فضيلة المباهلة ( القصة الكاملة )
24 ذو الحجة
.
.
يقولون لي لا تحـبُ الوصيَّ
فقلـــــت الثرى بفم الكــــاذبِ
أحــــب النبيَّ وآل النبـــــــيِّ
واختـــــص آل أبي طالـــــــبِ
وأعطي الصحابة حـق الولاء
وأجري على السنن الواجــبِ
وإن كان رفضاً ولاءَ الوصيِّ
فلا ترض بالرفض من جانبي
وإن كان نصباً ولاء الجميـــع
فإني كمــــا زعمـــوا ناصبـي
ولو كنتمُ من ولاء الوصـــــيِّ
على العجزِ كنتُ على الغـاربِ
يرى الله ســــرِّي إذا لم تَــروه
فكـــم تحكمــونَ على غـــائبِ
حينما نتحدث عن أهل بيت رسول الله (ص) إنما نتحدث عن أناس خصهم الله تعالى وزادهم تشريفاً وتعظيماً وتقديماً
وتعليماً بانتسابهم لرسول الله (ص) ،ولحملهم رسالة الإسلام بعد رسوله .
مناقبهمُ كالشهبِ والتُربِ والحصى
وإضعافها ألفاً وألفاً بلا حصرِ
فلبيت رسول الله (ص) مناقب لاتحصى وفضائل لاتستقصى ،فهاهو القرآن الكريم يقول في حقهم على لسان رسوله
حيث قال تعالى : ( قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) .والقرآن حافل بهذه المعاني وهذه الدلالات منها قول
الله تعالى : ( إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُم ْتَطْهِيراً ) .
فأي منزلة هذه وأي مكانة التي تمتع بها بيت آل النبي (ص)،كيف لا وهم مهبط الوحي،واستقرار الرسالة،كل هذه المعاني
تدفعنا إلى أن نحب هؤلاء،ونقرأ سيرتهم،لنزداد تواصلاً وتقرباً إلى أهل بيت رسول الله (ص)،ولكي نعكس حياتهم على
حياتنا حتى نفوز بالدارين .
وإن اعتقادنا بالنبي وآله المعصومين صلاة الله وسلامه عليهم أجمعين،اعتقاد ولاية ودين وإمامة،وأن لهم علينا حق
الطاعة في جميع ما يصدر منهم من أمر ونهي،كأنها نص في القرآن أو مسموع من الله تعالى بوحي،وفي الحقيقة هم
الرابطة والواسطة بيننا وبين الله تعالى لمعرفة تعاليمه وما أوجب علينا من أحكامه.بل والأكثر إن اعتقادنا بأن لمحمد
وآله المعصومين لهم علينا حق الولاية على الأنفس والمال والأعراض،ويجب علينا طاعتهم في كل شيء ولا يحق
لنا رد شيء من أحكمهم،إلا أن يكون الإنسان يريد أن لا يطيع الله تعالى،ويريد أن يتمرَّد على أمر الله تعالى ونهيه
ويصر على دخول النار ولا تقبل له توبة،وأنهم هم المبينين الحقيقيين لأحكام الله تعالى،وهم المختارون من قبل الله
تعالى لتعليم الناس حقيقة دينه وتعاليمه،دون غيرهم من الناس والأئمة الآخرين .فلابد أن يكون لمثل هؤلاء القادة الذين
أعدهم واختارهم واصطفاهم الله تعالى لبيان تعاليمه وأحكامه مقام محمود عنده تعالى،ولهم من المناقب والمواصفات
والفضائل والكرامات من عند الله عزّ وجلّ فوق وصف البشر وفوق تقييم العقل الإنساني،كيف لا وقد جاء أن المؤمن
الحقيقي لا يمكن أن يوصف فكيف يمكن أن يوصف أئمته وسادته ومن لهم حق الطاعة عليه وأولى به من نفسه .. فعن
زرارة،عن أبي جعفر (ع) قال : سمعته يقول : ( إن الله عز وجل لا يوصف وكيف يوصف وقال في كتابه :
وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ .فلا يوصف بقدر إلا كان أعظم من ذلك،وإن النبي (ص) لا يوصف وكيف يوصف عبد
احتجب الله عز وجل بسبع وجعل طاعته في الأرض كطاعته في السماء. فقال : وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ
عَنْهُ فَانتَهُوا . ومن أطاع هذا فقد أطاعني ومن عصاه فقد عصاني،وفوَّض إليه .و إنّا ( يعني هم آل النبي وآهل بيته
المعصومين ) لا نوصف وكيف يوصف قوم رفع الله عنهم الرجس وهو الشك،والمؤمن لا يوصف وإن المؤمن ليلقى
أخاه فيصافحه فلا يزال الله ينظر إليهما والذنوب تتحات عن وجوههما كما يتحات الورق عن الشجر ).
ولكن مع ذلك كله توجد أوصاف ظاهرية،وسيرة عمليه،ومناقب وحوادث واقعة في حياة محمد وآله المعصومين الذين
هم أئمة الدين الحقيقيين،وقد ذكرها القرآن المجيد أو جاءت على لسان النبي الكريم تحكي عن بعض ما لمحمد وآله
صلوات الله عليهم أجمعين من المناقب والكرامات عند الله .ويكفيك أن ترجع للقرآن الكريم فترى الكثير من الايات
الكريمة التي تدل على ما لآل محمد صلاة الله عليهم أجمعين من الكرامات والمناقب والمقام المحمود عند الله تعالى،
كأية المباهلة التي نزههم الله تعالى فيها من الكذب حيث طلب المباهلة بهم،وأختارهم الله لبيان أن هؤلاء هم الذين
أختارهم لإتمام حجته وصدق دعوة نبيه،وعلَّم الناس صدقهم وطهارتهم وجعل لعنته على من يكذبهم .
اليوم الرابع والعشرون من شهر ذي الحجة
حديث المباهلة
إذا في مجلسٍ ذكروا عليــــاً
وسبطَيــــهِ وفاطمـةَ الـزّكيّةِ
فأجرى بعضَهم ذكرَ ســواهم
فأيـــــــقِنْ أنّـــه سلَقلَقيّـــــِة
إذا ذكــــروا عليــــاً وبنيـــه
تشـــاغَلْ بالروايـــاتِ العليِّةِ
وقال تجاوزوا يا قوم هـــــذا
فهـــذا من حديثِ الرافضـيةِ
برئتُ إلى المهيمنِ من أناسٍ
يرون الرفض حبَّ الفاطمية
على آل الرسولِ صـلاةَ ربي
ولعنتـــهُ لتلكَ الجـــــــاهلية
نقل العلامة المجلسي (قُدِّس سره) في بحار الأنوار أنه قال المأمون (لع) يوماً للرضا (ع) : أخبرني بأكبر فضيلة لأمـير
المؤمنين (ع) يدل عليها القرآن .فقال له الرضا (ع) : فضيلة في المباهلة،قال اللّه تعالى : فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ .. الآية،
فدعا رسول اللّه (ص) الحسن والحسين (عليهما السلام ) فكانا ابنيه،ودعا فاطمة (سلام الله عليها ) فكانت في هذا
الموضع نساؤه،ودعا أمير المؤمنين (ع) فكان نفسه بحكم اللّه عزّ وجلّ،فـقـد ثـبت أنه ليس أحد من خلق اللّه تعالى
أجلَّ من رسول اللّه (ص) وأفضل،فوجب أن لا يكون أحد أفضل من نفس رسول اللّه (ص) بحكم اللّه تعالى .فقال له
المأمون (لع) : أفلا جاز أن يذكر الدعا لمن هو نفسه،ويكون المراد نفسه في الحقيقة دون غيره فلا يكون لأمير المؤمنين
(ع ) ما ذكرت من الفضل ؟.قال (ع) : ليس يصح ما ذكرت،وذلك أن الداعي إنما يكون داعياً لغيره،كما أن
الآمر آمر لغيره،لم يدع رسول اللّه (ص) رجلاً في المباهلة إلاّ أمير المؤمنين (ع) فقد ثبت أنه نفسه التي عناها
اللّه سبحانه في كتابه وجعل حكمة ذلك في تنزيله ).فقال المأمون (لع) : يا أبا الحسن إذا اصيب الصواب،انقطع الجواب .
قال أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب (ع) لأحدهم : ( لقد عَلِمَ المستحفظون من أصحاب النبيّ محمّد (ص) أنّه ليس فيهم
رجلٌ له منقَبة إلّا وقد شركتُه فيها وفُضلته،ولي سبعون منقبة لم يشركني فيها أحدٌ منهم.قلت : يا أميرالمؤمنين،فأخبرني بهنّ.
فقال (ع) :إنّ أوّل منقبة لي : أنّي لم اُشرك باللَّه طرفة عين،ولم أعبد اللات والعزّى.إلى أن قال : وأمّا الرابعة والثلاثون :
فإنّ النصارى ادَّعوا أمراً،فأنزل اللَّه عزّوجلّ فيه : فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ
وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَاذِبِينَ، فكانت نفسي نفس رسول اللَّه (ص)،والنساء
فاطمة (ع)،والأبناء الحسن والحسين،ثمّ ندم القوم،فسألوا رسول اللَّه (ص) الإعفاء فأعفاهم،والذي أنزل التوراة على موسى
والفرقان على محمّد (ص) لو باهلونا لمُسخوا قردة وخنازير ).
وخلاصة القول ان ايام شهر ذي الحجة الحرام تعد من الايام الشريفة الزاخرة بمفاخرهم ومناقبهم وفضائلهم المباركة صلوات
الله وسلامه عليهم،ونخص بالذكر هنا أمير المؤمنين (ع) إذ أن اغلب هذه المناقب تفيض من منبعه الغزير .
تفرَّقت في الأنبيـــــــاءِ البررة
فضــائلٌ تجمَّعت في حيدره
ومحكم الذكـــــــــرِ بهذا شاهد
ينقـــله والسنــــة المطهرة
قد استوى الولـــيَّ والعدوَّ في
أوصـافهِ فجلَّ مولى صوَّره
أنظر إلى الدين تجــــــد لواءَه
هــو الذي من طيَّه قد نشره
وأنظر إلى الكفر تجــد عموده
هـــو الذي بذي الفقارِ بتَره
سلْ عنه عمراً من برَى وريده
ومَرحبـاً من بالترابِ عفَّره
واستخبر الجيشَ غـــداة خيبرٍ
مـــــن الـــــذي إلى اليـــــهودِ عبَره
هو المرادُ بالرضا من ربــــهِ
من دون من بــــــايَع تحتَ الشجره
شاهــــــد ثباتَهُ وفـــــــــــرَّهمُ
يــــوم حنيــــــنٍ والمنــايا مُحضره
وشاهـــــــدٌ آخـــــر فتحَ خيبرٍ
فهـــــــو له فضـــــيلةً منــــحَصِره
أثابــــــهُ الله بــــه لصــــــدقهِ
والصـــــدقُ لا بد لــــــه من ثمــرَه
وكـــــــــم له من آيـــــــةٍ بينةٍ
في الدينِ أضحت في الملا منتشره
لا يستطيعُ حصرها الخلق ولو
أفنـــــى بصــــدقِ الجِـــدِ كلَّ عُُمُرَه
وقــــــد أراد اللهُ أن يُظـــــهِرَهُ
فهـــــل يطيقُ أحـــدٍ أن يَستُرَه ؟ !
