بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
قال الله تعالى: ﴿لَّا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولًا﴾[1].
﴿لَّا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ﴾، المعنى الواضح لهذا المقطع من الآية يقول: لا تجعل معبوداً آخر مع الله لا في العقيدة، ولا في العمل، ولا في الدعاء، ولا في العبودية.
ولا يقول: لا تعبد مع الله إِلهاً آخر، بل: ﴿لَّا تَجْعَلْ﴾، هذا اللفظ أشمل وأوسع.
بعد ذلك توضح الآية النتيجة القاتلة للشرك فتقول: ﴿فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولًا﴾.
إِنَّ استعمال كلمة «القعود» تدل على الضعف والعجز، فمثلا يقال: قَعَدَ به الضعف عن القتال. وَمِن هذا التعبير يُمكن أن نستفيد أنَّ للشرك ثلاثة آثار سيئة جدّاً في وجود الإِنسان، هي:-
أولا ـ الشرك يؤدي إِلى الضعف والعجز والذّلة، في حين أنَّ التوحيد هو أساس الحركة والنهوض والرفعة.
ثانيا ـ الشرك موجب للذم واللوم، لأنَّهُ خط انحرافي واضح في قبال منطق العقل، ويعتبر كفراً واضحاً بالنعم الإِلهية، لذا فالشخص الذي يسمح لنفسه بهذا الانحراف يستحق الذم.
ثالثا ـ الشرك يكون سبباً في أن يترك الله سبحانه وتعالى الإِنسان إِلى الأشياء التي يعبدها، ويمنع عنهُ حمايته، وبما أنَّ هذه المعبودات المختلفة والمصطنعة لا تملك حماية أي إِنسان أو دفع الضرر عنه، ولأنَّ الله لا يحمي مثل هؤلاء، لذا فإِنهم يصبحون «مخذولين» أي بدون ناصر ومعين.
إِنَّ هذا المعنى يتّضح بشكل آخر في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا ۖ وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ ۖ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾[2].
فالشرك هو أن يجعل الإنسان لله ندّاً، سواء في الذات أم في الصفات أم في الأفعال، وكذلك مَن يخضع لمن يعتقد فيه الألوهية أو الربوبية أو الاستقلالية في التأثير والتدبير حتّى يعدّ خضوعه عبادة، ولا يفرق أن يحصل الخضوع بسجود أو صلاة أو نذر أو ذبح أو دعاء أو استغاثة.
وجريمة الشرك هي من أعظم الجرائم والذنوب، وصاحبها مخلّد في النار أبد الآباد، ولا يخرج من النار أبدا، كما في قول الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ ۚ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾[3]، وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾[4]، وقال عز وجل: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾[5]، والآيات في هذا المعنى كثيرة.
وروي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام): ((ألا وإنّ الظلم ثلاثة: فظلم لا يغفر، وظلم لا يترك، وظلم مغفور لا يطلب، فأما الظلم الذي لا يغفر فالشرك بالله، قال الله سبحانه: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ...﴾[6]...))[7].
ولا يعتقد الشيعةُ بشيءٍ من ذلك على الإطلاق، فهم يعبدون اللهَ تعالى وحده لا شريكَ له، فهو الإله المعبودُ الذي لا إلهَ غيره ولا معبود سواه، وكذلك فإنَّ الشيعة يعتقدون أنَّه لا احدَ يستطيعُ أن يفعلَ شيئاً باستقلاله ودون اذنٍ من الله جلَّ وعلا سواءً كان ملَكا او نبيَّاً أو وصيَّاً، فكلُّ هؤلاء الكرام وغيرهم لا يستطيعون فعلَ شيءٍ خطيرٍ أو حقير باستقلالِهم ودون إذنٍ من الله تعالى ودون إقداره وتمكينه عزَّ اسمُه وتقدَّس.
فالخطاب عامّ لكلّ من يتأتّى منه الخطاب أو خاصّ بالنبي (صلى الله عليه وآله) في اللّفظ على، ايّاك أعني واسمعي يا جارة أو على طريق سريان خطاب المتبوع الى الاتباع، أو سريان خطاب الكلّ الى الاجزاء يعني لا تجعل مع الله في الآلهة أو العبادة أو الطّاعة أو الوجود، أو لا تجعل مع الله بحسب مظاهره الّذين هم مظاهر الولاية ﴿إِلهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ﴾، فتبقى فإنّ القاعد يبقى متأخّراً عن الرّفقة ﴿مَذْمُومًا﴾، يذمّك الله وخواصّه ﴿مَّخْذُولًا﴾، عن نصرة الله ونصرة خواصّه.
[1] سورة الإسراء، الآية: 22.
[2] سورة العنكبوت، الآية: 41.
[3] سورة التوبة، الآية: 17.
[4] سورة الأنعام، الآية: 88.
[5] سورة الزمر، الآية: 65.
[6] سورة النساء، الآية: 48.
[7] بحار الأنوار، ج 7، ص 271.
