يُروى عن أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام):
«أَحْيُوا المَعْرُوفَ بِإِمَاتَتِهِ، فَإِنَّ المِنَّةَ تَهْدِمُ الصَّنِيعَةَ».
ميزانالحكمة،ج٣،ص١٩٣٥
ما أرقى هذه الحكمة، وما أدقّ ميزانها في تهذيب النفس الإنسانية؛ فإن المعروف لا يبلغ كماله بمجرد أن يُصنع، بل يبلغ كماله حين يُنسى بعد صناعته، فلا يتحوّل إلى قيدٍ في عنق المحتاج، ولا إلى دَينٍ نفسيٍّ يُذكَّر به كلما أراد المُحسن أن يستعيد مجده أمام الناس.
إن الإمام عليًا (عليه السلام) لا يدعو إلى ترك المعروف، بل يدعو إلى تطهيره من شوائب النفس. فكم من يدٍ أعطت، لكنها جرحت. وكم من إنسانٍ أحسن، ثم أفسد إحسانه حين جعل عطاءه حديثًا يتكرر، أو منّةً تُثقل قلب من أُحسن إليه.
وقوله: «أحيوا المعروف بإماتته» من أبدع ما قيل في أخلاق العطاء؛ لأن المعروف إذا أُميت ذكره، حييت روحه. وإذا غاب عن الألسن، بقي أثره في القلوب. أما إذا كثر التذكير به، فقد يتحول من رحمةٍ إلى إهانة، ومن فضلٍ إلى كسر خاطر.
وهذا المعنى هو بعينه ما قرّره القرآن الكريم في قوله تعالى:
﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾،
فالمنّة ليست تفصيلًا أخلاقيًا عابرًا، بل آفةٌ قادرة على إبطال الصدقة وهدم المعروف؛ لأن الله تعالى لا يريد من العطاء أن يكون وسيلةً لكسر الإنسان، بل جسرًا لحفظ كرامته ورفع حاجته. فالصدقة التي تُتبع بالمنّ قد تُشبع الجسد، لكنها تُؤذي الروح، وقد تسدّ حاجةً عابرة، لكنها تفتح جرحًا في الكرامة.
فالمنّة ليست كلمة تقال بعد الإحسان، بل هي مرضٌ خفيّ في نية المُعطي؛ إذ يريد أن يبقى حاضرًا في ذاكرة الآخذ، لا بوصفه أخًا أعان أخاه، بل بوصفه صاحب فضلٍ يملك حقّ التذكير والتعالي.
ولهذا قال الإمام: «فإن المنّة تهدم الصنيعة».
والهدم هنا ليس هدمًا ماديًا، بل هدمٌ لمعنى العمل وقيمته الأخلاقية. فقد يبقى المال في يد المحتاج، ولكن الكرامة تكون قد انكسرت. وقد تتحقق المنفعة الظاهرة، لكن روح المعروف تموت تحت ثقل الامتنان الموجع.
إن المعروف النبيل هو الذي يخرج من اليد ثم لا يعود إلى اللسان.
هو الذي يُعطى لله، لا للذكر. ويُصنع رحمةً، لا سلطة. ويُقدَّم للإنسان بما يحفظ ماء وجهه، لا بما يجعله أسيرًا لفضل غيره.
فأجمل الإحسان ما كان خفيفًا على اللسان، عظيمًا في الميزان، حاضرًا عند الله، غائبًا عن مجالس التذكير.
-----------------------
منقول

تعليق