فاستمسكنَّ بحيــــــدرِ فإنـــــه
للعـــُروةِ الوثقـتـى ومولــى البرره
وأبشر بجامٍ مُترَعٍ تُروى بـــه
مـــــــن كفِّــــه إذا وَردتَ كوثــــره
تباً لقــــــومٍ صيَّــــــروهُ تـــــارةً
في ستــــــةٍ وتارةً في عشَرَه
ما قدَّروا الرحمنَ حـــــقَّ قــــَدرِهِ
إذ وازنـــــوا حجَّتَهُ بالفَـــجَره
يا غيرةَ الرحمـــــنِ هل لحيـــــدرٍ
من مُشبـهٍ لمُنصِفٍ قد أبصَرَه
كلا ولكــــــن كان ذا من عُصبَــةٍ
قد عَمِـيَت عن رُشدِها فلم تَرَه
هل أحدَثَ الوصيَّ من ذنبٍ سِوى
أن قد أطــــاع اللهَ في ما أمرَه
ستعلمــــــون في غــــــدٍ إذا رأى
الإنســــــانُ ما قدَّمهُ وأخّــــَرَه
وفضائل أمير المؤمنين علي (ع) ومناقبه وصفاته التي تميّز بها أكثر وَ أعظم من أن تُحصى أو أن يُدرك كُنهها،فهي قد
ولِدَت معه ورافقته من ولادته في جوف الكعبة وهي أعظم بيت من بيوت الله سبحانه وتعالى،حتى استشهاده في محراب
صلاته في بيت آخر من بيوت الله في مسجد الكوفة .. قال رسول الله (ص) ) : ( إنّ الله جلّ جلاله جعل لأخي عليّ بن أبي
طالب فضائل لا تُحصى كثرة،فمن ذكر فضيلة من فضائله مُقّراً بها غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر،ومن كتب فضيلة
من فضائله لم تزل الملائكة تستغفر له ما بقي لتلك الكتابة رسم،ومن أصغى إلى فضيلة من فضائله غفر الله له الذنوب التي
اكتسبها بالإستماع،ومن نظر إلى كتاب في فضائل عليّ غفر الله له الذنوب التي إكتسبها بالنظر.ثم قال : النظر إلى عليّ بن
أبي طالب عبادة،وذكره عبادة،ولا يقبل الله إيمان عبد من عباده كلّهم إلاّ بولايته والبراءة من أعدائه ) .
وعن ابن عباس (رض) قال : قال رسول الله (ص) : ( لو أن الغياض أقلام،والبحر مداد،والجن حسَّاب،والإنس كتَّاب
ما أحصوا فضائل علي بن أبي طالب عليه السلام ).
وقد ثبت لأمير المؤمنين في اليوم الرابع والعشرون من شهر ذي الحجة ثلاث فضائل أقرَّتها ثلاث آيات من القرآن الكريم
،تأكد أحقيِّته بالولاية وأنه أعظم الخلق بعد رسول الله (ص)،وهي آية المباهلة وآية التطهير وآية الولاية .
يقول الشاعر صفي الدين الحلِّي :
جُمعت في صفاتك ألاضــــداد
فلهــــــذا قلَّـــــت لك الأندادُ
زاهدٌ حاكمٌ حليمٌ شجـــــــــاعٌ
ناســــكٌ فاتكٌ فقـــــيرٌ جوادُ
خلقٌ يُشبه النسيمَ من اللطفِ
وبــــأسٌ يذوبُ منهُ الجِــلادُ
شيمُ ما جُمِعنَ في بشـــرٍ قطٌ
ولا حــــــازَ مثلَهُنَّ العبــــادُ
فلـــــهذا تعمقت فيك أقـــــوام
بأقوالــــــهم فزانــو وزادوا
وعلَــت في صفـــــاتِ فضلك
يـس و طه واّل يسٍ و صادُ
ظهرَت منك للورى معجـزات
فأقـــــرَّت بفضلك الحســـــــــادُ
إن يكذِّب بها عِـــــــداكَ فقــد
كـــــذَّب من قبلِ قومُ لوطٍ وعادُ
أنت سرُّ النبي و الصنو وابن
العمِّ و الصهر و ألاخ المستجادُ
لو رأى مثلك النبــــــي لاّخَاهُ
وإلا فـــــــأخطــــــأَ الانتقــــــادُ
جــــلَّ معنــــــاكَ أن يُحيطَ به
الشـعرُ و يُحصي صفاتكَ النقادُ
فيوم المباهلة والتصدق بالخاتم من المناسبات الدينية التى يجب علينا كشيعة موالية إحيائها لعظمة شأنها عند الله وأهل
بيت الرحمة عليهم السلام،فهو من أفضل الأيام في شهر ذو الحجة وبه فضائل كثيرة ينبغي ان لا تفوتنا بركتها وثوابها،
فحادثة المباهلة وهي على الأشهر في اليوم الرابع والعشرين وقيل الخامس والعشرون من شهر ذي الحجة سنة عشرة
هجرية تُعَد فتح كبير بعد فتح مكة المكرمة،إذ بها اصبح الإسلام هو المسيطر على العالم بل وهو القائد وبقية الأمم مقودة
إليه واعتز المسلمون بعز الإسلام،فهو بمثابة عيدٍ للمسلمين،يفتخرون به كإحدى مناسبات النصر المعنويّ والرِّسالي،
وكأحد المواقع التي ظهر فيها الحقّ جليِّاً ومؤيِّداً للدين الإسلاميّ الحنيف،ولم تَخلُ المناسبة من دلائل صدق وإشارات
حقّ إلى فضائل محمّد وآل محمّد صلوات الله وسلامه عليهم،فقد اجمع علماء المسلمين على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم
أن رسول الله (ص) لم يخرج في وقت المباهلة بأحد غير هؤلاء الأربعة : علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام .
مما يؤكد على ان آية المباهلة نزلت في الخمسة وهم محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام .فلولا فضل الله
وكرامة هؤلاء الخمسة لكان النصر والغلبة للدين النصراني على الدين الاسلامي .
والمباهلة تعني الملاعنة،و قوله عَزَّ وجَلَّ نَبْتَهِلْ في الاية الكريمة أي نلتعن،أي الدعاء بإنزال اللعنة والدمار والهلاك
على الكاذب من المتلاعنَين،واللعن يعني الطرد والبعد عن رحمة الله،فعندما تلعن شخصاً،أي تطلب من الله سبحانه
وتعالى أن لا يرحمه و أن يكون أبغض الخلائق إليه،ولااشقى للعبد من ان تزول عنه رحمة الله ويكِل أمره الى نفسه،
والبَهلةُ مشروعة لإحقاق الحق و إزهاق الباطل،و إلزام الحجة من أعرض عن الحق بعد قيامها عليه،والأصل في
مشروعيتها آية المباهلة،اما عن وقتها وصفتها ..
فعن أبي جعفر (ع) قال: ( الساعة التي تباهل فيها ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس )
وعن أبي مسروق قال : قلت لأبي عبدالله (ع) : إنَّا نُكلم الناس فنحتج عليهم. فقال لي : ( إذا كان ذلك فادعهم إلى المباهلة
. قلت: فكيف أصنع؟.قال : أصلح نفسك ثلاثاً.وأظنه قال : وصم واغتسل،وابرز أنت وهو إلى الجُبَّان (الجبان
بالضم والتشديد : الصحراء)،فشْبك أصابعك من يدك اليمنى في أصابعه،ثم أنصفه وابدأ بنفسك،وقل : ( اللهم رب
السماوات السبع ورب الأرضين السبع،عالم الغيب والشهادة الرحمان الرحيم،إن كان أبو مسروق جحد حقاً وادَّعى باطلاً
فأنزل عليه حُسباناً من السماء أو عذاباً أليماً،ثم رُد الدعوة عليه فقل : وإن كان فلان جحد حقاً أو ادَّعى باطلاً فأنزل
عليه حُسباناً (الحُسبان بالضم : العذاب والبلاء) من السماء أو عذاباً أليماً،ثم قال لي : فإنك لا تلبث أن ترى ذلك فيه،
فوالله ما وجدت خلقاً يجيبني إليه ) .. وفي حديث اخر قال (ع) : ( تشبك أصابعك في أصابعه،ثم تقول : اللهم إن
كان فلان جحد حقاً وأقرَّ بباطل فأصِبه بحُسبان من السماء أو بعذاب من عندك،وتلاعنه سبعين مرة )
يقول احد الموالين : حينما تشرَّفت بحج بيت الله الحرام وزيارة قبر الرسول الأكرم (ص) كانت معي خارطة قديمة
بالمعالم التاريخية للمدينة المنورة،وفيها مُثبَّت (مسجد المباهلة)،والخارطة الرسمية الحديثة تُسَميه مسجد الإجابة
أو (مسجد بني معاوية)،وهو يقع في شارع الستين (شارع الملك فيصل) شمالي البقيع،وفي هذا المكان حضر
رسول الله (ص) وصحِبَ معه أمير المؤمنين وابنته فاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام ) ليتباهل مع نصارى نجران .
وتفصيل حديث المباهلة كما ذكره السيد ابن طاووس في أواخر كتابه الإقبال وغيره من المؤرخين : أنه لما انتشرالإسلامُ
بعد فتح النبي (ص) لمكة المكرمة،وما وَلِيَه من الغَزَوات،وقََوِيَ سلطانُه،ودانَت أكثرية القبائل العربية بل وغيرهم
،أرسل رسلاً وكتب كُتباً إلى الأمم ودعاهم إلى الإسلام،حيث كاتب كسرى وقيصر يدعوهما إلى الإسلام وإلا أقرَّا بالجزية
والصَغَار،فكبر شأنه وعظُم قدره،وَوفدَ الى النبي (ص) الوفود ،فمنهم مَن أسلمَ ومنهم مَن استأمَنَ ليعوُدَ إلى قومه برأيه
عليه السلام فيهم،وممن كاتبهم كان (أبي حارثة) أسقف نَجران دعا فيه أهالي نَجران إلى الإسلام،ونجران منطقة بين
مكّة واليمن ،وكان اكثر اهلها نصارى،وكانوا أعظم قوم من النصارى قولاً في عيسى بن مريم (ع)،ومن جملة من أرسلهم
إلى نصارى نجران،أرسل إليهم عتبة بن غزوان،وعبد الله بن أبي أميّة،والهدير بن عبد الله وصهيب بن سنان،
يدعوهم إلى الإسلام فإن أجابوا فإخوان وإن أبَوا واستكبروا فإلى الحَطَّة المخزية إلى أداء الجزية عن يدٍ،فإن رغبوا
عمّا دعاهم إليه من أحد المنزلتين وعَنَدوا،فقد آذنهم على سواء،وكان في كتابه (ص) : قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ
إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ
فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ .. وكان رسول الله (ص) لا يقاتل قوماً حتى يدعوهم إلى الإسلام .
