![]() بسم الله الرحمن الرحيم عندما رحل الإمام الرضا عن هذه الدنيا أطبقت الحيرة على غالبية الشيعة وأخذهم الذهول، فمن هو الإمام الذي سيرجعون إليه؟ على الرغم أنهم سمعوا تكريم الرضا لابنه الجواد ولكن الجواد ما يزال في سن السابعة أو الثامنة من عمره، فهو صبي على كل حال في نظر الناس ولم تمر الحالة الشيعية بمثل هذا المنعطف الخطير بل لم تمر الأمة الإسلامية بمثل هذا الأمتحان، فكيف ستنصاع رجالات الأمة وأفذاذها وعلماؤها لصبي صغير، لاسيما أن مثل هذه الحالة لم تكن مألوفة في الأوساط العربية على الخصوص. إن الذي مرت به هذه الأمة كالذي حدث في بني إسرائيل عندما بعث الله تعالى إليهم عيسى بن مريم يكلمهم في المهد وكما بعث إليهم يحيى فأعطاه الحكم والكتاب وهو صبي (وآتيناه الحكم صبيا) فافترقت بنو إسرائيل في عيسى فرقا، منهم من آمن به ومنهم من كذبه وكان السبب في مطاردته، وبعضهم غالى فيه، وهكذا الحال في يحيى، والأمر نفسه حصل في إمامنا الجواد عليه السلام. فالمسلمون لأول مرة يمرون بهذا الوضع، فإن أغلبهم لم يتصور أن يكون حجة الله صبيا، فاجتمع كبار الشيعة منم الريان بن الصلت ويونس بن عبد الرحمن وصفوان بن يحيى وآخرون وخاضوا في الكلام حول المأزق الذي يمرون به حتى بكى بعضهم لشدة الحيرة. فقال يونس: دعوا البكاء حتى يكبر هذا الصبي. فقال الريان بن الصلت: إن كان أمر من الله جل وعلا فابن يومين مثل ابن مائة سنة وإن لم يكن من عند الله فلو عمر الواحد من الناس خمسة آلاف سنة ما كان يأتي بمثل ما يأتي به السادة أو بعضه، وهذا مما ينبغي أن ينظر فيه. علم الإمام الجواد عليه السلام: إن الشيء الملفت للنظر هو كثرة الأسئلة التي وجهت إلى الإمام الجواد في فترة حياته القصيرة. وكان الإمام يجيب عن المئات من الأسئلة في اليوم الواحد، وكانت هذه الأسئلة تنطلق من حب معرفة الإمام وامتحانه، وحاول المخالفون أن يسخروا من إمامنا الجواد لأنه صبي، فجالسه كبراء علمائهم وناظروه على مختلف الأصعدة فرأوا بحرا لا ينفد وعطاء علميا لا ينضب. فقد روي أن الإمام الجواد صعد المنبر في مسجد النبي صلى الله عليه وآله بعد رحيل والده فقال: «أنا محمد بن علي الرضا، أنا الجواد، أنا العالم بأنساب الناس في الأصلاب، أنا أعلم بسرائركم وظواهركم وما أنتم صائرون إليه، علم منحنا به من قبل خلق الخلق أجمعين وبعد فناء السماوات والأرضين، ولولا تظاهر أهل الباطل ودولة أهل الضلال ووثوب أهل الشك لقلت قولا تعجب منه الأولون والآخرون». حضوره إلى والده الرضا وعودته في نفس اليلة: ومن معاجز الإمام الجواد عليه السلام هو حضوره من المدينة إلى خراسان بطرفة عين ليحضر مراسم وفاة والده العظيم. يقول أبو الصلت الهروي وكان خادما للإمام الرضا: عندما تناول الإمام الرضا السم دخلت معه إلى البيت وأمرني أن اغلق الباب فغلقته وعدت إلى وسط الدار، فرأيت غلاما عليه وفرة ظننته ابن الرضا ولم أك قد رأيته من قبل ذلك، فجلس مع الرضا مدة تناجيا فيها ثم ضمه إلى صدره، بعدها تمدد الإمام الرضا على السرير وغطاه ابنه محمد بالرداء وقال: «يا أبا الصلت: عظم الله أجرك في الرضا فقد مضى» فبكيت قال: «لا تبك هات الماء لنقوم في تغسيله» ثم أمرني بالخروج فقام بتغسيله وحده وكفنه