بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾[1].
بادئ ذي بدء نستدل بالآية أن اتّباع العلم واليقين هو ممّا يأمر به العقل قبل الشرع: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾، وهي حقيقة فطريّة وجدانية، وعقليّة فكريّة، وإيمانية شرعيّة، خرقت طبقات الظلام كالشمس الساطعة، وتخلّصت من حجب الأوهام والخيالات والحدس والظنّ، وكانت في سطوعها في سماء العقل والمعرفة البشريّة لألف وأربعمائة سنة هادياً ومرشداً، ودليلًا قاطعاً، وسنداً حيّاً، وشاهداً صادقاً على حقّانيّة القرآن.
بعد ذلك يكون الحديث عن منافذ علم الى الانسان التي ينفذ منها، وأولها: السمع احد تلك المنافذ عندما يستمع الانسان الى عالم الى خبير الى مفكر الى صاحب تجربة، ويتفهم ما يسمعه ويجعله جزءا من معلوماته آنذاك يزداد علمه، لا سيما اذا ركبها ركب ما سمع مع ما كان يعلم، وثانيها: البصر فرؤية الانسان المباشرة الى الاشياء تجعله يتعرف على معلومات كثيرة يضيفها الى مخزونه العلمي، ولكن الاعظم في ذلك كله هو ثالثها: الفؤاد باعتبار أن الفؤاد وهو العقل مهيمن على ما سمع وعلى ما رأى، ومحلل للمعلومات التي تفد الى الذهن، جامع الى ما تفرق، ناقد للخطأ فيها، مكون من الاشياء الجزئية قواعد عامة، هذا الدور المركب الذي يقوم به عقل الانسان يجعل عدم العقل عند احد يساوي أن لا يسمع ينفع ولا بصر ينفع.
أنت ترى الانسان الذي لا عقل له، عنده عين وعنده اذن، ولكن لا يوجد لديه قدرة عقلية تحلل المعلومات تستفيد منها تحولها الى قواعد تستنج منها النتائج، هذه المنافذ المختلفة يتحدث عنها القران الكريم: ﴿كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾، فالمسؤولية تارة تعني أن السمع يسأل، والبصر يسأل والعقل يسأل، فيكون معنى الآية معنى اخروي يشاكل ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم...﴾[2]، يصبح الموضوع موضوع اخلاقي وتوجيه وعظي، وأن السؤال سوف يتم في يوم القيامة.
ونستخلص من الآية أن حجّيّة العقل سابقة على حجّيّة الشرع، لأنّ الشرع إنّما يثبت بالعقل، والشخص المجنون الذي لا عقل له لا تكليف له؛ فإن لم يكن هناك حكم عقليّ على وجوب اتّباع النبيّ والإمام، فكيف ستثبت حجّيّة أقوالهم؟
وأمّا القول بحجّيّة الشرع اعتماداً على الشرع فيستلزم الدور والتسلسل، فكيف سيمكن في غياب العقل تمييز رسول الله عن مسيلمة الكذّاب، أو تشخيص نبيّ إلهيّ عن مدّعٍ للنبوّة؟
لا ريب أنّ للعقل حكم المصباح الذي يمكن للإنسان أن يبصر بنوره جميع الأشياء، ويهتدي به إلى حلّ جميع المجهولات، ومن بينها وجوب اتّباع الكتاب السماويّ والنبيّ والإمام الحقيقيّين، لذا فإنّ اتّباع الإمام كان بواسطة العقل وهديه.
وروي أن ابن السكيت قال لأبي الحسن الهادي (عليه السلام): ((لماذا بعث الله موسى بن عمران بيده البيضاء والعصا وآلة السحر، وبعث عيسى بآلة الطب، وبعث محمداً (صلى الله عليه وآله) بالكلام والخطب؟.
فقال أبو الحسن عليه السلام: إن الله تعالى لما بعث موسى (عليه السلام) كان الأغلب على أهل عصره السحر فأتاهم من عند الله تعالى بما لم يكن عند القوم وفي وسعهم مثله، وبما أبطل به سحرهم، وأثبت به الحجة عليهم؛ وإن الله تعالى بعث عيسى في وقت ظهرت فيه الزمانات واحتاج الناس إلى الطب فأتاهم من عند الله تعالى بما لم يكن عندهم مثله، وبما أحيا لهم الموتى، وأبرأ الأكمه والأبرص بإذن الله، وأثبت به الحجة عليهم؛ وإن الله تعالى بعث محمداً في وقت كان الأغلب على أهل عصره الخطب والكلام والشعر فأتاهم من كتاب الله والموعظة والحكمة بما أبطل به قولهم، وأثبت به الحجة عليهم.
قال ابن السكيت ما رأيت مثلك اليوم قط فما الحجة على الخلق اليوم؟ فقال: العقل يعرف به الصادق على الله فيصدقه والكاذب على الله فيكذبه، قال ابن السكيت: هذا والله هو الجواب))[3].
[1] سورة الإسراء، الآية: 36.
[2] سورة النور، الآية: 24.
[3] الكافي، ج 1، ص 24، ح 20.