أهلاً بخيـــر نبيٍ شـــــرَّف العرَبـــا
من فيه ليـــل الأســـى عنَّا قد احتجبا
إنســان عين الورى نبراس سؤددهِ
فخــــر الحيــاة الذي نلنا به الإِرَبــــا
ســـــادَ الأنـــامَ جميعـاً في شريعتهِ
مــــذ كـــوّنَ الدين والأخـلاق والأدبا
والعُـــربَ فيه قد اعتزَّت كرامَتَـــهم
والمجــــدَ قد هــــامَ في أخلاقِهِ عجَبا
والأرض قد فاخَرَت نجمَ السماء به
وبلبــــل الروض قد غنَّــــى بهِ طرَبا
جئناكَ يا ســيدي والقلـــــب منكسرٌ
والدمع فاض على الرمضاءَ مُنسكبا
فاحنُن علينا وجنِّبنا الرَدى كرَماً
وعُــد لنا مجدَنا السامي الذي ذهبا
صلى عليك إلهَ العرشِ ما طلعت
شمس النهارِ وما بدرُ الدُجى غَرَبا
ولما وصل كتاب رسول الله (ص) الى الأسقف قرأه بعناية ودقة متناهية فأصابه الذعر الشديد،إذ كانوا على علم بأمر
النبي (ص)،وقد كبر شأنه عندهم وامتلأت قلوبهم بالرعب منه بعد عزة دينه واعتزازه به،وقيل ان الاسقف ارسل على رجل اسمه
(شُرحبَيل بن وداعة)،فاستشاره في ذلك.فقال له : قد علمت ما وعد الله تعالى إبراهيم في ذرية إسماعيل من النبوة،
فما يؤمَن أن يكون هذا الرجل نبيّاً،وليس لي في النبوة رأي،لو كان أمراً من اُمور الدنيا أشرت عليك فيه وجهدت لك.
فبعث الأسقف إلى أهل نجران فكلمهم،فازدادوا لورود رسل نبيّ الله (ص) وكتابه هورَاً واقتراحاً،ففزعوا إلى بيعتهم
العظمى،وأسرعت إليهم القبائل مـن مذحج،وعك،وحِميَر وأنمار ومن دنا منهم نسباً وداراً من قبائل سبأ وكلَّهم قد ورَمَ
أنفهم غضباً لقومهم،فشكّلوا مجموعة للمشاورة وتداول الأمر لاتخاذ القرار،وتكونت مجموعة المشاورة من الشخصيات
البارزة الدينية وغير الدينية.
فبعد اجتماعهم وتشاورهم والأخذ والرد وانقسامهم إلى مؤيد للحرب بل والإصرار عليها وبين معارض ومحذر من وخامتها
،وقد قام كل فريق يخطب بخطب رنَّانة تؤيد رأيه في الحرب أو السلم والمناقشة.وقيل ان أسقفهم الأوّل وصاحب مدارسهم
وعلاّمهم،أبو حامد
حصين بن علقمة وهو من بنى بكربن وائل،كان رجلاً موحداً يؤمن بالمسيح وبالبنى عليهما السلام ويكتم ذلك من
كفرة قومه واصحابه،وكانت فيه بقية وله رأى وروِّية،فلما رأى مذاكراتهم في المسير إلى يثرب لمشاجرتهم رسول
الله و اطلاق الحرب عليه،دعا بعصابة فرفع بها حاجبيه عن عينيه،وقد بلغ يومئذ عشرين ومائة سنة، ثم قام فيهم
خطيبا معتمدا على عصى،فوعظهم ونصحهم ووصّاهم بالتَمثُّل والتأنّي،واغتاظ من وعظه كرز بن سبرة الحارثي
وهو يومئذ زعيم بني الحارث
بن كعب وفي بيته شرفهم والمعصّب فيهم وأمير حروبهم،وردّ على أبي حامد قوله،وردّه السيّد وهو من عظماء القوم،كذلك
العاقب واسمه عبدالمسيح بن شرحبيل،وهو يومئذ عميد القوم وامير رأيهم وصاحب مشورتهم،الذى لا يصدرون جميعا
الا عن قوله وأجابوا أبو حامد،فطال التشاجر بينهم،حتى آل الأمر في تعيّن تطبيق أوصاف النبي (ص) مع الذي
أخبرت به الأنبياء إلى إحضار الجامعة،فأحضروها ووجدوا ما ذكر أبو حامد من المطابقة صحيحاً وأنّه هو الذي أخبرت
به الأنبياء في كتبهم،فاضطرب حال السيّد والعاقب،والتجآ إلى المسير إلى المدينة لمشاهدة صفات النبي (ص) والتطبيق
بمن بشّر به الأنبياء،وهكذا استقر الرأي بعد مناقشة طويلة ومساجلة عريضة على أن يبعثوا وفداً من رهبانهم وأساقفهم
وكبار الشخصيات عندهم إلى المدينة للتباحث مع رسول الله (ص)،ودراسة دلائل نبوته،فكان في الوفد أربعة عشر راكباً من
نصارى نجران وسبعين رجلاً من أشراف بني الحرث بن كعب وسادتهم،و على رأسهم ثلاثة أشخاص من أكابرهم هم
(ابو حارثة أسقف نجران الأعظم) و (العاقب) وهو صاحب مشورتهم،و(الأيهَم) وهو من ذوي السن ومن
الشخصيات المحترمة عندهم .كما قيل انه اجتمع رأي النصارى على إرسال شرحبَيل
وابنه عبد الله، وحبَّار بن قنص .. فسار الوفد ولمّا دنوا من المدينة أحبّ السيِّد والعاقب أن يباهيا المسلمين
وأهل المدينة بأصحابهما وبمن حفّ من بني الحارث معهما قالوا : لو كففتم صدور ركابكم،مسستم الأرض فألقيتم
عنكم تفثكم وثياب سفركم،وشننتم عليكم باقي مياهكم كان ذلك أمثل.فانحدر القوم عن الركاب فأماطوا من أنفسهم
شعثهم،وألقوا عنهم ثياب بذلَتهم،ولبسوا ثياب صونهم من الأنجُمِيّات والحرير والحَبر،وذرَّوا المسك في لُممَهم
ومفَارِقَهم،ثمّ ركبوا الخيل واعترضوا بالرماح على مناسج خيلهم،وأقبلوا يسيرون جماعة واحدة .
فقَدِموا المدينةَ وقت صلاة العصر،وعليهم لباسَ الديباج والصُلُب،فصار إليهم اليهود ،وتساءلوا بينهم فقالت النصارى لهم :
لستُم على شيء،وقالت لهم اليهود : لستم على شيء ، وفي ذلك أنزل الله سبحانه : وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارئ
عَلى شيَء وَقَالَتِ النَّصَارى لَيْسَتِ الْيَهوُدُ عَلى شَيء.. إلى آخر الأية .
فلمّا صلّى النبي (ص) العصرَتوجّهوا إليه يَقْدُمًهم الأسقُف،حتّى دخلوا على رسول الله (ص) في مسجده وهم يلبسون
أزياءهم الكنسية،ويرتدون الديباج والحرير،ويلبسون خواتيم الذهب،ويحملون الصُّلبان في أعناقهم،فأزعج منظرهم
هذا وخاصة في المسجد رسول الله (ص)،فشعروا بانزعاج النبي لكنهم لم يعرفوا سبب ذلك،فسألوا عثمان بن عفان
وعبد الرحمن بن عوف وكانت بينهم صداقة قديمة،فقال الرجلان لعلي بن أبي طالب (ع) : ما ترى يا أبا الحسن في
هؤلاء القوم ؟.قال (ع) : أرى أن يضعوا حللهم هذه وخواتيمهم،ثم يعودون إليه.ففعلوا ذلك ثم دخلوا على النبي (ص)
فحيَّوه فرد عليهم التحية،واحترمهم وقبِل بعض هداياهم التي أهدوها إليه،ثم إن الوفد قبل أن يبدءوا مفاوضاتهم مع النبي
(ص) قالوا : إن وقت صلاتهم قد حان،واستأذنوه في أدائها، وحانت صلاتهم فقاموا يصلّون إلى المشرق فأراد الناس
أن ينهوهم عن ذلك،فكفّهم رسول الله (ص) عن ذلك وقال للمسلمين : دعوهم .فاستقبلوا المشرق،فصلوا صلاتهم.
ثمّ أمهلهم وأمهلوه ثلاثاً فلم يدعُهُم ولم يسألوه وهم يراقبون هَديَ رسول الله (ص) وأخلاقه،ويطبّقون الصفات الموجودة
عندهم من الكتب القديمة على هذا النبي المبعوث فرأوها .
روحي الفداءُ لمن أخلاقـــــه نطقت
في مدحها الكُتْبُ والمسطور في القلمِ
هذا المديــــح وذا الثناء لأحمـــــــدٍ
مـــــن ربـه فا طــــــرب له وترنَّـــــمِ
وقلِ السلام عليك يا خـــــير الورى
أغنـــــاك ربـــك عن مديـــحِ العالــــمِ
وحباك ما ترضى بسورةِ والضحى
أكْــــــــــــرِمْ بوعــــــدٍ مُبـرَمٍ ومعظَّـمِ
صــــلى عليـــك الله ما فلكٌ جـــرى
وِفــــق الأوامــــــِرِ في نظــــامٍ مُحكَمِ
وبعد ان مضى على وفد النصارى ثلاثة أيام دعاهم رسول الله (ص) إلى
الإسلام،فدار بينهم وبين النبي نقاش طويل لم يزدهم إلا كِبراً وعِناداً على ضلالهم،ومما جاء فيه أن النبي (ص) قال
للسيد والعاقب : أسلما.فقالا : قد أسلمنا قبلك.فقال (ص) : منعكما من الإسلام دعاؤكما لله ولداً وعبادتكما الصليب
وأكلكما الخنزير.فقالوا : يا أبا القاسم ما أخبرَتنا كتُب الله عزّ وجلّ بشيء من صفة النبيّ المبعوث من بعد الروح
عيسى (ع) إلا وقد تعرّفناه إلا خلّة واحدة،هي أعظم الخلال آية ومنزلةً،وأجلاها أمارةً.قال (ص) : وما هي ؟.قالوا
: يامحمد ماتقول في السيد المسيح ؟، فإنّا نجد في الانجيل من صفة النبيّ الغابر من بعد المسيح (ع) أنّه يصدّق به
ويؤمن به وأنت تسبّه وتكذِّب به،وتزعم أنّه عبد .فقال النبي (ص) : لا بل أُصدّق به وأُؤمن به،أشهد أنّه النبيّ
المرسل عن ربّه عزّ وجلّ،وأنّه عبد لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضرّاً ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً .قالوا : وهل يستطيع
العبد أن يفعل ما كان يفعل ؟ ،هل جاءت الأنبياء بما جاء به من القدرة القاهرة ؟ ،ألم يكن يحيي الموتى ويبرئ الأكمه
والأبرص،وينبّئهم بما يكنّون في صدورهم ويدّخرون في بيوتهم،فهل يستطيع هذا إلا الله عزّ وجلّ أو ابن الله ؟ .