وحنطه إلى أن قام الإمام بجميع مراسيم الوفاة ثم عاد في نفس تلك الليلة إلى المدينة. الشهادة المفجعة: لا يخفى أن المأمون لما إستدعى الإمام الجواد عليه السلام بعد وفاة أبيه الى بغداد وزوجه إبنته، مكث الإمام ببغداد مدة فضاق صدره من سوء معاملة المأمون فاستأذنه في الذهاب الى الحج، وتوجه الى حج بيت الله الحرام، ومن هناك عاد الى مدينة جدّه ويبقي هناك الى أن مات المأمون، وأغتصب الخلافة بعد أخوه المعتصم وكان ذلك في السابع عشر من شهر رجب سنة 218هـ. المعتصم العباسي وإحضار الإمام: فلما إستوى المعتصم على الملك وسمع فضائل ومناقب الإمام الجواد عليه السلام وبلغه غزارة علمه اضطرمت نار الحسد في قلبه وصمم على القضاء على الإمام، فاستدعاه الى بغداد فلما توجه الإمام الى بغداد جعل وصيّه وخليفته إبنه علي النقي عليه السلام ونص على إمامته عند كبار الشيعة وثقات الأصحاب وسلّم إليه كتب العلوم الإلهية والأسلحة التي كانت للنبي صلى الله عليه وآله وسائر الأنبياء عليهم السلام. ثم ودع الإمام أهله وولده وترك حرم جدّه صلى الله عليه وآله وذهب الى بغداد بقلب حزين ودخلها يوم الثامن والعشرين من شهر محرم سنة 220هـ، وقتله المعتصم في أواخر هذه السنة بالسمّ. قصة الشهادة: وأما كيفية شهادته عليه السلام فقد وقع الخلاف فيها لكنّ الأشهر إن زوجته أم الفضل بنت المأمون سمّته بعد تحريض عمّها المعتصم، لأنها كانت تضمر العداء والبغض للإمام لميله عليه السلام لأم الإمام علي النقي عليه السلام دونها، فكانت دائمة الشكاية منه عند أبيها وهو لا يستمع إليها، وقد عزم بعد أن قتل الإمام الرضا عليه السلام على ترك أذى أهل بيت الرسالة عليهم السلام وعدم التعرض لهم للحفاظ على الملك. معجزة الإمام: وقد جاءت أم الفضل الى المأمون يوماً تشكو الجواد عليه السلام وأنه عليه السلام تزوج إمرأة من أولاد عمّار بن ياسر، وكان المأمون آنذاك سكران لا يعقل، فغضب وأخذ السيف وجاء الى بيت الإمام وبدأ يضربه بالسيف حتى ظنَّ الحاضرون أن المأمون قد قطّعه إرباً إربا فلما أصبحوا رأوا الإمام سالماً، ليس عليه أثر للجراح. نقل عن كتاب عيون المعجزات أنّ المعتصم جعل يعمل الحيلة في قتل أبي جعفر عليه السلام وأشار على إبنة المأمون زوجته بأن تسمّه لأنه وقف على إنحرافها عن أبي جعفر عليه السلام وشدّة غيرتها عليه...فأجابته الى ذلك وجعلت سمّاً في عنب رازقي ووضعته بين يديه. فلما أكل منه ندمت وجعلت تبكي، فقال: ما بكاؤك؟ والله ليضربنّك الله بفقر لا ينجبر وبلاء لا ينستر. فماتت بعلة في أغمض موضع من جوارحها، صارت ناسوراً، فأنفقت مالها وجميع ما ملكته على تلك العلة حتى إحتاجت إلى الإستعانة، وروي أن الناسور كان في فرجها. جزاء عدو الله: وروى المسعودي في إثبات الوصية ما يقرب من هذا إلا أنه ذكر أن المعتصم وجعفر بن المأمون حرصا كل الحرص على قتل الإمام عليه السلام وتردّى جعفر في بئر ـ وكان سكراناً ـ فأُخرج ميتاً. الإستدعاء من المدينة: قال العلامة المجلسي رحمه الله في جلاء العيون: لما بويع المعتصم جعل يتفقد أحواله عليه السلام فكتب الى عبد الملك الزيات (والى المدينة) أن ينفذ إليه التقي عليه السلام وأم الفضل، فأنفذ الزيات علي بن اليقطين فتجهز وخرج