إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

التديُّنُ النفعيّ وصناعةُ الأعذار: حين يُستخدم الدينُ ستاراً للهوى

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • التديُّنُ النفعيّ وصناعةُ الأعذار: حين يُستخدم الدينُ ستاراً للهوى



    قال أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) لعمّار بن ياسر، وقد سمعه يراجع المغيرة بن شعبة كلاماً:
    «دَعْهُ يَا عَمَّارُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ مِنَ الدِّينِ إِلَّا مَا قَارَبَهُ مِنَ الدُّنْيَا، وَعَلَى عَمْدٍ لَبَسَ عَلَى نَفْسِهِ، لِيَجْعَلَ الشُّبُهَاتِ عَاذِراً لِسَقَطَاتِهِ».

    تكشف هذه الكلمة العلوية عن واحدةٍ من أخطر الآفات التي تُصيب الإنسان في وعيه الديني والأخلاقي، وهي أن يتحوّل الدين عنده من حقيقةٍ تُهذّب النفس وتُوجّهها نحو الله، إلى أداةٍ انتقائية يُبقي منها ما يوافق مصالحه، ويترك منها ما يُقيّد شهواته أو يُعارض طموحه الدنيوي. وهنا لا يكون الخطر في الجهل البسيط، بل في ذلك اللون من التديّن النفعيّ الذي يُبقي صورة الدين ويُفرغ روحه.
    فقول الإمام (عليه السلام): «لم يأخذ من الدين إلا ما قاربه من الدنيا» يُشير إلى إنسانٍ لا ينظر إلى الدين بوصفه منهج هداية، بل بوصفه وسيلةً للمنفعة، فهو يقبل من الدين ما يُعطيه وجاهةً أو مصلحةً أو سلطةً أو مكسباً اجتماعياً، أما ما يطالبه بالمجاهدة والتضحية وكسر الهوى، فإنه يبتعد عنه أو يُعيد تأويله حتى لا يصطدم برغباته. وهكذا يصبح الدين تابعاً للدنيا بعد أن كان ينبغي أن تكون الدنيا تابعةً للدين.
    وهذا النمط من التفكير ليس انحرافاً فكرياً فحسب، بل انحرافٌ في بنية النفس نفسها، لأن صاحبه لا يرفض الحق صراحةً دائماً، بل يُحاول أن يُكيّفه بما ينسجم مع هواه، فيُبقي العنوان، ويُغيّر الحقيقة. ومن هنا كانت العبارة التالية أشدّ عمقاً: «وعلى عمدٍ لبّس على نفسه». فالإنسان قد يقع أحياناً في الخطأ عن جهلٍ أو غفلة، لكن الأخطر أن يُمارس التلبيس على نفسه عن قصد، أي أن يتعمّد صناعة الضباب الداخلي حتى لا يرى الحقيقة واضحة، لأن وضوحها سيُلزمه بالتغيير الذي لا يريده.
    وهذا من أعجب ما يقع فيه الإنسان؛ إذ يتحوّل العقل من أداةٍ للبحث عن الحق إلى أداةٍ لتبرير الانحراف، فيبدأ بتوليد الشبهات، لا طلباً للحقيقة، بل هرباً منها. ولذلك قال الإمام (عليه السلام): «ليجعل الشبهات عاذراً لسقطاته». فهو لا يبحث عن العذر لأنه معذور، بل يبحث عنه ليُغطي سقوطه، وكأن الشبهة عنده ليست سؤالاً معرفياً صادقاً، بل ستارٌ نفسي يُخفّف به تأنيب الضمير.
    ومن هنا نفهم خطورة الشبهات حين تُستعمل استعمالاً نفسياً لا علمياً. فالشبهة في ذاتها قد تكون باباً للمعرفة إذا طُرحت بصدقٍ وطلبٍ للحقيقة، لكنّها قد تتحوّل إلى ملجأٍ للهروب من الالتزام، فيُكثر الإنسان من الجدل، لا لأنه يريد الوصول، بل لأنه لا يريد أن يخضع لما عرفه من الحق. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى في أكثر من موضع، قال تعالى: ﴿بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾، فالإنسان قد يُكثر من صناعة الأعذار، لكنّه في أعماقه يعرف حقيقة نفسه.
    وفي هذه الحكمة أيضاً إشارةٌ إلى أن بعض الناس لا تنفع معهم كثرة المجادلة، لأن المشكلة ليست دائماً في قلّة الدليل، بل في فساد الإرادة. ولهذا قال الإمام (عليه السلام) لعمّار: «دعه»، لأن من جعل هواه أصلاً، ثم راح يبحث عن المبررات بعد ذلك، لا يكون مستعداً للإصغاء الحقيقي، إذ إن القضية عنده ليست قضية فهم، بل قضية مصلحة.
    وهكذا يُرشدنا أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى ضرورة التمييز بين طالب الحقيقة وطالب التبرير؛ فالأول قد يُخطئ لكنه يريد الوصول، أما الثاني فإنه يُجادل ليبقى حيث هو. كما تُعلّمنا هذه الكلمة أن أخطر ما يُصيب الإنسان ليس الوقوع في الذنب وحده، بل أن يفقد الصدق مع نفسه، فيُلبس عليها، ويُزيّن لها السقوط، حتى يتحوّل الانحراف عنده إلى أمرٍ مُبرّر مقبول.
    وتعلّمنا هذه الحكمة أن نكون صادقين مع أنفسنا قبل أن نكون صادقين مع الناس، وأن لا نجعل الدين تابعاً لأهوائنا، بل نجعل أهواءنا خاضعةً لميزان الدين.
    فاحذر أن تبحث عن المبررات أكثر من بحثك عن الحقيقة، فإن النفس إذا أحبت شيئاً قد تصنع له ألف شبهة لتستبقيه. ولا تجعل العلم وسيلةً للدفاع عن الهوى، بل اجعله نوراً يكشف لك مواضع الخلل في داخلك.
    وإذا واجهتك الحقيقة، فلا تُلبس على نفسك، فإن النجاة تبدأ من لحظة الصدق، والسقوط يبدأ من أول تبريرٍ متعمّد.
    وهكذا يعلّمنا أمير المؤمنين (عليه السلام) أن الدين لا يُؤخذ بالتجزئة وفق المصالح، وأن أخطر الانحرافات هي تلك التي تُزيَّن لصاحبها حتى يظنّها حقاً، وأن القلب إذا فقد صدقه مع الله، تحوّل العلم فيه إلى حجاب، والشبهة إلى ملاذ، والهوى إلى قائدٍ خفيّ يقوده حيث لا يشعر.​




    -----------------
    منقول
    أين استقرت بك النوى
المحتوى السابق تم حفظه تلقائيا. استعادة أو إلغاء.
حفظ-تلقائي
Smile :) Embarrassment :o Big Grin :D Wink ;) Stick Out Tongue :p Mad :mad: Confused :confused: Frown :( Roll Eyes (Sarcastic) :rolleyes: Cool :cool: EEK! :eek:
x
يعمل...
X