وقالوا في الغلوّ فيه وأكثروا،تعالى الله عن ذلك .فقال (ص) : قد كان عيسى أخي كما قلتم يحيي الموتى ويبرئ الأكمه
والأبرص ويخبر قومه بما في نفوسهم وبما يدّخرون في بيوتهم،وكلّ ذلك بإذن الله عزّ وجلّ،وهو لله عبد وذلك عليه غير
عار وهو منه غير مستنكف،فقد كان لحماً ودماً وشَعراً وعظماً وعصَباً وأمشاجاً،يأكل الطعام ويظمأ وينصب بأدبه،وربّه
الأحد الحقّ الذي ليس كمثله شيء وليس له ندٌّ .فقال الأسْقف : أتَعْرِفُ له - يا محمّد - أباً وَلَده ؟ .فقال النبي (ص) :
لم يَكُنْ عن نكاح فيكونُ له والد .قال : فكيف قلت : إِنَّه عبد مخلوق،وأنت لم تَرَ عبداً مخلوقاً إلاّ عن نكاح وله والد،
فأرِنا مثله جاء من غير فحل ولا أب ؟.
قال (ص) : هذا آدم أعجب منه خَلقاً جاء من غير أب ولا أمّ،وليس شيء بأهون على الله عزّ وجلّ في قدرته من شيء
وأصعب،إنَّما أمرُهُ إذا أرادَ شيئًا أن يقولَ لَهُ كُنْ فَيَكون وتلا عليهم .إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ
قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ . فقالوا : ما نزداد منك في أمر صاحبنا إلا تبايناً،وهذا الأمر الذي لا نُقِرُّه لك،هلمّ فلنلاعنك أيّنا أولى
بالحقّ،فنجعل لعنة الله على الكاذبين،فإنّها مُثلة وآية معجّلة .. فأنزل الله عزّ وجلّ آية المباهلة على رسول الله (ص) فَمَنْ
حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل
لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ .
فتلا عليهم رسول الله (ص) ما نزل عليه في ذلك من القرآن،فقال : إنّ الله أمرني أن أصير إلى ملتمَسكم،وأمرني
بمباهلتكم إن أقمتم وأصررتم على قولكم .وقال : إنّ الله عزًّ اسمه أخبَرَني أنّ العذابَ يَنْزِلُ على المُبْطِل عقيبَ المباهلة
،ويُبَينِّ الحقَّ من الباطل بذلك. فاجتمع الأسْقُف مع عبد المسيح والعاقب على المشورة،فاتّفق رأيُهم على استنظاره
إلى صَبيحةِ غدٍ من يومهم ذلك،وقالوا : وذلك آية ما بيننا وبينك إذا كان غداً باهلناك .. واتفق الطرفان على أن يقوما
بالمباهلة في اليوم اللاحق في خارج المدينة في الصحراء،ثم قاموا وأصحابهم من النصارى معهم فلما بعدوا وقد كانوا
أنزلوا بالحرَّة أقبل بعضهم على بعض فقال لهم الأسْقُف : قد جاءكم هذا بالفصل من أمركم وأمره،فانظروا أوّلاً بمن
يباهلكم ؟ أبكافّة أتباعه ؟ أم بأهل الكتَابة من أصحابه ؟ أو بذوي التخشُّع والتمَسكُن والصَفوة ديناً،وهم القليل منهم
عدداً،فإن جاءكم بالكثرة وذوي الشدّة منهم فإنّما جاءكم مباهياً كما يصنع الملوك،فالفلج إذاً لكم دونه،وإن أتاكم بنفرٍ
قليل ذوي تخشّع،فهذه سجيّة الأنبياء وصفوَتهم وموضع بَهلَتَهم،فإيّاكم والإقدام إذاً على مباهلتهم،فهذه لكم أمارة،وانظروا
حينئذٍ ما تصنعون بينكم وبينه ؟ فقد أعذر من أنذر. او قال [ انْظُروا محمّداً في غَدٍ،فان غَدا بولده واهله فاحذَروا
مباهلته،وإن غدا باصحابه فباهلوه،فإنّه على غير شيء ] .
قف عند قبر التهامي والثُم الجَدَثا
وانشَـــق عبيـــرَ الهُدى ممن به مكَثا
واجثُ احتراماً بداعِ الوجدِ مُدَّكِــراً
فجــر النبــوة وامـــدح خير من بُعـثا
محمدٌ سيـــد الأكــــوان قاطبــــــة
إذ مجــــده كابراً عن كـــــابرٍ ورَثــــا
ما أنجب الدهرُ ذا خَـــلقٍ وذا خُلُقٍ
في الفضـــلِ يشبهُه مذ جاءنا حدثـــا
ما زال بالعُــــــربِ إرشاداً يُهذبُهم
حتى جنى ثمـــراً من بعد ما حـــــرَثا
فاقتــــادَهم حِمَماً يرمي بهم أُممَــاً
في الشرقِ والغربِ حتى طهَّر الخُبثا
ذلَّـــت لعزَّتِهِم شُــــمَّ الأنوفِ كمــا
دالــــت بدولَتِــــِهِم أمجــــادُ من مكثَا
وأمر (ص) بشجرتين فقصدتا وكُسِحَ ما بينهما،وأُمهِل حتّى إذا كان من الغد أمر بكساء أسود رقيق فنُشر على الشجرتين
،فلمّا أبصر السيّد والعاقب ذلك خرجا بولديهما صبغَة المحسن،وعبد المنعم،وسارة ومريم ،وخرج معهم نصارى
نجران وركب فرسان بني الحارث في أحسن هيئة .
وأقبل الناس من أهل المدينة والمهاجرين والأنصار وغيرهم من الناس في قبائلهم وشعارهم من راياتهم وألويتهم
وأحسن أثارتهم وهيئتهم لينظروا مايكون من الأمر .. في حين قصد رسول الله (ص) دار بضعته الزهراء حيث اجتمع
باهل بيته حتى ارتفع النهار،وفي ذلك رواية ترويها سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء سلام الله عليها،
ألستَ ترى جبريـــــل وهــــو مقرّبٌ
له في العلـى من راحة القصد موقفُ
يقول لهم أهل العبــــــا أنا منــــــكم
فمـن مثل أهل البيت إن كنت تنصِفُ
نعم آل طاها خير من وطـئ الحصى
وأكـــرم أبصارٍ على الأرض تطرُفُُ
هم الكلمـــــات الطيّبــــات التي بها
يُتابُ على الخاطـي فيحبــــَا ويُزلَفُ
هم البركــــات النازلات على الورى
تعـــمُّ جميـــع المؤمنيـــــن وتكنـُفُ
هم الباقيات الصالحـــات بذكــــرها
لذاكرهــــا خير الثــــواب المضعَّفُ
هم الصــلوات الزاكيــــات عليهم
يدل المنـــادي بالصـــــلاة ويعكُــفُ
هم الحـــرَم المأمــــون آمن أهلُه
وأعـــــداؤه مـن حولــه تتخطـّــــَفُ
هم الوجه وجه الله والجنب جنبُهُ
وهم فلكُ نـــوح خـاب عنه المخلَّف
هم البـــاب باب الله والحبل حبلهُُ
وعروته الوثقـــى تواري وتكنـــَفُ
وأسمائه الحسنى التي من دعـــا
بها أُجيب فمـا للناس عنهـا تَحرَّفُ
وخرج (ص) بعد هذا بأهل بيته وعليه مرط من شعر أسود،وكان احتضن الحسين (ع) وأخذ بيد الحسن (ع)،وفاطمة (ع)
تمشي خلفه وعلي (ع) يمشي خلفها،وهو يقول (ص) : إذا دعوت فأمّنوا.ثمّ أقبل بهم حتّى أتى الشجرتين فوقف بينهما
من تحت الكساء على مثل الهيئة التي خرج بها،وجلس معهم واضعاً الحسين (ع) في حجره وثلاثة الأنوار تحوطه .
لكــم في مغنَــمِ المجد الصفَايا
وفصــلُ الحكمِ في كلِّ القضايا
وأصــــلُكُمُ زكَـــا بين البرايــا
أبوكـــُم خير من ركب المطايا
وأمكُـــم المطهَّرة البتول فاطمُ
قلبـــي بكــم يا آل طــــه مغرمُ
وبحبــــكم أنا ذائـــب ومتيــــّمُ
ولأجلكــــم بين الأنـــامِ اكـــرَّمُ
فإذا وقفــــت بمدحِكـــــم أترنَّمُ
صـــلى الجميع عليكم وسلمـوا
فالله حين برى الأنـــامَ وصوَّرا
أشباحُكم وبها الوجـــــودَ تنوَّرا
ولفضلِكُم جبريل صــــاح مُخَبِرا
أخذت مواثيقَ الولاء من الورى
لمحمدٍ وهو الحبيـــبُ الأعظــــمُ
إذ قــــــــال بارينا ألســت بربِّكُم
ومحمـــدٌ خيــــر الأنــــام نبيُّـكُم
وعلـــيّ بالإيمـــانِ صار أميرِكُم
قلنــــا بلى شَهِدت جوارِحنا بِكُم
حــــــباً كمـــا أَولـــــى بذلك آدمُ
ثم أرسل (ص) الى النصارى يدعوهم إلى ما دعاهم إليه من المباهلة،فخرجوا يقدمهم
أسقفهم أبو حارثة،فعندما شاهد وفد نجران أن النبي (ص) قد إصطحب أعز الخلق إليه و هم علي بن أبي طالب و ابنته
فاطمة و الحسن و الحسين (ع)،و قد جثا الرسول (ص) على ركبتيه استعدادا للمباهلة،انبهر الوفد بمعنويات الرسول
(ص) وأهل بيته و بما حباهم الله تعالى من جلاله و عظمته،وتجلت أمام أعينهم أنوارهم الباهرة وقداستهم الظاهرة،
ورأوا منهم الصدق،وشاهدوا إمارات العذاب،فأقبلا السيّد والعاقب الى النبي (ص) فقالا : بمن تباهلنا يا أبا القاسم ؟
قال (ص) : بخير أهل الأرض وأكرمهم على الله وأشار إلى علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام.قالا : فما نراك جئت
لمباهلتنا بالكبير ولا من الكثير،ولا أهل الشارَة ممّن نرى ممّن آمن بك واتّبعك،وما نرى ههنا معك إلا هذا الشاب
والمرأة والصبيّين فبهؤلاء تباهلنا ؟. قال : نعم بهؤلاء أُمرت ـ والذي بعثني بالحقّ ـ أن أُباهلكم .اصفرّت حينئذ
ألوانهما وكرّا وعادا إلى أصحابهما .