الى بغداد، فأكرمه وعظمه وأنفذ أشناس (خادمة) بالتحف إليه والى أم الفضل. ثم أنفذ إليه شراب بن حمّاض الأترج تحت ختمة على يدي أشناس، فقال: إن أمير المؤمنين ذاقه قبل أحمد بن أبي داوُد وسعيد بن الخضيب وجماعة من المعروفين ويأمرك أن تشرب منه بماء الثلج، وصنع في الحال، فقال: أشربه بالليل، فقال: إنه ينفع بارداً وقد ذاب الثلج، وأصرَّ على ذلك (بعد ان إمتنع الإمام عن شربه في بداية الأمر) فشربه عليه السلام عالماً بفعلهم. الإمام وإبن أبي داوُد: روى الشيخ العياشي عن زرقان صاحب إبن أبي داوُد وصديقه بشدّة أنه قال: رجع بن أبي داوُد ذات يوم من عند المعتصم وهو مغتم فقلت له في ذلك، فقال: وددت اليوم أني قدمت منذ عشرين سنة، قال: قلت له ولِمَ ذاك؟ قال: لِما كان من هذا الأسود! أبا جعفر محمد بن عليّ بن موسى اليوم بين يدي أمير المؤمنين المعتصم قال: قلت له: وكيف كان ذلك؟ قال: انّ سارقاً أقر على نفسه بالسرقة وسأل الخليفة تطهيره بإقامة الحد عليه، فجمع لذلك الفقهاء في مجلسه وقد أحضر محمد بن علي، فسألنا عن القطع في أي موضع يجب أن يقطع؟ قال: فقلت: من الكرسوع. قال: وما الحجة في ذلك؟ قال: قلت: لأن اليد هي الأصابع والكف الى الكرسوع، لقول الله في التيمم: (...فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ...) سورة المائدة:6 وأتفق معي على ذلك قوم. وقال آخرون بل يجب القطع من المرفق، قال: وما الدليل على ذلك؟ قالوا: لأن الله لما قال: (...وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ...) سورة المائدة:6 في الغسل دلّ ذلك على أن حد اليد هو المرفق. قال: فألتفت الى محمد بن علي عليه السلام، فقال: ماذا تقول في هذا يا أبا جعفر؟ فقال: قد تكلم القوم فيه يا امير المؤمنين، قال: دعني مما تكلّموا به، أيّ شيء عندك؟ قال: إعفني عن هذا يا امير المؤمنين، قال: أقسمت عليك بالله لما أخبرت بما عندك فيه. فقال: اما إذا أقسمت عليّ بالله اني أقول: أنهم أخطأوا فيه السنّة، فإن القطع يجب أن يكون من مفصل أصول الأصابع فيترك الكف، قال: وما الحجة في ذلك؟ قال: قول رسول الله صلى الله عليه وآله: «السجود على سبعة أعضاء، الوجه واليدين والركبتين والرجلين» فإذا قطعت يده من الكرسوع أو المرفق لم يبق له يد يسجد عليها، وقال تبارك وتعالى: (...وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ...) سورة الجن: 18 يعني هذه الأعضاء السبعة التي يسجد عليها: (...فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً...) سورة الجن: 18 وما كان لله لم يقطع. قال: فاعجب المعتصم ذلك وأمر بقطع يد السارق من مفصل الأصابع دون الكف، قال: بن ابي داوُد: قامت قيامتي وتمنيت أني لم أك حيّاً. حسد الأعداء: قال زرقان: إن بن أبي داوُد قال: صرت الى المعتصم بعد ثلاثة، فقلت إنَّ نصيحة أمير المؤمنين عليّ واجبة وأنا أكلمه بما أعلم أني أدخل به النار، قال: وما هو؟ قلت: إذا جمع امير المؤمنين في مجلسه فقهاء رعيته وعلمائهم لأمر واقع من أمور الدين فسألهم عن الحكم فيه فأخبره بما عندهم من الحكم في ذلك وقد حضر في مجلسه أهل بيته وقواده ووزراؤه وكتّابه، وقد تسامع الناس ذلك من وراء بابه، ثم يترك أقاويلهم كلهم لقول رجل يقول شطر هذه الأمة بإمامته ويدّعون أنه أولى منه بمقامه ثم يحكم بحكمه دون حكم الفقهاء؟! قال: فتغيّر لونه وأنتبه لما نبهته له وقال: جزاك الله عن نصيحتك خيراً. الجريمة النكراء: قال: فأمر يوم الرابع فلاناً من كتّاب وزرائه بأن يدعوه الى منزله فدعاه، فأبى أن يجيبه وقال: قد علمت أني لا أحضر مجالسكم، فقال: إنيّ إنما أدعوك الى الطعام واحب لأن تطأ ثيابي وتدخل منزلي فأتبرك بذلك فقد أحبّ (فلان بن فلان) من وزراء الخليفة لقاءك. فصار إليه، فلما طعم منه أحس بالسمّ، فدعا بدابته فسأله رب المنزل أن يقيم، قال: خروجي من دارك خير لك، فلم يزل ذلك وليله في خِلقه حتى قبض عليه السلام. ثم غُسل وكُفِّن ودفن عليه السلام في مقابر قريش خلف رأس جده موسى الكاظم عليه السلام وصلى عليه ظاهراً الواثق بالله ولكن الحقيقة هي أن الإمام علي النقي جاء من المدينة بطيّ الأرض وتولى أمر تجهيزه وتكفينه والصلاة عليه. الإمام الهادي يتنبأ بالشهادة: وروي في كتاب بصائر الدرجات عن رجل كان رضيع ابي جعفر عليه السلام قال: بينما أبو الحسن الهادي عليه السلام جالس مع مؤدب له يكنى أبا زكريا وأبو جعفر عليه السلام عندنا أنه ببغداد وأبو الحسن يقرأ من اللوح الى مؤدبه إذ بكى بكاءً شديداً، سأله المؤدب ما بكاؤك؟ فلم يجبه. فقال: إئذن لي بالدخول فأذن له فأرتفع الصياح والبكاء من منزله ثم خرج إلينا فسألنا عن البكاء، فقال: إنَّ أبي قد توفي الساعة، فقلنا: بما علمت؟ قال: فأدخلني من إجلال الله ما لم أكن أعرفه قبل ذلك، فعلمت أنه قد مضى فتعرّفنا ذلك الوقت من اليوم والشهر فإذا هو قد مضى في ذلك الوقت. ووقع الخلاف في تاريخ إستشهاد الإمام الجواد عليه السلام والأشهر انه قد أستشهد في آخر ذي القعدة سنة220هـ وقيل في اليوم السادس من ذي الحجة وكان هذا بعد سنتين ونصف من موت المأمون كما قال الإمام نفسه: الفرج بعد المأمون بثلاثين شهراً. ![]() |
![]() |
إعـــــــلان
تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
في الآخر من ذي القعدة وشهادة الإمام الجواد عليه السلام
تقليص
X
-
في الآخر من ذي القعدة وشهادة الإمام الجواد عليه السلام
الكلمات الدلالية (Tags): لا يوجد
- اقتباس
-
كيفيَّة استشهاد الإمام الجواد (ع)حوزة الهدى للدراسات الاسلامية
أعظم اللهُ أجوركم أيُّها المؤمنون وأحسنَ لكم العزاءَ بذكرى استشهاد الإمام أبي جعفرٍ الثاني محمد بن عليٍّ التقي الجواد الإمام التاسع من أئمة أهل البيت (ع) الذين اصطفاهم اللهُ تعالى مِن خلقه، وانتجبهم واختارهم ليكونوا أدلَّاءَ على دينه وهداةً لعباده وأذهبَ عنهم الرجسَ وطهَّرهم تطهيرا، وأودُّ بهذه المناسبةِ الجليلةِ الحديثَ حولَ قضيتين:
أئمة أهل البيت (ع) رحلوا جميعاً شهداءَ:
القضية الأولى: حول ما هو المعروف لدينا من أنَّ أئمةَ أهل البيت (ع) قد رحلوا جميعاً من الدنيا شهداءَ وأنَّه ما مِن أحدٍ منهم دون استثناء إلا وهو مقتولٌ شهيد، فهل هذه الدعوى تامَّة وهل ثبتَ ذلك بدليلٍ معتبر؟
والجواب: هو تماميَّةُ هذه الدعوى وصحتُها استناداً للمستفيض من الرواياتِ الواردة عن الرسول الكريم (ص) وأهلِ بيته (ع) والتي اشتملت على الإخبار بأنَّه ما من أحدٍ من الأئمة الإثني عشر (ع) إلا وهو مقتولٌ شهيد.
