بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
قال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾[1].
أهم الأوامر الأخلاقية الأساسية التي ينبغي التحصن بها عند مواجهة المخالفين على أساس منطقي، وكما وتبيّن كيفية العقاب والعفو وأُسلوب الصمود أمام مؤامرتهم وما شابه ذلك.
ويمكن تسمية ذلك بالأصول التكتيكية ومنهج المواجهة في الإِسلام ضد المخالفين، كما وينبغي العمل به كقانون كلي شامل لكل زمان ومكان.
ويتلخص هذا البرنامج الرّباني بعشرة أُصول، تم ترتيبها وفقاً لتسلسل الآية مورد البحث:
1 ـ ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾:
«الحكمة»: بمعنى العلم والمنطق والاستدلال، وهي في الأصل بمعنى المنع وقد أُطلقت على العلم والمنطق والاستدلال لقدرتها على منع الإِنسان من الفساد والانحراف، وقد ورد عن الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) قوله: ((الحكمة ضياء المعرفة وميراث التقوى وثمرة الصدق وما أنعم الله على عبدٍ من عباده نعمة أنعم وأعظم وأرّفعَ وأجْزلَ وأبْهى من الحكمة))[2]، فأوّل خطوة على طريق الدعوة إِلى الحقّ هي التمكن من الاستدلال وفق المنطق السليم، أو النفوذ إِلى داخل فكر الناس ومحاولة تحريك وإِيقاظ عقولهم، كخطوة أُولى في هذا الطريق.
2 ـ ﴿وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾:
وهي الخطوة الثّانية في طريق الدعوة إِلى الله، بالاستفادة من عملية تحريك الوجدان الإِنساني، وذلك لما للموعظة الحسنة من أثر دقيق وفاعل على عاطفة الإِنسان وأحاسيسه، وتوجيه مختلف طبقات الناس نحو الحقّ، وفي الحقيقة فإِنّ «الحكمة» تستثمر البُعد العقلي للإِنسان، و«الموعظة الحسنة» تتعامل مع البُعد العاطفي له، وقد قال النبي (صلى الله عليه وآله): ((ما أهدى المسلم لأخيه هدية أفضل من كلمة حكمة تزيده هدى أو ترده عن ردى))[3].
إِنّ تقييد «الموعظة» بقيد «الحسنة» لعلّه إِشارة إِلى أنّ النصيحة والموعظة إِنّما تؤدي فعلها على الطرف المقابل إذا خليت من أيّةِ خشونة أو استعلاء وتحقير التي تثير فيه حسّ العناد واللجاجة وما شابه ذلك، فكم من موعظة أعطت عكس ما كان يُؤَمَّل بها بسبب أُسلوب طرحها الذي يُشْعِر الطرف المقابل بالحقارة والإِهانة كأن تكون الموعظة امام الآخرين ومقرونة بالتحقير، أو يستشمّ منها رائحة الاستعلاء في الواعظ، فتأخذ الطرف المقابل العزة بالإِثم ولا يتجاوب مع تلك الموعظة، وهكذا يترتب الأثر الإِيجابي العميق للموعظة إِذا كانت «حسنة».
3 ـ ﴿وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.
الخطوة الثّالثة تختص بتخلية أذهان الطرف المخالف من الشبهات العالقة فيه والأفكار المغلوطة ليكون مستعداً لتلقي الحق عند المناظرة، فعن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال : ((إِيّاكُم وَالخُصُومَةَ فِي الدِّينِ فَإنَّها تُشغِلُ القَلبَ عَنْ ذِكرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَتُورثُ النِّفاقِ، وَتَكسِبُ الضَّغائِنَ، وَتَستَجِيرُ بالكِذبَ))[4]، وبديهي أنْ تكون المجادلة والمناظرة ذات جدوى إِذا كانت ﴿بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، أيْ أنْ يحكمها الحق والعدل والصحة والأمانة والصدق، وتكون خالية من أيّةِ إِهانة أو تحقير أو تكبر أو مغالطة.
قال بعض المفسّرين في الفرق ما بين الحكمة، والموعظة الحسنة، المجادلة بالتي هي أحسن: أنّ الحكمة إِشارة إِلى الأدلة القطعية.
الموعظة الحسنة إِشارة إِلى الأدلة الظنية.
والمجادلة بالتي هي أحسن إِشارة إِلى الأدلة التي تهدف إِلى إِفحام المخالفين من خلال إِلزامهم بما به يقبلون.
(إِلاّ أنّ ما أوردناه أعلاه يبدو أكثر مناسبة للمقصود).
وفي ذيل الآية الأُولى، يقول القرآن: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾، فالآية تشير إِلى أنّ وظيفتكم هي الدعوة إِلى طريق الحق بالطرق الثلاثة المتقدمة، أمّا مسألة مَنْ الذي سيهتدي ومَنْ سيبقى على ضلاله، فعلم ذلك عند الله وحده سبحانه.
وثمة احتمال آخر في مقصود هذه الجملة وهو بيان دليل للتوجيهات الثلاث المتقدمة، أيْ: إِنّما أمر سبحانه بهذه الأوامر الثلاثة لأنّه يعلم الكيفية التي تؤثر بالضالين لأجل توجيههم وهدايتهم.
[1] سورة النحل، الآية: 125.
[2] بحار الأنوار، ج 1، ص 215، ح 26.
[3] منية المريد، ج 2، ص 24.
[4] بحار الأنوار، ج 2، ص 128، ح 6.