فلمّا رأى أصحابهما ما بهما وما داخلهما قالوا : ما خطبكما فتماسكا .وخلا بعضهم الى بعض. فقال الأسقف :
إني لأرى و جوها لوسألوا الله أن يزيل جبلاً لأزاله بها،فلا تباهلوا،فلا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم
القيامة .وقالوا : أنهم لو قدموا علينا وقاموا بلعننا لإنَّا هالكون لامحالة فليسرع واحد منكم اليهم ويتقدم بالصلح
ويرضوا بالجزية قبل أن يقدموا على ماعزمنا عليه فيفنونا جميعاً . واستعلم الاسقف عن اهل بيت النبي (ص) فقيل
له : هذا ابنُ عمّه عليّ بن أبي طالب وهو صِهره وأبو ولده وأحبُّ الخلق إليه،وهذان الطفلان ابنا بنته من عليِّ
وهما من أحبِّ الخلق إليه،وهذه الجاريةُ بنتُه فاطمة أعزُّ الناس عليه وَأقربُهم إلى قلبه. فنَظَر الأسْقُف إلى العاقب
والسيِّد وقال لهم : انظُروا إليه قد جاء بخاصّته من ولده وأهله ليُباهِلَ بهم واثقاً بحقّه،والله ما جاء
بهم وهو يتخوّف الحجةَ عليه،فاحذَروا مباهلته،والله لولا مكانُ قَيْصَر لأسلمت له،ولكن صالحوه على ما يتفق
بينكم وبينه،وارْجِعُوا إلى بلادكم وارتَؤُوا لأنفسكم .. وأقبل عليهم شابٌّ كان من خيارهم قد أوتي فيهم علماً ،فقال
: ويحكم لا تفعلوا واذكروا ما عثرتم عليه في الجامعة من صفته فوالله إنّكم لتعلمون حقّ العلم أنّه الصادق،وإنّما
عهدَكم بإخوانكم حَديث قد مُسخوا قردة وخنازير،فعلموا أنّه نصَح لهم فأمسِكوا . قيل وكان للمنذر بن علقمة أخي
أُسقفهم حظٌّ من العلم فهم يعرفونه بذلك،فلمّا رأى المنذر انتشار أمر القوم وتردّدهم في رأيهم،أخذ بيد السيّد والعاقب
وقال : خلوني وهذَين .فاعتزل بهما ثمّ أقبل عليهما فقال : إنّ الرائد لا يكذِّب أهله،وأنا لكما جدُّ شفيق ،فإن نظرتما
لأنفسكما نجيتما وإن تركتما ذلك هلَكتما وأهلَكتما .قالا : أنت الناصح جيباً،المأمون عيباً،فهات .قال : أتعلمان
أنّه ما باهل قوم قطّ نبيّاً إلا كان مهلكهم كلمح البصر،وقد علمتما وكلُّ ذي أرب من ورثة الكتب معكما أنّ محمّداً أبا
القاسم صلى الله عليه وآله وسلم هذا هو الذي بشّرت به الأنبياء،وأُخرى أنذِركُما بها فلا تَغشَّوا عنها. قالا : وما هي
؟. قال : انظرا إلى النجم قد استطلع على الأرض،وإلى خشوع الشجر،وتساقط الطير بإزائكما لوجوههما،قد نشرت
على الأرض أجنحتها،وفات ما في حواصلها،وما عليها لله عزّ وجلّ من تَبِعَة،ليس ذلك إلا لما قد أظلّ من العذاب،
وانظرا إلى اقشعرار الجبال،وإلى الدخان المنتشر،وقزع السحاب هذا ،ونحن في حمارّة القيظ وإبّان الهجير،
وانظرا إلى محمد (ص) رافعاً يده والأربعة من أهله معه إنّما ينتظر ما تجيبان به،ثمّ اعلموا أنّه إن نطق بكلمة من
مباهلته،لم نتدارك هلاكاً،ولم نرجع إلى أهلٍ ولا مال. فنَظرا فأبصرا أمراً عظيماً،فأيقنا أنّه الحقٌّ من الله عزّ
وجلّ،فتزلزلت أقدامهما وكادت أن تطيش عقولهما،واستشعرا أنّ العذاب واقع بهما،فلمّا رأى المنذر ما قد لقيا
من الخيفة، قال لهما : إنّكما إن أسلمتما له سلِمتُما في عاجلِه وآجلِه،وإن آثرتُما دينَكُما وغضَارة أيكَتُكُما،وشحَحتُما
بمَنزلتكما من الشَرَف في قومكما فلست أحجُر عليكُما الضنين بما نلتما من ذلك،ولكنكما بدءتُما محمّداً (ص) بتَطَلُّب
المباهلة،وجعلتُماها حِجاراً وآيةً بينكما وبينه،شخَصتُما من نجران،فأسرع محمّد (ص) إلى بُغيتِكُما،والأنبياء إذا
أظهَرت بأمرٍ لم ترجع إلا بقضائه وفِعله،فإن نكَلتُما عن ذلك،وأذهَلَتكُما مخافَة ما ترون،فالحظُّ في النّكول لكما،فالوحا
يا إخوتي الوحا،صالِحا محمّد (ص) وارضياه ولا تَرجِيا ذلك،فإنّكما وأنا معكما بمنزلة قوم يونس لمّا غَشِيَّهم العذاب ..
فلما رجع القوم الى العاقب و كان ذا رأيهم وقالوا : ما ترى ؟. قال : والله لقد عرفتم أن محمداً نبي
مرسل و لقد جاءكم بالفصل من أمر صاحبكم،والله ما باهَل قومٌ نبيًّا قط فعاش كبيرهم و لا نبت صغيرهم ،فإن أبيتم
إلا إلْفَ دينكم فوادعوا الرجل و انصرفوا إلى بلادكم .ثم نظر السيد والعاقب للمنذر فقالا له : كُن أنت الذي تتلقى
محمّداً (ص) بكفالة ما يبتغيه لدينا،والتمس لنا ابن عمّه إليه،ليكون هو المُبرِم لأمر بيننا وبينه،فإنّه ذو الوجه والزعيم
عنده،ولا تُبطِئَنّ لنطمئنّ بما ترجع إلينا به .فانطلق المنذر إلى النبي (ص) فقال : السلام عليك يا رسول الله أشهد أن
لا إله إلا الله الذي ابتعثك وأنّك وعيسى عبدان لله عزّ وجلّ مرسلان،يا ابا القاسم إنّا لا نُباهِلك ولكنّا نصالِحُك،
فصالحنا على ما نَنْهَضُ به. فقال (ص) : فإذا أبيتم المباهلة فأسلموا،يكن لكم ماللمسلمين وعليكم ما على المسلمين.
فأبَوا. فقال (ص) : فإٍني اُناجِزُكم القتال. فقالوا : مالنا بحرب العرب طاقة،ولكن نصالحك على أن لا تغزونا ولا تردَّنا
عن ديننا،وإنَّا نعطيك ما سألتنا فابعث معنا رجلاً أميناً،ولا تبعث معنا إلا أميناً.
فأرسل رسول الله (ص) عليّاً (ع) لمصالحة القوم،فقال عليٌّ (ع) : بأبي أنت وأمّي يا رسول الله على ما أُصالحهم
؟ .فقال له (ص) : رأيك يا أبا الحسن فيما تُبرِم معهم رأيي. فصار إليهم وصالحهم على ألفي حلّة خرجاً في كلّ عام،يؤدّيان
شطراً من ذلك في المحرّم وشطراً في رجب،ثم عاد علي (ع) بالسيِّد والعاقب إلى رسول الله (ص) ذليلَين صاغرَين،
وأخبره بما صالحهما عليه،وأقرَّا له بالخَراج والصَغَار، فقال رسول الله (ص) : قد قبلت ذلك منكم أمّا أنّكم لو باهلتموني
تحت الكساء لأضرم الله عليكم الوادي ناراً تأجّج،ثمّ لساقها إلى من ورائكم في أسرع من طرفة عين فحرقهم تأجّجاً.
.فصالحهم النبيُ (ص) على ألفَيْ حُلّة من حُلَل الأواقي قيمةَ كلّ حُلةٍ أربعون درهماً جياداً،فما زاد أو نقص كان بحساب
ذلك،وكتب لهم النبي (ص) كتاباً بما صالحهم عليه،وكان الكتاب :
( بسم الله الَّرحمن الَّرحيم هذا كتابٌ من محمّدٍ النبي رسولِ الله لنَجْران وحاشيتها،في كلّ صَفراء وبَيضاء وثَمرَةٍ ورقيقٍ
،لا يُؤْخَذُ منه شيءّ منهم غيرُ ألْفَيْ حُلّةٍ من حُلَلَِ الأواقِي ثمنُ كلّ حُلّةٍ أربعون درهماً،فما زاد أو نقص فعلى حساب ذلك،
يُؤَدّون ألفاً منها في صَفَرٍ ،وألفاً منها في رجب،وعليهم أربعون ديناراً مثواةَ رسولي ممّا فوقَ ذلك،وعليهم في كلّ
حَدَثٍ يكون باليمن من كلّ ذي عَدْنٍ عاريةٌ مضمونةٌ ثلاثون دِرعاً وثلاثون فرساً وثلاثون جَمَلاً عاريةٌ مضمونةٌ،لهم بذلك
جوارُ الله وذمّةُ (محمّد بن عبدالله )،فمن أكل الرِبا منهم بعد عامهم هذا فذمّتي منه بريئة ). وأخذ القومُ الكتابَ وانصرفوا .
