل لاحترام يوم الجمعة وتعطيل أعمالهم فيه، وهو دين إِبراهيم (عليه السلام)، إِلاّ إنّهم تعلّلوا، واختاروا يوم السبت، فجعله الله عطلة لهم ولكنْ بضيق وشدّة، ولهذا لا ينبغي الاعتماد على تعطيل يوم السبت، لأنّه إِنّما كان استثنائياً وذا طابع جزائي، وأفضل دليل على هذا الأمر أنّ اليهود أنفسهم اختلفوا في يومهم المنتخب هذا، فبعض احترمه وبعض آخر خالف ذلك وأدام العمل والكسب فيه حتى أصابهم عذاب الله.
وثمّة احتمال آخر أنْ تكون إِشارة الآية مرتبطة ببدع المشركين في موضوع الأغذية الحيوانية.
وعلى أيّةِ حال، فثمّة ارتباط بين هذه الآيات والآيات (163 ـ 166) من سورة الأعراف التي تتحدث عن «أصحاب السبت» وهو قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ ۙ لَا تَأْتِيهِمْ ۚ كَذَٰلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾[2]، إنَّ هذه الحادثة من الحوادث الخارقة للعادة الّتي حدثت بقدرة الله على خلاف الواقع المألوف في حركة السَّمك في البحر أو النّهر؛ لحكمةٍ يراها، فإنَّ قدرته في الإيجاد هي قدرته في الخرق والتّغيير المحدود أو المطلق، وهذا هو الأفق الإيمانيّ الذي يتحرّك فيه الغيب، وكيف أنّ صيد السمك قد حرّم عليهم في يوم السبت، ومخالفة قسم منهم لهذا الأمر، والعقاب الشديد الذي نزل عليهم بعد ذلك الامتحان الإِلهي.
وجرت سنّة الله في خلقه، وحان موعد الاختبار والابتلاء اختبار لمدى صبرهم واتباعهم لشرع الله، ابتلاء يخرجون بعده أقوى عزما، وأشد إرادة تتربى نفوسهم فيه على ترك الجشع والطمع، والصمود أمام المغريات.
وقد ورد في حديث طويل عن محمد بن سالم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: ((...وأمر كل نبي بالأخذ بالسبيل والسنة وكان من السنة والسبيل التي أمر الله عز وجل بها موسى (عليه السلام) أن جعل الله عليهم السبت وكان من أعظم السبت ولم يستحل أن يفعل ذلك من خشية الله، أدخله الله الجنة ومن استخف بحقه واستحل ما حرم الله عليه من عمل الذي نهاه الله عنه فيه، أدخله الله عز وجل النار وذلك حيث استحلوا الحيتان واحتبسوها وأكلوها يوم السبت، غضب الله عليهم من غير أن يكونوا أشركوا بالرحمن ولا شكوا في شيء مما جاء به موسى (عليه السلام)، قال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾[3]، ثم بعث الله عيسى (عليه السلام) بشهادة أن لا إله إلا الله والاقرار بما جاء به من عند الله وجعل لهم شرعة ومنهاجا فهدمت السبت الذي أمروا به أن يعظموه قبل ذلك وعامة ما كانوا عليه من السبيل والسنة التي جاء بها موسى فمن لم يتبع سبيل عيسى أدخله الله النار))[4].
وينبغي الالتفات إِلى أنّ «السبت» في الأصل بمعنى تعطيل الأعمال للاستراحة، ولذلك سمي يوم السبت، لأنّ اليهود كانوا يعطلون أعمالهم فيه، وبقي هذا الاسم مستعملا حتى بعد مجيء الإِسلام، إِلاّ أنّه لا عطلة فيه.
ويقول القرآن الكريم في آخر الآية: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.
وكما أشرنا سابقاً فإِنّ إِحدى خصائص يوم القيامة إِنهاء الاختلافات على كافة الأصعدة، والعودة إِلى التوحيد المطلق، لأنّ يوم القيامة هو يوم: البروز، الظهور، كشف السرائر والبواطن، وكشف الغطاء ويوم رفع الحجب.
[1] سورة النحل، الآية: 124.
[2] سورة الأعراف، الآية: 163.
[3] سورة البقرة، الآية: 65.
[4] الكافي، ج 2، ص 28.