فمِن ذلك ما أوردَه الشيخُ الصدوقُ في العيون، وفي الأمالي، وفي كتاب مَن لا يحضره الفقيه قال: كما في العيون: حدَّثنا محمد بن موسى بن المتوكِّل (رحمه الله) قال: حدَّثنا عليُّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن أبي الصلت عبد السلام بن صالح الهروي، قال: سمعتُ الرضا (عليه السلام) يقول: "واللهِ ما منَّا إلا مقتولٌ شهيد. فقيل له: فمَن يقتلُك يا بن رسول الله؟ قال: شرُّ خلقِ الله في زماني، يقتلُني بالسُّمِّ، ثم يدفنُني في دار مضيعة وبلاد غربة .."(1).
والرواية من حيثُ السند صحيحةٌ فرجال سندها كلُّهم من الثقات الإماميَّة.
أمَّا محمد بن موسى بن المتوكِّل فهو من مشايخِ الصدوق، وقد أكثر الروايةَ عنه مترضِّياً ومترحِّما عليه في عامَّة كتبه الروائية تقريباً مثل كتاب مَن لا يحضره الفقيه، ومعاني الأخبار، والخصال، والتوحيد، والأمالي، وصفاتِ الشيعة، وكتاب فضائل الأشهر الثلاثة، وعيون أخبار الرضا (ع)، وكمال الدين، وعلل الشرائع، وثواب الأعمال، هذا وقد ذكره في المشيخة في طرقه إلى الكتب في ثمانية وأربعينَ مورداً، كما أفاد السيِّدُ الخوئي (رحمه الله)(2) وهو ما يكشفُ عن كونه مُعتمَداً عنده، هذا مضافاً إلى ما أفاده السيِّد ابن طاووس في فلاح السائل مِن الاتِّفاق على وثاقته(3)، ولهذا -أعني الوجهَ الأخير- بنى السيِّدُ الخوئي (رحمه الله) على وثاقة الرجل، وأفاد بأنَّه لا ينبغي التوقُّفُ في وثاقته(4).
وأمَّا عليُّ بن إبراهيم القمي وأبوه إبراهيم بن هاشم فهما من أجلاء الطائفة وعظمائها، وأمَّا عبدُ السلام بن صالح المعروف بأبي الصلت الهروي فهو ثقةٌ، صحيحُ الحديث كما أفاد ذلك الشيخُ النجاشي رحمه الله(5). فالرواية صحيحةٌ من حيث السند، وهي من حيث الدلالة شديدةُ الظهور في أنَّ عامَّة أئمة أهل البيت (ع) قد أكرمهم الله تعالى وقدَّر لهم أنْ لا يرحلوا من هذه الدنيا إلا بالقتل شهداء.
رواياتٌ أخرى نصَّت على أنَّه ما منهم إلا مقتولٌ شهيد:
هذا ويُمكن تأييد هذه الرواية المعتبرة سنداً بالعديد من الروايات المشتملة على ذات المضمون:
منها: ما أوردَه الخزَّازُ القمِّي في كفاية الأثر بسنده عن هشام بن محمد عن أبيه قال: لمَّا قُتل أميرُ المؤمنين عليه السلام رقى الحسنُ بن علي عليهما السلام المنبر .. قال: ".. ولقد حدَّثني جدِّي رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم أنَّ الأمر يملكُه اثنا عشر إماماً من أهل بيته وصفوتِه ما منَّا إلا مقتولٌ أو مسموم .."(6).
ومنها: ما أوردَه الخزَّازُ القمِّي أيضاً في كفاية الأثر بسنده عن جنادة بن أبي أميَّة قال: دخلتُ على الحسن بن علي (عليهما السلام) في مرضِه الذي تُوفي فيه وبين يديه طشتٌ يقذفُ فيه الدم .. -قال الحسن بن علي صلوات الله عليهما-: واللهِ لقد عهِد إلينا رسولُ الله صلَّى الله عليه وآله أنَّ هذا الأمر يملكُه اثنا عشر إماماً مِن ولد عليٍّ وفاطمة، ما منَّا إلا مسمومٌ أو مقتول .."(7).