يقول الأستاذ الشيخ عيسى سلمان :
سلامٌ في الصباحِ وفي العشيِّ
علـــى خير الورى طــه النبيِّ
على المبـعوثِ من ربِّ البرايا
النبـــيِّ الهاشمـــيِّ اليعربــيِّ
صــــلاةُ الله ما هبَّــتْ نسيـــــمٌ
عليــــــه ورحمة اللهِ العلــــيِّ
صـــــلاةُ الله خالقنــــا غـــيوثٌ
علــــى جـــدثٍ بأكنـــافِ الغريِّ
علــــى الإيمانِ في كلِّ المعـاني
الإمــــامِ الهاشمــــيِّ الأبطـحيِّ
على المولودِ في الحرم المزكّى
تحــــفُّ به ملائكــــةُ العلــــــيِّ
علـــــى من حبُّــــهُ دينٌ وفرضٌ
علي المرتضى الهادي الوصيِّ
أبي السبطيـنِ يعسوبِ المعالي
وبـــــاب مدينــــة العلمِ البـهيِّ
إمامِ المتقيــــنَ ومن تصــــدّى
لإفنــــاء الطغــــاةِ بنـــي البغيِّ
إلى الكــــرّارِ في الهيــجا عليِّ
وأشجــــــعِ بل وأعلــــمِ آدمـيِّ
ومن لاقـــت به الزهــراءُ كفؤاً
وأكـــرمْ بابنِ فاطـــمَ من كفــيِّ
لخيـــرِ الخلــــقِ طرّاً بعد طـــه
بديــعِ الشــــعر منـــي والرويِّ
ولائــي صــــادقٌ ثَبْتٌ مكـــــينٌ
إلى الكــــرار في الهيجـــا علـيِّ
ســـــلامُ الله وقْفــــاً كـلَّ حيــــنٍ
علـــى السبطـــينِ سبطيِّ النبيِّ
الإمــــامِ المجتــبى لِـدَةِ المعالي
وثاني دوحــــة المجــــد الزكيِّ
على الفادي الحسين سلام ربّي
شهيـــدِ الحــقِّ شهــمٍ حيــدريِّ
أبــيِّ الضيـــمِ لم يخضـــع لــذلٍّ
فدتـــهُ النفــسُ من سمـحٍ أبـيِّ
علــيٌّ السجـــادِ أتقى خلقِ ربي
ســـلامٌ كالصَّبــا الزاكـــي النديِّ
سلامــاً باقـــرَ العلـــمِ المرجّــى
ســـلاماً صـــادقَ الوعدِ السنيِّ
ســـلاماً كـــــاظمَ الغيظِ المصفّى
عليــــكَ وألـــفُ زلفــى للرضيِّ
سلامـــــاً يا إمــــامي يا جـــوادٌ
علـــــيكَ يحــــفُّ بالهـادي عليِّ
سلامـــــاً خالصــــاً يزجيه ربِّي
علـــــى الطهر الإمامِ العسكريِّ
على المـــــهديِّ قائـــــمِ آلِ طــه
ســـلامُ الله ذي اللطــــفِ الخفيِّ
على الطــــهرِ البتولِ صلاةُ ربِّي
على الزهـــــراءِ فاطمـــةِ النبيِّ
بـآلِ المصــطفى أزكـــو وأسمــو
بهم شبعي وإخصـــــابي وريِّي
لهم تعنو على الدهـــــر القوافي
ويشرقُ سَمتـها في كلّ حَـــــيِّ
بحبّــهمُ تمـــورُ الأرضُ خصبــاً
وتــــروى بالحيـا الودقِ الأتـيِّ
فطوبـــى للألــى والَــوا عليّــــَاً
وأعلـــوا رايــــةَ النهجِ السويِّ
علـــى المختــارِ من ربِّ البرايا
صلاةٌ في الصباحِ وفي العـشيِّ
قال (ص) : لقد أتاني البشير بهلكة أهل نجران حتى الطير على الشجر لو تمُّوا على الملاعنة،والذي نفسي بيده،
إنّ الهلاك قد تدلّى على أهل نجران،ولو لاعَنوا لمُسِخوا قردة وخنازير،ولاضطرم عليهم الوادي ناراً،ولاستأصل الله
نجران وأهله حتى الطير على رؤوس الشجر،ولما حال الحول على النصارى كلهم حتى يهلكوا .ولمّا رجع النبي (ص)
بأهله،وصار إلى المسجد هبط إليه الامين جبرئيل فقال : يا محمد إنّ الله عزّ وجلّ يقرئك السلام ويقول لك :
إنّ عبدي موسى باهَل عدوّه قارون بأخيه فخُسِف بقارون وأهله وماله ومن آزره من قومه،وبعزّتي وجلالي أُقسم يا أحمد
لو باهلْت بك وبمن تحت الكساء من أهلك لهلك أهل الأرض والخلائق جميعاً،ولتقطَّعت السماء كسَفاً ،والجبال زُبَراً
،فلم تستقرّ أبداً،إلا إن شاء ذلك . فسجد النبي (ص) ووضع على الأرض وجهه ثمّ رفع يديه حتّى تبيّن للناس عفرة
إبطيه فقال : شكراً للمعم ثلاثاً .فسُئِل عن السجدة وعن تباشير السرور في وجهه فقال : شكراً لله عزّ وجلّ لما أبلاني
من الكرامة في أهل بيتي ثمّ حدّثهم بما جاء به جبرئيل عليه السلام .
بـــآلِ محمـــدٍ أُروى وأُسقـى
مَعيناً مَنْ بهم طابَ الشرابُ
همُ الخيرُ العميمُ وهم أصولٌ
لكـــــلِّ هدايةٍ وهمُ الصوابُ
وهـــــم آياتُ حقٍّ قد تجلــّتْ
بدائعُـــــهُ وغيرُهمُ ســـرابُ
كـــــرامُ المُنَتمى لكــريمِ جـدٍّ
وخــــيرِ أبـوّةٍ فهمُ الرضابُ
علقـــتُ بحبلـهمْ عبداً مجيباً
ومعتصماً كما جاءَ الخطابُ
ورحـــتُ على ولائهمُ مقيماً
ومــن والاهـــمُ فهوَ المثابُ
عجبتُ لمن تولّى عن هداهم
أبعدَ الحـــقِّ ناصعِهِ ارتيابُ
أبعدَ النــــورِ ثاقبــــِهِ ظــلامٌ
أبعــــدَ الدينِ والتقوى ذهابُ
تخبّــــطَ بالمسـيرِ هناكَ قومٌ
وناموا بالجهالــةِ واستعابوا
فنارُ جحـــيمِ آلِ البيتِ دارٌ
لمثلهمُ وفي الدنيا حسابُ
****
24 ذو الحجة
.
.
يقولون لي لا تحـبُ الوصيَّ
فقلـــــت الثرى بفم الكــــاذبِ
أحــــب النبيَّ وآل النبـــــــيِّ
واختـــــص آل أبي طالـــــــبِ
وأعطي الصحابة حـق الولاء
وأجري على السنن الواجــبِ
وإن كان رفضاً ولاءَ الوصيِّ
فلا ترض بالرفض من جانبي
وإن كان نصباً ولاء الجميـــع
فإني كمــــا زعمـــوا ناصبـي
ولو كنتمُ من ولاء الوصـــــيِّ
على العجزِ كنتُ على الغـاربِ
يرى الله ســــرِّي إذا لم تَــروه
فكـــم تحكمــونَ على غـــائبِ
حينما نتحدث عن أهل بيت رسول الله (ص) إنما نتحدث عن أناس خصهم الله تعالى وزادهم تشريفاً وتعظيماً وتقديماً
وتعليماً بانتسابهم لرسول الله (ص) ،ولحملهم رسالة الإسلام بعد رسوله .
مناقبهمُ كالشهبِ والتُربِ والحصى
وإضعافها ألفاً وألفاً بلا حصرِ
فلبيت رسول الله (ص) مناقب لاتحصى وفضائل لاتستقصى ،فهاهو القرآن الكريم يقول في حقهم على لسان رسوله
حيث قال تعالى : ( قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) .والقرآن حافل بهذه المعاني وهذه الدلالات منها قول
الله تعالى : ( إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُم ْتَطْهِيراً ) .
فأي منزلة هذه وأي مكانة التي تمتع بها بيت آل النبي (ص)،كيف لا وهم مهبط الوحي،واستقرار الرسالة،كل هذه المعاني
تدفعنا إلى أن نحب هؤلاء،ونقرأ سيرتهم،لنزداد تواصلاً وتقرباً إلى أهل بيت رسول الله (ص)،ولكي نعكس حياتهم على
حياتنا حتى نفوز بالدارين .
وإن اعتقادنا بالنبي وآله المعصومين صلاة الله وسلامه عليهم أجمعين،اعتقاد ولاية ودين وإمامة،وأن لهم علينا حق
الطاعة في جميع ما يصدر منهم من أمر ونهي،كأنها نص في القرآن أو مسموع من الله تعالى بوحي،وفي الحقيقة هم
الرابطة والواسطة بيننا وبين الله تعالى لمعرفة تعاليمه وما أوجب علينا من أحكامه.بل والأكثر إن اعتقادنا بأن لمحمد
وآله المعصومين لهم علينا حق الولاية على الأنفس والمال والأعراض،ويجب علينا طاعتهم في كل شيء ولا يحق
لنا رد شيء من أحكمهم،إلا أن يكون الإنسان يريد أن لا يطيع الله تعالى،ويريد أن يتمرَّد على أمر الله تعالى ونهيه
ويصر على دخول النار ولا تقبل له توبة،وأنهم هم المبينين الحقيقيين لأحكام الله تعالى،وهم المختارون من قبل الله
تعالى لتعليم الناس حقيقة دينه وتعاليمه،دون غيرهم من الناس والأئمة الآخرين .فلابد أن يكون لمثل هؤلاء القادة الذين
أعدهم واختارهم واصطفاهم الله تعالى لبيان تعاليمه وأحكامه مقام محمود عنده تعالى،ولهم من المناقب والمواصفات
والفضائل والكرامات من عند الله عزّ وجلّ فوق وصف البشر وفوق تقييم العقل الإنساني،كيف لا وقد جاء أن المؤمن
الحقيقي لا يمكن أن يوصف فكيف يمكن أن يوصف أئمته وسادته ومن لهم حق الطاعة عليه وأولى به من نفسه .. فعن
زرارة،عن أبي جعفر (ع) قال : سمعته يقول : ( إن الله عز وجل لا يوصف وكيف يوصف وقال في كتابه :
وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ .فلا يوصف بقدر إلا كان أعظم من ذلك،وإن النبي (ص) لا يوصف وكيف يوصف عبد
احتجب الله عز وجل بسبع وجعل طاعته في الأرض كطاعته في السماء. فقال : وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ
عَنْهُ فَانتَهُوا . ومن أطاع هذا فقد أطاعني ومن عصاه فقد عصاني،وفوَّض إليه .و إنّا ( يعني هم آل النبي وآهل بيته
المعصومين ) لا نوصف وكيف يوصف قوم رفع الله عنهم الرجس وهو الشك،والمؤمن لا يوصف وإن المؤمن ليلقى
أخاه فيصافحه فلا يزال الله ينظر إليهما والذنوب تتحات عن وجوههما كما يتحات الورق عن الشجر ).
ولكن مع ذلك كله توجد أوصاف ظاهرية،وسيرة عمليه،ومناقب وحوادث واقعة في حياة محمد وآله المعصومين الذين
هم أئمة الدين الحقيقيين،وقد ذكرها القرآن المجيد أو جاءت على لسان النبي الكريم تحكي عن بعض ما لمحمد وآله
صلوات الله عليهم أجمعين من المناقب والكرامات عند الله .ويكفيك أن ترجع للقرآن الكريم فترى الكثير من الايات
الكريمة التي تدل على ما لآل محمد صلاة الله عليهم أجمعين من الكرامات والمناقب والمقام المحمود عند الله تعالى،
كأية المباهلة التي نزههم الله تعالى فيها من الكذب حيث طلب المباهلة بهم،وأختارهم الله لبيان أن هؤلاء هم الذين
أختارهم لإتمام حجته وصدق دعوة نبيه،وعلَّم الناس صدقهم وطهارتهم وجعل لعنته على من يكذبهم .
