بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
قال الله تعالى: ﴿قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَّابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾[1].
أهل الباطل لما ادعوا الشرك بالله تكون نتيجتها أنّهم لابدّ أن يجدوا طريقاً يؤدي بهم إِلى صاحب العرش، وَلكن طبيعة الكلام توضح بأنَّ الهدف هو العثور على سبيل للانتصار عليه (على ذي العرش) خاصّة وأنَّ كلمة ﴿ذِي الْعَرْشِ﴾، التي استخدمت بدلا مِن "الله" تُشير إِلى هَذا الموضوع وَتؤكّده.
فقوله تعالى ﴿قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ ...﴾، وقوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ ۚ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ۚ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾[2]، وقوله: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتا﴾[3]، هي آيات كلّها إشارة إلى دليل عقلي للتوحيد وهو دليل التمانع، وتقريره: أنّه لو كان معه شريك للزم فساد نظام الوجود، وهو باطل. ويسمى دليل المتكلمين.
بيان ذلك: أنّه لو تعلّقت إرادة أحدهما بإيجاد جسم متحرّك، فلا يخلو إمّا أن يكون للآخر إرادة سكونه، أو لا، فإن أمكن، فلا يخلو إمّا أن يقع مرادهما، فيلزم اجتماع المتنافيين، أو لايقع مرادهما، فيلزم خلوّ الجسم عن الحركة والسكون، أو يقع مراد أحدهما، ففيه فسادان:
أحدهما: الترجيح بلا مرجّح.
وثانيهما: عجز الآخر.
وإن لم يمكن للآخر إرادة سكونه، فيلزم عجزه؛ إذ لا مانع إلاّ تعلّق إرادة ذلك الغير، لكن عجز الإله باطل، والترجيح بلا مرجّح محال، فيلزم فساد النظام، وهو محال أيضاً.
فالآيات المباركة بصددِ بيان فساد هذه العقيدة، وهي انَّ لهذا الكون أرباباً متعدِّدين وأنَّ لكلِّ واحدٍ منهم جزءً من هذا الكون يتولَّى شئونَ تدبيرِه، وأنَّ اللهَ تعالى لا شأنَ له بتدبير هذا الكون، ولهذا تصدَّى القرآن الكريم لتفنيد هذه الدعوى الباطلةِ في آياتٍ عديدة، منها قولُه تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾[4].
فالموجوداتُ التي يعتقدُ الوثنيُّون أنَّها أربابٌ ومعبوداتٌ ليست واجبة بل هي مربوبةٌ لله تعالى وإنْ كانت أرباباً لما دونِها بنظرهم، فإذا كانت هي موجوداتٌ متباينة في حقائقِها أي أنَّها متغايرة ولكلٍّ منها حقيقةٌ وجوديَّة غير حقيقةِ الوجود الآخر، ولكلٍّ منها إرادةٌ مستقلَّة وتدبيرٌ مستقلٌّ فهذا يقتضي فسادَ النظام الكونيِّ لأنَّ كلَّ إلهٍ سوفَ يُدبِّر الجزءَ الذي هو ربٌّ له بما يُريدُ بقطع النظر عن تدبيرِ الآخر لما هو ربٌّ له، وهذا يقتضي بطبيعة الحال أنْ ينعكس أثرُ تدبيرِ الأول على الشيءِ الذي هو خارج عن تدبيرِه وكذلك العكس، وحينئذٍ لن نجدَ هذا الكون منتظماً والحالُ أنَّنا نجدُه منتظماً في قوانينِه وعللِه ومعلولاتِه وهو ما يكشفُ عن وحدةِ المُدبِّر.
ففي كتاب التوحيد بإسناده إلى هشام بن الحكم في حديث الزنديق الذى أتى أبا عبدالله (عليه السلام) وكان من قول أبي عبد الله له: ((لا يخلو قولك: إنهما اثنان من أن يكونا قديمين قويين أو يكونا ضعيفين أو يكون أحدهما قويا والاخر ضعيفا، فان كانا قويين فلم لا يدفع كل واحد منهما صاحبه وينفرد بالتدبير، وإن زعمت أن أحدهما قوي والاخر ضعيف ثبت أنه واحد كما تقول، للعجز الظاهر في الثاني، وإن قلت: إنهما اثنان لا يخلو من أن يكونا متفقين من كل جهة أو متفرقين من كل جهة، فلما رأينا الخلق منتظما، والفلك جاريا واختلاف الليل والنهار والشمس والقمر دل صحة الامر والتدبير وائتلاف الامر أن المدبر واحد))[5].
وامّا احتمال انّ الالهين اتّفقا فيما بينهما على أن يخلقا معاً العالم على نسق ونظام واحد، فجوابه إنّ دليل التمانع يدلّ على استحالة افتراض إنّ الآلة متعدّد والاستحالة ليست ناشئة من وجود إلهين، بل من فرض وجود إلهين لأن فرض وجود إلهين يقتضي فرض أن يتنازعا ويختلفا في التدبير، فلا يتحقّق وجود أيّ مخلوق في العالم لأنّ أحدهما يريده والآخر لا يريده.
[1] سورة الإسراء، الآية: 42.
[2] سورة المؤمنون، الآية: 91.
[3] سورة الأنبياء، الآية: 22.
[4] سورة الزخرف، الآية: 84.
[5] التوحيد للصدوق، ص 243.
