بسْمِ اللهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
اللّٰهُمَّ صَلِّ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَعَجِّلْ فَرَجَهُمْ وَألعَن عَدِوَّهُم
السَلامُ عَلَيْكُم وَرَحمَةُ اللّهِ وَبَرَكاتُه
ناظر الإمام محمد الباقر (عليه السلام) أصحاب الأديان والمذاهب والفرق المنحرفة فأفحمهم بعلمه وفاقهم بحججه وبراهينه ،
ومن الذين ناظرهم أسقف النصارى الذي كان أعلمهم على الإطلاق وكان يخرج كل سنة فيسأله الناس وقيل أنه أدرك أصحاب الحواريين من أصحاب عيسى .
وكان الإمام في ذلك الوقت في الشام مع ابنه الإمام الصادق (عليهما السلام) وقد استدعاهما هشام بن عبد الملك الذي حاول أن ينتقص من الإمام باختباره في الرمي في القصة المشهورة فباء بالفشل الذريع بعد أن رأى من الإمام ما لم يجده في أمهر الرماة.
ولم يكن بلاط هشام بالبلاط العلمي أو الفكري ولم تكن فيه خصلة تمت إلى العلم فقد وُصِف بأنه كان حقوداً على ذوي الأحساب العريقة ومبغضاً لكل شريف بخيلاً ظلوماً شديد القسوة وقد امتلأ بلاطه بالشعراء والمتملقين ليسد بألسنتهم نقصه وخبث عنصره لذلك أراد الحط من منزلة الإمام الباقر باختباره بالرماية ورغم ذلك.
فقد رد الإمام كيده إلى نحره فرمى الإمام تسعة أسهم شق بعضها في داخل بعض فأثار إعجاب ودهشة الحاضرين كما أثار حفيظة هشام فأمر برده إلى المدينة .
ولما خرج الإمام من عنده رأى الناس وهم مجتمعون فسأل عن سبب اجتماعهم فقيل له هؤلاء القسيسون والرهبان وهذا عالم لهم يقعد إليهم في كل سنة يوما واحدا يستفتونه فيفتيهم فتنكر الإمام ودخل بينهم وكان هشام قد أرسل بعض الجواسيس لمراقبة الإمام حال خروجه فأخبروه بذلك فأمر بعض أتباعه بحضور المجلس ليرى ما يصنع الإمام.
ولم يطل الجلوس حتى جاء الأسقف الكبير وكان رجلا طاعنا في السن سقطت حاجباه على عينيه، وقد شدهما وجلس في صدر المجلس وهو يتمعن في وجوه الحاضرين فلفت انتباهه وجود الإمام ولعله رأى فيه هيأة المسلمين فبادره بالسؤال:
ــ أمنا أم من المسلمين؟
فقال الإمام: من المسلمين
وكان هذا الأسقف هو أعلم علماء النصارى في وقته وربما لم يجد قبل هذا الوقت من يجلس في مجلسه من غير المسلمين فظن أن وجود واحد منهم هي فرصة للإيقاع به ليتحدث الناس عن انتصاره ولكن ظنه كان في غير محله ولنترك الحديث عن هذه المناظرة للإمام الباقر (ع) كما رواها أبو بصير عنه (ع):
قال أبو بصير: قال أبو جعفر (ع):
مررت بالشام ، وأنا متوجه إلى بعض خلفاء بني اُمية فاذا قوم يمرون، قلت: أين تريدون ؟ قالوا:
إلى عالم لم نر مثله، يخبرنا بمصلحة شأننا، فقال (ع) :
فتبعتهم حتى دخلوا بهواً عظيماً فيه خلق كثير، فلم ألبث أن خرج شيخ كبير متوكئ على رجلين، قد سقطت حاجباه على عينيه، وقد شدهما فلما استقرّ به المجلس نظر اليّ وقال: منا أنت أم من الاُمة المرحومة ؟
قلت: من الاُمة المرحومة. فقال: أمن علمائها أو من جهّالها ؟
قلت: لست من جهّالها.
فقال: أنتم الذين تزعمون أنكم تذهبون الى الجنة فتأكلون وتشربون ولا تُحْدِثون ؟!!
قلت: نعم. فقال: هات على هذا برهاناً.
فقلت: نعم،
الجنين يأكل في بطن اُمه من طعامها، ويشرب من شرابها، ولا يُحْدِث.
فقال: ألست زعمت أنك لست من علمائها؟
قلت: لست من جهّالها.
فقال: أخبرني عن ساعة ليست من النهار، ولا من الليل ؟
فقلت:
هذه ساعة من طلوع الشمس، لا نعدها من ليلنا، ولا من نهارنا وفيها تفيق المرضى.
ودهش القسيس لهذه الإجابات التي لم يكن يتوقعها من واحد من المسلمين
فقال للإمام: ألست زعمت أنك لست من علمائها؟!