اليوم الرابع والعشرون من شهر ذي الحجة
حديث المباهلة
إذا في مجلسٍ ذكروا عليــــاً
وسبطَيــــهِ وفاطمـةَ الـزّكيّةِ
فأجرى بعضَهم ذكرَ ســواهم
فأيـــــــقِنْ أنّـــه سلَقلَقيّـــــِة
إذا ذكــــروا عليــــاً وبنيـــه
تشـــاغَلْ بالروايـــاتِ العليِّةِ
وقال تجاوزوا يا قوم هـــــذا
فهـــذا من حديثِ الرافضـيةِ
برئتُ إلى المهيمنِ من أناسٍ
يرون الرفض حبَّ الفاطمية
على آل الرسولِ صـلاةَ ربي
ولعنتـــهُ لتلكَ الجـــــــاهلية
نقل العلامة المجلسي (قُدِّس سره) في بحار الأنوار أنه قال المأمون (لع) يوماً للرضا (ع) : أخبرني بأكبر فضيلة لأمـير
المؤمنين (ع) يدل عليها القرآن .فقال له الرضا (ع) : فضيلة في المباهلة،قال اللّه تعالى : فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ .. الآية،
فدعا رسول اللّه (ص) الحسن والحسين (عليهما السلام ) فكانا ابنيه،ودعا فاطمة (سلام الله عليها ) فكانت في هذا
الموضع نساؤه،ودعا أمير المؤمنين (ع) فكان نفسه بحكم اللّه عزّ وجلّ،فـقـد ثـبت أنه ليس أحد من خلق اللّه تعالى
أجلَّ من رسول اللّه (ص) وأفضل،فوجب أن لا يكون أحد أفضل من نفس رسول اللّه (ص) بحكم اللّه تعالى .فقال له
المأمون (لع) : أفلا جاز أن يذكر الدعا لمن هو نفسه،ويكون المراد نفسه في الحقيقة دون غيره فلا يكون لأمير المؤمنين
(ع ) ما ذكرت من الفضل ؟.قال (ع) : ليس يصح ما ذكرت،وذلك أن الداعي إنما يكون داعياً لغيره،كما أن
الآمر آمر لغيره،لم يدع رسول اللّه (ص) رجلاً في المباهلة إلاّ أمير المؤمنين (ع) فقد ثبت أنه نفسه التي عناها
اللّه سبحانه في كتابه وجعل حكمة ذلك في تنزيله ).فقال المأمون (لع) : يا أبا الحسن إذا اصيب الصواب،انقطع الجواب .
قال أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب (ع) لأحدهم : ( لقد عَلِمَ المستحفظون من أصحاب النبيّ محمّد (ص) أنّه ليس فيهم
رجلٌ له منقَبة إلّا وقد شركتُه فيها وفُضلته،ولي سبعون منقبة لم يشركني فيها أحدٌ منهم.قلت : يا أميرالمؤمنين،فأخبرني بهنّ.
فقال (ع) :إنّ أوّل منقبة لي : أنّي لم اُشرك باللَّه طرفة عين،ولم أعبد اللات والعزّى.إلى أن قال : وأمّا الرابعة والثلاثون :
فإنّ النصارى ادَّعوا أمراً،فأنزل اللَّه عزّوجلّ فيه : فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ
وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَاذِبِينَ، فكانت نفسي نفس رسول اللَّه (ص)،والنساء
فاطمة (ع)،والأبناء الحسن والحسين،ثمّ ندم القوم،فسألوا رسول اللَّه (ص) الإعفاء فأعفاهم،والذي أنزل التوراة على موسى
والفرقان على محمّد (ص) لو باهلونا لمُسخوا قردة وخنازير ).
وخلاصة القول ان ايام شهر ذي الحجة الحرام تعد من الايام الشريفة الزاخرة بمفاخرهم ومناقبهم وفضائلهم المباركة صلوات
الله وسلامه عليهم،ونخص بالذكر هنا أمير المؤمنين (ع) إذ أن اغلب هذه المناقب تفيض من منبعه الغزير .
تفرَّقت في الأنبيـــــــاءِ البررة
فضــائلٌ تجمَّعت في حيدره
ومحكم الذكـــــــــرِ بهذا شاهد
ينقـــله والسنــــة المطهرة
قد استوى الولـــيَّ والعدوَّ في
أوصـافهِ فجلَّ مولى صوَّره
أنظر إلى الدين تجــــــد لواءَه
هــو الذي من طيَّه قد نشره
وأنظر إلى الكفر تجــد عموده
هـــو الذي بذي الفقارِ بتَره
سلْ عنه عمراً من برَى وريده
ومَرحبـاً من بالترابِ عفَّره
واستخبر الجيشَ غـــداة خيبرٍ
مـــــن الـــــذي إلى اليـــــهودِ عبَره
هو المرادُ بالرضا من ربــــهِ
من دون من بــــــايَع تحتَ الشجره
شاهــــــد ثباتَهُ وفـــــــــــرَّهمُ
يــــوم حنيــــــنٍ والمنــايا مُحضره
وشاهـــــــدٌ آخـــــر فتحَ خيبرٍ
فهـــــــو له فضـــــيلةً منــــحَصِره
أثابــــــهُ الله بــــه لصــــــدقهِ
والصـــــدقُ لا بد لــــــه من ثمــرَه
وكـــــــــم له من آيـــــــةٍ بينةٍ
في الدينِ أضحت في الملا منتشره
لا يستطيعُ حصرها الخلق ولو
أفنـــــى بصــــدقِ الجِـــدِ كلَّ عُُمُرَه
وقــــــد أراد اللهُ أن يُظـــــهِرَهُ
فهـــــل يطيقُ أحـــدٍ أن يَستُرَه ؟ !
فاستمسكنَّ بحيــــــدرِ فإنـــــه
للعـــُروةِ الوثقـتـى ومولــى البرره
وأبشر بجامٍ مُترَعٍ تُروى بـــه
مـــــــن كفِّــــه إذا وَردتَ كوثــــره
تباً لقــــــومٍ صيَّــــــروهُ تـــــارةً
في ستــــــةٍ وتارةً في عشَرَه
ما قدَّروا الرحمنَ حـــــقَّ قــــَدرِهِ
إذ وازنـــــوا حجَّتَهُ بالفَـــجَره
يا غيرةَ الرحمـــــنِ هل لحيـــــدرٍ
من مُشبـهٍ لمُنصِفٍ قد أبصَرَه
كلا ولكــــــن كان ذا من عُصبَــةٍ
قد عَمِـيَت عن رُشدِها فلم تَرَه
هل أحدَثَ الوصيَّ من ذنبٍ سِوى
أن قد أطــــاع اللهَ في ما أمرَه
ستعلمــــــون في غــــــدٍ إذا رأى
الإنســــــانُ ما قدَّمهُ وأخّــــَرَه
وفضائل أمير المؤمنين علي (ع) ومناقبه وصفاته التي تميّز بها أكثر وَ أعظم من أن تُحصى أو أن يُدرك كُنهها،فهي قد
ولِدَت معه ورافقته من ولادته في جوف الكعبة وهي أعظم بيت من بيوت الله سبحانه وتعالى،حتى استشهاده في محراب
صلاته في بيت آخر من بيوت الله في مسجد الكوفة .. قال رسول الله (ص) ) : ( إنّ الله جلّ جلاله جعل لأخي عليّ بن أبي
طالب فضائل لا تُحصى كثرة،فمن ذكر فضيلة من فضائله مُقّراً بها غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر،ومن كتب فضيلة
من فضائله لم تزل الملائكة تستغفر له ما بقي لتلك الكتابة رسم،ومن أصغى إلى فضيلة من فضائله غفر الله له الذنوب التي
اكتسبها بالإستماع،ومن نظر إلى كتاب في فضائل عليّ غفر الله له الذنوب التي إكتسبها بالنظر.ثم قال : النظر إلى عليّ بن
أبي طالب عبادة،وذكره عبادة،ولا يقبل الله إيمان عبد من عباده كلّهم إلاّ بولايته والبراءة من أعدائه ) .
وعن ابن عباس (رض) قال : قال رسول الله (ص) : ( لو أن الغياض أقلام،والبحر مداد،والجن حسَّاب،والإنس كتَّاب
ما أحصوا فضائل علي بن أبي طالب عليه السلام ).
وقد ثبت لأمير المؤمنين في اليوم الرابع والعشرون من شهر ذي الحجة ثلاث فضائل أقرَّتها ثلاث آيات من القرآن الكريم
،تأكد أحقيِّته بالولاية وأنه أعظم الخلق بعد رسول الله (ص)،وهي آية المباهلة وآية التطهير وآية الولاية .
يقول الشاعر صفي الدين الحلِّي :
جُمعت في صفاتك ألاضــــداد
فلهــــــذا قلَّـــــت لك الأندادُ
زاهدٌ حاكمٌ حليمٌ شجـــــــــاعٌ
ناســــكٌ فاتكٌ فقـــــيرٌ جوادُ
خلقٌ يُشبه النسيمَ من اللطفِ
وبــــأسٌ يذوبُ منهُ الجِــلادُ
شيمُ ما جُمِعنَ في بشـــرٍ قطٌ
ولا حــــــازَ مثلَهُنَّ العبــــادُ
فلـــــهذا تعمقت فيك أقـــــوام
بأقوالــــــهم فزانــو وزادوا
وعلَــت في صفـــــاتِ فضلك
يـس و طه واّل يسٍ و صادُ
ظهرَت منك للورى معجـزات
فأقـــــرَّت بفضلك الحســـــــــادُ
إن يكذِّب بها عِـــــــداكَ فقــد
كـــــذَّب من قبلِ قومُ لوطٍ وعادُ
أنت سرُّ النبي و الصنو وابن
العمِّ و الصهر و ألاخ المستجادُ
لو رأى مثلك النبــــــي لاّخَاهُ
وإلا فـــــــأخطــــــأَ الانتقــــــادُ
جــــلَّ معنــــــاكَ أن يُحيطَ به
الشـعرُ و يُحصي صفاتكَ النقادُ
فيوم المباهلة والتصدق بالخاتم من المناسبات الدينية التى يجب علينا كشيعة موالية إحيائها لعظمة شأنها عند الله وأهل
بيت الرحمة عليهم السلام،فهو من أفضل الأيام في شهر ذو الحجة وبه فضائل كثيرة ينبغي ان لا تفوتنا بركتها وثوابها،
فحادثة المباهلة وهي على الأشهر في اليوم الرابع والعشرين وقيل الخامس والعشرون من شهر ذي الحجة سنة عشرة
هجرية تُعَد فتح كبير بعد فتح مكة المكرمة،إذ بها اصبح الإسلام هو المسيطر على العالم بل وهو القائد وبقية الأمم مقودة
إليه واعتز المسلمون بعز الإسلام،فهو بمثابة عيدٍ للمسلمين،يفتخرون به كإحدى مناسبات النصر المعنويّ والرِّسالي،
وكأحد المواقع التي ظهر فيها الحقّ جليِّاً ومؤيِّداً للدين الإسلاميّ الحنيف،ولم تَخلُ المناسبة من دلائل صدق وإشارات
حقّ إلى فضائل محمّد وآل محمّد صلوات الله وسلامه عليهم،فقد اجمع علماء المسلمين على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم
أن رسول الله (ص) لم يخرج في وقت المباهلة بأحد غير هؤلاء الأربعة : علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام .
