ليس مجرد حديث عن الجهل العلمي، بل هو صرخة في وجه الغفلة التي ابتلي بها الإنسان.إن المصيبة ليست في أن تجهل شيئًا، فكلنا جهلة أمام علم الله، وإنما المصيبة أن تظن أنك تعلم، وأن تغتر بما عندك من معلومات وتجارب وشهادات وأموال ومناصب، ثم تنسى أنك ما زلت تجهل أعظم سؤال في الوجود: من أنت؟ ولماذا جئت إلى هنا؟ وإلى أين أنت ذاهب؟
ولهذا نقل ذلك المثال العجيب عن النملة. فالنملة تمر تحت عمود الهاتف، وترى شيئًا من ظاهره، لكنها لا تدرك حقيقة ما وراءه من شبكات واتصالات تربط المدن والبلدان. وكذلك الإنسان يرى الدنيا بعينه، يرى المال والوظيفة والزواج والطعام والبيت والسيارة والنجاح الدنيوي، لكنه قد لا يرى شيئًا من عالم الغيب الذي من أجله خُلقت الدنيا أصلًا.
ومن هنا يبدأ الألم الحقيقي.
فإنك ترى إنسانًا يعيش ستين أو سبعين أو ثمانين سنة، ثم يرحل وهو لم يسأل نفسه سؤالًا واحدًا بصدق: لماذا خلقني الله؟
ولد طفلًا، ورباه أبواه من لحمهم ودمهم، وسهروا عليه الليالي، وأنفقوا أعمارهم من أجله، ثم كبر، وعمل، وتزوج، وأنجب أولادًا، وصار أولاده يخدمونه كما خدمه أبواه، ثم مات. وهذه دورة تتكرر منذ آلاف السنين.
ولكن هل هذه هي الغاية؟
هل خلق الله السماوات السبع والأرضين، وأرسل مئات الأنبياء والمرسلين، وأنزل الكتب، وأقام الحجج، وخلق الملائكة، وأوجد هذا الكون المترامي بأفلاكه ومجراته، فقط لكي نأكل ونشرب وننام ونعمل ثم نموت؟
أي عقل يقبل هذا؟
إن الإنسان إذا حصر الحياة في الطعام والنوم واللذة والعمل فقط، فقد نظر إلى الوجود كما تنظر النملة إلى عمود الهاتف. رأى القشرة ولم ير الحقيقة. رأى الظاهر ولم ير الباطن. رأى الدنيا ولم ير ما وراء الدنيا.
ولهذا فإن الناس أمام خيارين لا ثالث لهما:
إما أن يعيش الإنسان حياة الحيوان؛ يأكل ويشرب وينام ويطلب الراحة ويجمع المال ثم يموت.
وإما أن يجعل هذه الأمور وسائل لا غايات، فيأكل ليقوى على الطاعة، ويعمل ليخدم دينه وعياله، ويتزوج ليحفظ نفسه، ويعيش في الدنيا وهو يتعلم معرفة الله، ويجاهد نفسه، ويتفكر في خلقه، ويتقرب إليه، ويطلب الكمال الذي خُلق من أجله.
فالدين لم يأت ليمنع الإنسان من الحياة، بل جاء ليكشف له معنى الحياة.
والمصيبة أن كثيرًا من الناس اليوم يضحون بآخرتهم من أجل ساعات نوم إضافية، أو شهوة عابرة، أو متعة قصيرة، أو راحة مؤقتة. يتركون صلاة الليل لأنها متعبة، ويتركون العلم لأنه يحتاج جهدًا، ويتركون تهذيب النفس لأنه يحتاج صبرًا، ويختارون الطريق السهل.
لكن طريق النفس دائمًا سهل في أوله وصعب في آخره.
أما طريق الله فصعب في أوله وجميل في آخره.
ولهذا ترى النفس تميل إلى الكسل والخمول والتسويف والتخمة والراحة الزائدة، لأنها لا تريد الصعود. إنها كمن يجلس عند سفح الجبل وينظر إلى القمة ثم يكتفي بالنظر إليها دون أن يخطو خطوة واحدة نحوها.
أما الأولياء والأنبياء فلم يكونوا يملكون أجنحة يطيرون بها إلى الله، وإنما امتلكوا عزيمة قاومت هوى النفس.
ومن أعجب ما في الأمر أن الإنسان مهما قرأ وتعلم، ومهما جمع من العلوم والمعارف، فإنه يبقى فقيرًا أمام الله.
قد يقرأ آلاف الكتب، ويحفظ آلاف المسائل، ويملأ رأسه بالمعلومات، ثم لا يعرف نفسه.
وقد يصبح عالمًا في أمور الدنيا كلها، لكنه يجهل حقيقة قلبه.
وهنا يظهر معنى الجهل المركب الذي أشار إليه الشهيد دستغيب.
فالجاهل البسيط يعرف أنه جاهل، ولذلك يمكنه أن يتعلم.
أما الجاهل المركب فيظن أنه قد وصل، وأنه فهم كل شيء، وأنه لم يعد بحاجة إلى التغيير والتوبة والتعلم.
وهذا هو الغرور الحقيقي.
إن العارفين بالله كانوا كلما ازدادوا علمًا ازدادوا شعورًا بفقرهم وجهلهم وعجزهم. كانوا يرون أن ما يعلمونه قطرة في بحر لا ساحل له.
أما نحن فكثيرًا ما نأخذ قطرة ونظن أننا ملكنا البحر.
ولهذا فإن النجاة ليست بكثرة المعلومات فقط، بل بالتواضع لله، ومعرفة النفس، والعمل بما تعلمه الإنسان، ومجاهدة الهوى.
ولعل في المثال المذكور ما يبعث على الخجل من أنفسنا؛ فإن تلك النملة على صغرها تعرف وظيفتها وتسير إليها بلا تردد، لا تتكاسل عنها ولا تنساها، أما الإنسان الذي مُنح العقل والبيان والقدرة والكتب السماوية والأنبياء والأئمة والحجج، فكثيرًا ما يضيع عمره بين الشهوات والغفلات ثم يرحل قبل أن يعرف لماذا جاء.
فإذا كان الأمر كذلك، فالسؤال الذي ينبغي أن يرافقنا كل يوم ليس: كم ربحت اليوم؟
ولا: كم استمتعت اليوم؟
ولا: ماذا قال الناس عني اليوم؟
بل:
هل اقتربت اليوم خطوة من الغاية التي خُلقت لأجلها؟
فإن كان الجواب نعم، فقد ربحت وإن خسرت الدنيا كلها.
وإن كان الجواب لا، فقد خسرت وإن ملكت الدنيا كلها.

تعليق