فقلت: إنما قلت: لست من جهّالها.
فقال : والله لأسألنك عن مسألة ترتطم فيها.
فقلت: هات ما عندك.
فقال:
أخبرني عن رجلين ولدا في ساعه واحدة، وماتا في ساعة واحدة ؟ عاش أحدهما مائة وخمسين سنة، وعاش الآخر خمسين سنة ؟
فقلت:
ذاك عزير وعزرة، ولدا في يوم واحد، ولما بلغا مبلغ الرجال مرّ عزير على حماره بقرية وهي خاوية على عروشها ، فقال: أنّى يحيي الله هذه بعد موتها، وكان الله قد اصطفاه وهداه، فلمّا قال ذلك غضب الله عليه وأماته مائة عام ثم بعثه، فقيل له: كم لبثت؟ قال: يوماً أو بعض يوم. وعاش الآخر مائة وخمسين عاماً، وقبضه الله وأخاه في يوم واحد.
وهنا اصفر وجه القسيس وصاح بأصحابه بغضب:
والله لا اُكلّمكم ، ولا ترون لي وجهاً اثني عشر شهراً
وكان يظن أنهم تعمّدوا إدخال الإمام عليه لإفحامه وفضحه (16).
دناءة هشام
وزادت هذه المناظرة من حقد هشام على الإمام الباقر فقد انتشر خبرها في الشام وأصبح الناس يتحدثون بها وبدلا من أن يفخر هشام بما حققه الإمام من نصر للإسلام فقد كتب إلى عامله على مدين كتابا يقول فيه:
إن ابني أبي تراب محمد وجعفر وردا علي ولما صرفتهما إلى المدينة مالا إلى القسيسين والرهبان وأظهرا لهما دينهما ومرقا من الإسلام إلى الكفر وتقربا إليهم بالنصرانية فكرهت أن أنكل بهما لقرابتهما فإذا قرأت كتابي هذا ووصلا إليكم فناد في الناس برئت الذمة منهما:
لقد بلغت الدناءة بهشام أن يتهم قادة الإسلام بالخروج من الإسلام ولم يكتف بذلك بل أوعز إلى الولاة على البلاد التي يمر بها الإمام بأن يغلقوا الأسواق الواقعة في الطريق بوجهه وأن لا تبيع له أية بضاعة لكي يموت الإمام جوعا وعطشا
وفي الطريق أصاب قافلة الإمام الجوع والعطش وأضناها التعب فمرت على مدينة فسارع أهلها لإغلاق حوانيتهم، فصعد الإمام على مرتفع وصاح:
(يا أهل المدينة الظالم أهلها أنا بقية الله، يقول الله تعالى:
(بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ).
وكان في تلك المدينة رجل كبير السن من وجهائها فقال لأهل مدينته لما سمع كلام الإمام:
(يا قوم هذه والله دعوة شعيب ، والله لئن لن تخرجوا الى هذا الرجل بالأسواق لتؤخذنّ من فوقكم، ومن تحت أرجلكم فصدّقوني هذه المرة، وأطيعوني، وكذبوني فيما تستأنفون فاني ناصح لكم...).
فسمع أهل المدينة كلامه واستجابوا لطلبه ففتحوا حوانيتهم واشترى الإمام ما يريده من الطعام وباء هشام بالفشل الذريع والخزي والعار
.................................................. ...........................................
1 ــ الإرشاد / المفيد ص510 , كشف الغمة / الأربلي ج 2 ص 117 ــ 118.
2 ــ الصواعق المحرقة ص 201.
3 ــ تذكرة الخواص ص 337 / كشف الغمة ج 2 ص 329.
4 ــ سير أعلام النبلاء ج 4 ص 402.
5 ــ مناقب ابن شهر آشوب ج 2 ص 286
6 ــ في رحاب أئمة أهل البيت ص 10
7 ــ كشف الغمة ص 221
8 ــ الائمة الاثنا عشر ص 81
9 ــ مطالب السؤول ص 80
10 ــ شرح نهج البلاغة ج 15 ص 227
11 ــ حلية الأولياء ج 3 ص 180.
12 ــ أخبار الدول ص 111.
13 ــ الفصول المهمة ص 201.
14 ــ وفيات الاعيان ج 3 ص 314.
15 ــ أعيان الشيعة ج 4 ص 58
16 ــ الدر النظيم / اليافعي ص 190 , دلائل الإمامة / الطبري ص 106.
اَللَّهُمَّ اكْشِفْ هَذِهِ الْغُمَّةَ عَنْ هَذِهِ الأُمَّةِ بِحُضُورِهِ وَعَجِّل لَّنَا ظُهُورَهُ (إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَرَاهُ قَرِيباً).




تعليق