ومنها: ما أورده الشيخ الصدوق في العيون قال: حدَّثنا تميم بن عبد الله بن تميم القرشي قال: حدَّثني أبي عن أحمد بن علي الأنصاري عن أبي الصلت الهروي عن الإمام الرضا (ع) قال: ".. وما منَّا إلا مقتول وإنِّي والله لمقتولٌ بالسم باغتيالِ مَن يغتالني، اعرفُ ذلك بعهدٍ معهود إليَّ من رسول الله (ص) .."(8).
وكذلك أفاد الشيخُ الصدوق في كتاب الاعتقادات إلى دين الإماميَّة قال: "وقد أخبر النبيُّ صلَّى الله عليه وآله وسلم والأئمة (عليهم السلام) أنَّهم مقتولون.." ثم عبَّر صريحاً بما يكشف عن جزمه بصدور هذه الروايات في الجملة وأنَّ الوقوف عليها يُورثُ القطع بأنَّ رحيل النبيِّ الكريم (ص) وأهلِ بيته (ع) كان مِن طريق القتل(9).
نعم لم يرتضِ الشيخُ المفيد (رحمه الله) دعوى القطع بأنَّ نبيَّنا الكريمَ (ص) والأئمة (ع) قد مضوا جميعاً بالسمِّ والقتل(10). ولعلَّه لم يقفْ على مقدار ما وقفَ عليه الشيخُ الصدوق من الروايات أو لعلَّها لم تُورثه القطع، وعلى أيِّ حالٍ فالمقدارُ الذي بلَغنا من الروايات -المُعتضِدة بما وردَ في كلِّ إمامٍ بخصوصِه، والمعتضِدة بالقرائن والحواضنِ التاريخيَّة لهذه الروايات، وتبنِّي الكثير من علمائنا لهذا الأمر- فمجموع ذلك صالحٌ للإثبات التأريخي. بل والوثوق بتماميَّة هذه القضية وهي أنَّ الرسول (ص) وأهل بيته (ع) رحلوا من عالم الدنيا بالقتل شهداء.
كيفيةُ رحيل الإمام الحجَّة (عج):
ويبقى السؤال عن كيفيَّة رحيل الإمام الحجَّة (ع) وهل يكون بالقتل؟ والجواب أنَّه -لم نقف -رغم التتبع- في الروايات الواردة عن أهل البيت (ع) ما ينفي أو يُثبِت ذلك، نعم نقل الشيخُ علي الحائري اليزدي في كتابه إلزام الناصب في إثبات الحجَّة الغائب المتوفى سنة 1322ه عن أحد العلماء -لم يُسمِّه- أنَّ الإمام (ع) يُقتل غيلةً تقتلُه امرأة ..(11).
إلا أنَّ هذا القول لا يُمكن اعتمادُه، فهو لا يرقى لمستوى الرواية المرسلة، إذ أنَّه لم ينسبْه لأحدِ الأئمة (ع) ولو تنزَّلنا فهي رواية مرسلة مجهولة المصدر، لذلك فهي فاقدةٌ لأدنى مراتب الاعتبار.
وعليه فليس في البين سوى الروايات العامَّة المتضمِّنة لإفادة أنَّه ما من إمامٍ من أئمة أهل البيت (ع) إلا وهو مقتولٌ شهيد، وقد تقدَّم أنَّ فيها ما هو معتبرٌ سنداً وأنَّها صالحةٌ للإثبات والاعتبار، فهي مقتضية للبناء على أنَّ الإمام الحجَّة (ع) يرحلُ عن الدنيا شهيداً، وأمَّا كيفيَّة ذلك فهو في علم الله تعالى، على أنَّ من المُحتمَل أنَّ الإمام (ع) مستثنى من هذه القاعدة فيحظى من الله تعالى بمقام الشهداء دون أنْ يقع عليه القتل.
