بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾[1].
هذه الآية الشريفة وأخرى في قوله تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ...﴾[2]، وقوله: ﴿...وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ...﴾[3]، وقوله: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ* بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ﴾[4]، كلّها آيات تدلّ على حرمة قتل الولد، كبيراً كان أم صغيراً، ذكراً أم انثى، ناقص الخلقة ومشوهاً كان أم تامّ الخلقة وكاملًا، وعليه فإنّ الطفل الذي يُولد أعمى أو أصمّ أو مجذوذ اليد أو ناقص العقل مجنوناً أو مبتلى بأيّ نقص أو عيب، فليس لأحدٍ الحقّ في القضاء عليه، لا أباه ولا امّه، ولا الحاكم ولا الدولة، ولا الهيئة الطبّيّة ولا غيرهم، لا فرق في ذلك أكان قتله بوسيلة قاتلة، أو بإعطائه مصلًا سامّاً أو غازاً سامّاً، أو إذابته بالحوامض، أو باستعمال الأشعّة المهلكة، أو أيّة وسيلة اخرى ربّما ستكتشف فيما بعد؛ فهو مخلوق من مخلوقات الله، لم يرخّص أو يأذن في قتله لأحد.
وهذا العمل قتل للنفس فالله خالق الإنسان لم يفرّق فيه بين نفس الإنسان الكامل والناقص، الرجل والمرأة، السليم والمريض، العاقل والمجنون، الصغير والكبير، بل وعد سبحانه على قتل النفس العمديّ الخلود في نار جهنّم.
لقد صار واضحاً من هذه الآيات في القرآن الكريم والتي بيّنت النهي عن قتل الولد، أنّ هناك نوعين رائجين لقتل الأولاد بين عرب الجاهليّة، وقد منع الباري سبحانه على يد رسول رحمته كلا النوعين بنحوٍ أكيد وقاطع.
الأوّل: قتل الأولاد عموماً، الذكر منهم والانثى، الذي تدلّ عليه الآيات اعلاه، التي ورد ذكرها، ويستنتج منها أنّ عرب الجاهليّة إذا مرّ عليهم عام قحط ومجاعة فإنّهم كانوا يقتلون أولادهم لئلّا يرونهم يعانون شظف العيش وشدّة الجوع والمسكنة.
إن تعبير ﴿خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾، إشارة لطيفة إلى الدافع الوهمي الشيطاني ورفضه، حيث يفيد التعبير أن الوهم ومجرد الخوف هو الذي يتحكم بهذا السلوك المحرم. لا الدوافع الحقيقية.
كما يجب الانتباه إلى أن الفعل [كان] في قوله تعالى: ﴿كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾، هي فعل ماض، يفيد هنا التأكيد على أن قتل الأبناء يعتبر من الذنوب العظيمة التي كانت معروفة، منذ القدم بين البشر، وأن الفطرة الإنسانية السليمة تحمل دوافع الرفض والادانة لمثل هذا السلوك الذي لا يختص بزمان معين دون غيره.
ومنه التملّق، وقد كان هذا كالسنّة الجارية بين العرب في الجاهليّة لتسرّع الجدب والقحط إلى بلادهم، وذلك لأن الوضع الاقتصادي للعرب في الجاهلية كان صعبا وسيئا، فكان الرجل إذا هدّده الإفلاس بادرَ إلى قتل أولاده تأنّفاً من أن يراهم على ذلّة العدم والجوع.
وعلة النهي في الآية الشريفة هي إنّما قتلكم اولادكم لأنكم تعجزون على القيام بأمر رزقهم، ولستم رازقين لهم، بل الله يرزقكم وإيّاهم جميعاً فلا تقتلوهم.
الثاني: قتل البنات بالخصوص، وكانوا يدفنوهنّ أحياءً، كما دلّت عليه آية: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ..﴾، لأنّ معنى الْمَوْءُودَةُ البنت التي تُدفن حيّة؛ فقد كان الغزو والقتل يكثر في الجاهليّة بين العرب، وكان يحدث أن تصبح بناتهم أسيرات في أيدي أعدائهم، فكان هذا الأسر غاليا عليهم وصعباً لا يُحتمل، إذ كانوا يخشون أن تصبح أعراضهم في بيوت وأيدي أعدائهم يفعلون بها ما يشاؤون، وهو أمر لم ترتضِه حميّتهم وغيرتهم، فكانوا يقتلون بناتهم كي لا يكون لهم بنت قد تصبح في الحرب والغارة طعمةً بِيَدِ منافسيهم وأعدائهم.
إِنَّ احترام دماء البشر وحرمة قتل النفس تعتبر من المسائل المتفق عليها في كل الشرائع السماوية وقوانين البشر، فقتل النفس المحترمة لدى الجميع مِن الذنوب الكبيرة، إِلاَّ أنَّ الإِسلام أعطى أهمية استثنائية لهذه المسألة بحيث اعتبر مَن يقتل إِنساناً فكأنّما قتل الناس جميعاً، كما في قول الله عز وجل: ﴿.. مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا...﴾[5].
[1] سورة الإسراء، الآية: 31.
[2] سورة الأنعام، الآية: 140.
[3] سورة الأنعام، الآية: 151.
[4] سورة التكوير، الآيتان: 8 – 9.
[5] سورة المائدة، الآية: 32.