كيفيَّةُ استشهاد الإمام الجواد (ع):
وأمَّا القضية الثانية فحول كيفيَّة استشهاد الإمام أبي جعفرٍ محمَّدِ بن عليٍّ الجواد (ع) فالثابتُ أنَّه استُشهد من طريق السُّم في عهد المعتصمِ العباسي والذي أشخص الإمام (ع) من مدينة الرسول (ص) إلى بغداد في العام التاسع عشر أو العشرين بعد المائتين للهجرة النبويَّة(12)، وكان الإمام قد اصطحب معه زوجتَه أمَّ الفضل ابنةَ المأمون، ومن حين وصوله بغداد أخذ المعتصم -رغم تظاهره بإكبار الإمام (ع) وتبجيله وتعظيمه- أخذ في تدبير اغتياله واستعانَ على ذلك بابن أخيه جعفر ابن المأمون شقيقِ أم الفضل، فاقتضى الرأيُ عندهما أن يُوعزا إلى أمِّ الفضل بوضع السمِّ في طعامه لأنَّهما وقفا على انحرافِها عن الإمام (ع) فاستجابتْ لذلك فجعلوا سُّماً في عنبٍ رازقيٍّ فقدَّمته بين يدي الإمام (ع) فلمَّا أكل منه ندمتْ وجعلتْ تبكي، فقال لها: ما بكاؤك؟ واللّه ليضربنَّك اللّه بفقرٍ لا يُنجي -لا ينجبر- وبلاءٍ لا ينستر. فبُليت بعلّة في أغمض المواضع من جوارحها، فأنفقت أموالَها لعلاج العلَّة التي أصابتها حتى احتاجت إلى الاسترفاد، وأما جعفر ابن المأمون فتردَّى في بئر فأُخرجَ ميتاً وكان حين تردَّى في البئر سكرانا كما في إثبات الوصية للمسعودي وغيره(13).
وفي تفسير العياشي أنَّ اغتيال الإمام (ع) كان بتحريضٍ من ابن أبي دؤاد أحد علماء البلاط، فأوعز المعتصمُ إلى أحد وزرائه باغتيال الإمام (ع) من طريق السمِّ، فقدَّم بين يدي الإمام (ع) طعاماً مسموماً فتناول منه فشعر بأثره فورَ تناوله، ولم يلبثْ بعده سوى يومِه وليلته(14). وذكر ابنُ شهراشوب أنَّ السمَّ كان في شراب الأترج بعثه إليه المعتصمُ نفسُه(15) وكذلك يظهرُ من العديد من الأخبار أنَّ السمَّ الذي قدَّمته أمُّ الفضل كان في شراب.
فهذه هي مجملُ الأخبار التي وردت في كيفيَّة استشهاد الإمام (ع). وجميعُها متَّفقةٌ على أنَّ اغتياله قد تمَّ بتدبيرٍ من المعتصم، نعم ذكر أحدُ المؤرِّخين أنَّ اغتياله وقع في عهد الواثق ابن المعتصم(16) وهو اشتباهٌ منه، فإنَّ الواثقَ العباسي تولَّى الخلافة سنة سبعة وعشرينَ بعد المائتين، ورحيلُ الإمام (ع) وقع قبل هذا التاريخ بما يقربُ من السبع سنين. نعم ورد في بعض الأخبار أنَّ الواثقَ هو مَن صلِّى على جنازة الإمام (ع) الصلاة الظاهريَّة(17).
دعوى بقاء جثمان الإمام (ع) أياماً على السطح أو في الطريق لا تصح:
ثم إنَّ هنا أمراً يحسنُ التنبيهُ عليه وهو أنَّ ما يتمُّ تداولُه من أنَّ الإمام الجواد (ع) بقيَ ميتاً على سطح داره ثلاثة أيَّام أو أنَّ جثمانَه الشريف أُلقي مِن أعلى السطح وأنَّه ظلَّ ملقىً أياماً في الطريق دون تجهيز هذه الأخبار- وما تضمَّنته من تفاصيل- موهونةٌ ولا أصل لها، فلم نقفْ لها في شيءٍ من مصادرنا أو مصادرِ العامَّة على مستندٍ، نعم هي مدوَّنةٌ في بعض الكتب المتأخرةِ القريبةِ من عصرنا دونَ الإشارةِ إلى مصدرِها، ولهذا فمثلُ هذه التفاصيل فاقدةٌ للاعتبار.
اللهمَّ صلِّ على محمدٍ وآلِ محمد، واغفِرْ لعبادِك المؤمنين.
{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ / الرَّحِيمِ وَالْعَصْرِ / إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ / إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}(18).
والحمد لله ربِّ العالمين
- اقتباس
- تعليق




تعليق