مما يؤكد على ان آية المباهلة نزلت في الخمسة وهم محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام .فلولا فضل الله
وكرامة هؤلاء الخمسة لكان النصر والغلبة للدين النصراني على الدين الاسلامي .
والمباهلة تعني الملاعنة،و قوله عَزَّ وجَلَّ نَبْتَهِلْ في الاية الكريمة أي نلتعن،أي الدعاء بإنزال اللعنة والدمار والهلاك
على الكاذب من المتلاعنَين،واللعن يعني الطرد والبعد عن رحمة الله،فعندما تلعن شخصاً،أي تطلب من الله سبحانه
وتعالى أن لا يرحمه و أن يكون أبغض الخلائق إليه،ولااشقى للعبد من ان تزول عنه رحمة الله ويكِل أمره الى نفسه،
والبَهلةُ مشروعة لإحقاق الحق و إزهاق الباطل،و إلزام الحجة من أعرض عن الحق بعد قيامها عليه،والأصل في
مشروعيتها آية المباهلة،اما عن وقتها وصفتها ..
فعن أبي جعفر (ع) قال: ( الساعة التي تباهل فيها ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس )
وعن أبي مسروق قال : قلت لأبي عبدالله (ع) : إنَّا نُكلم الناس فنحتج عليهم. فقال لي : ( إذا كان ذلك فادعهم إلى المباهلة
. قلت: فكيف أصنع؟.قال : أصلح نفسك ثلاثاً.وأظنه قال : وصم واغتسل،وابرز أنت وهو إلى الجُبَّان (الجبان
بالضم والتشديد : الصحراء)،فشْبك أصابعك من يدك اليمنى في أصابعه،ثم أنصفه وابدأ بنفسك،وقل : ( اللهم رب
السماوات السبع ورب الأرضين السبع،عالم الغيب والشهادة الرحمان الرحيم،إن كان أبو مسروق جحد حقاً وادَّعى باطلاً
فأنزل عليه حُسباناً من السماء أو عذاباً أليماً،ثم رُد الدعوة عليه فقل : وإن كان فلان جحد حقاً أو ادَّعى باطلاً فأنزل
عليه حُسباناً (الحُسبان بالضم : العذاب والبلاء) من السماء أو عذاباً أليماً،ثم قال لي : فإنك لا تلبث أن ترى ذلك فيه،
فوالله ما وجدت خلقاً يجيبني إليه ) .. وفي حديث اخر قال (ع) : ( تشبك أصابعك في أصابعه،ثم تقول : اللهم إن
كان فلان جحد حقاً وأقرَّ بباطل فأصِبه بحُسبان من السماء أو بعذاب من عندك،وتلاعنه سبعين مرة )
يقول احد الموالين : حينما تشرَّفت بحج بيت الله الحرام وزيارة قبر الرسول الأكرم (ص) كانت معي خارطة قديمة
بالمعالم التاريخية للمدينة المنورة،وفيها مُثبَّت (مسجد المباهلة)،والخارطة الرسمية الحديثة تُسَميه مسجد الإجابة
أو (مسجد بني معاوية)،وهو يقع في شارع الستين (شارع الملك فيصل) شمالي البقيع،وفي هذا المكان حضر
رسول الله (ص) وصحِبَ معه أمير المؤمنين وابنته فاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام ) ليتباهل مع نصارى نجران .
وتفصيل حديث المباهلة كما ذكره السيد ابن طاووس في أواخر كتابه الإقبال وغيره من المؤرخين : أنه لما انتشرالإسلامُ
بعد فتح النبي (ص) لمكة المكرمة،وما وَلِيَه من الغَزَوات،وقََوِيَ سلطانُه،ودانَت أكثرية القبائل العربية بل وغيرهم
،أرسل رسلاً وكتب كُتباً إلى الأمم ودعاهم إلى الإسلام،حيث كاتب كسرى وقيصر يدعوهما إلى الإسلام وإلا أقرَّا بالجزية
والصَغَار،فكبر شأنه وعظُم قدره،وَوفدَ الى النبي (ص) الوفود ،فمنهم مَن أسلمَ ومنهم مَن استأمَنَ ليعوُدَ إلى قومه برأيه
عليه السلام فيهم،وممن كاتبهم كان (أبي حارثة) أسقف نَجران دعا فيه أهالي نَجران إلى الإسلام،ونجران منطقة بين
مكّة واليمن ،وكان اكثر اهلها نصارى،وكانوا أعظم قوم من النصارى قولاً في عيسى بن مريم (ع)،ومن جملة من أرسلهم
إلى نصارى نجران،أرسل إليهم عتبة بن غزوان،وعبد الله بن أبي أميّة،والهدير بن عبد الله وصهيب بن سنان،
يدعوهم إلى الإسلام فإن أجابوا فإخوان وإن أبَوا واستكبروا فإلى الحَطَّة المخزية إلى أداء الجزية عن يدٍ،فإن رغبوا
عمّا دعاهم إليه من أحد المنزلتين وعَنَدوا،فقد آذنهم على سواء،وكان في كتابه (ص) : قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ
إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ
فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ .. وكان رسول الله (ص) لا يقاتل قوماً حتى يدعوهم إلى الإسلام .
أهلاً بخيـــر نبيٍ شـــــرَّف العرَبـــا
من فيه ليـــل الأســـى عنَّا قد احتجبا
إنســان عين الورى نبراس سؤددهِ
فخــــر الحيــاة الذي نلنا به الإِرَبــــا
ســـــادَ الأنـــامَ جميعـاً في شريعتهِ
مــــذ كـــوّنَ الدين والأخـلاق والأدبا
والعُـــربَ فيه قد اعتزَّت كرامَتَـــهم
والمجــــدَ قد هــــامَ في أخلاقِهِ عجَبا
والأرض قد فاخَرَت نجمَ السماء به
وبلبــــل الروض قد غنَّــــى بهِ طرَبا
جئناكَ يا ســيدي والقلـــــب منكسرٌ
والدمع فاض على الرمضاءَ مُنسكبا
فاحنُن علينا وجنِّبنا الرَدى كرَماً
وعُــد لنا مجدَنا السامي الذي ذهبا
صلى عليك إلهَ العرشِ ما طلعت
شمس النهارِ وما بدرُ الدُجى غَرَبا
ولما وصل كتاب رسول الله (ص) الى الأسقف قرأه بعناية ودقة متناهية فأصابه الذعر الشديد،إذ كانوا على علم بأمر
النبي (ص)،وقد كبر شأنه عندهم وامتلأت قلوبهم بالرعب منه بعد عزة دينه واعتزازه به،وقيل ان الاسقف ارسل على رجل اسمه
(شُرحبَيل بن وداعة)،فاستشاره في ذلك.فقال له : قد علمت ما وعد الله تعالى إبراهيم في ذرية إسماعيل من النبوة،
فما يؤمَن أن يكون هذا الرجل نبيّاً،وليس لي في النبوة رأي،لو كان أمراً من اُمور الدنيا أشرت عليك فيه وجهدت لك.
فبعث الأسقف إلى أهل نجران فكلمهم،فازدادوا لورود رسل نبيّ الله (ص) وكتابه هورَاً واقتراحاً،ففزعوا إلى بيعتهم
العظمى،وأسرعت إليهم القبائل مـن مذحج،وعك،وحِميَر وأنمار ومن دنا منهم نسباً وداراً من قبائل سبأ وكلَّهم قد ورَمَ
أنفهم غضباً لقومهم،فشكّلوا مجموعة للمشاورة وتداول الأمر لاتخاذ القرار،وتكونت مجموعة المشاورة من الشخصيات
البارزة الدينية وغير الدينية.
فبعد اجتماعهم وتشاورهم والأخذ والرد وانقسامهم إلى مؤيد للحرب بل والإصرار عليها وبين معارض ومحذر من وخامتها
،وقد قام كل فريق يخطب بخطب رنَّانة تؤيد رأيه في الحرب أو السلم والمناقشة.وقيل ان أسقفهم الأوّل وصاحب مدارسهم
وعلاّمهم،أبو حامد
حصين بن علقمة وهو من بنى بكربن وائل،كان رجلاً موحداً يؤمن بالمسيح وبالبنى عليهما السلام ويكتم ذلك من
كفرة قومه واصحابه،وكانت فيه بقية وله رأى وروِّية،فلما رأى مذاكراتهم في المسير إلى يثرب لمشاجرتهم رسول
الله و اطلاق الحرب عليه،دعا بعصابة فرفع بها حاجبيه عن عينيه،وقد بلغ يومئذ عشرين ومائة سنة، ثم قام فيهم
خطيبا معتمدا على عصى،فوعظهم ونصحهم ووصّاهم بالتَمثُّل والتأنّي،واغتاظ من وعظه كرز بن سبرة الحارثي
وهو يومئذ زعيم بني الحارث
بن كعب وفي بيته شرفهم والمعصّب فيهم وأمير حروبهم،وردّ على أبي حامد قوله،وردّه السيّد وهو من عظماء القوم،كذلك
العاقب واسمه عبدالمسيح بن شرحبيل،وهو يومئذ عميد القوم وامير رأيهم وصاحب مشورتهم،الذى لا يصدرون جميعا
الا عن قوله وأجابوا أبو حامد،فطال التشاجر بينهم،حتى آل الأمر في تعيّن تطبيق أوصاف النبي (ص) مع الذي
أخبرت به الأنبياء إلى إحضار الجامعة،فأحضروها ووجدوا ما ذكر أبو حامد من المطابقة صحيحاً وأنّه هو الذي أخبرت
به الأنبياء في كتبهم،فاضطرب حال السيّد والعاقب،والتجآ إلى المسير إلى المدينة لمشاهدة صفات النبي (ص) والتطبيق
بمن بشّر به الأنبياء،وهكذا استقر الرأي بعد مناقشة طويلة ومساجلة عريضة على أن يبعثوا وفداً من رهبانهم وأساقفهم
وكبار الشخصيات عندهم إلى المدينة للتباحث مع رسول الله (ص)،ودراسة دلائل نبوته،فكان في الوفد أربعة عشر راكباً من
نصارى نجران وسبعين رجلاً من أشراف بني الحرث بن كعب وسادتهم،و على رأسهم ثلاثة أشخاص من أكابرهم هم
(ابو حارثة أسقف نجران الأعظم) و (العاقب) وهو صاحب مشورتهم،و(الأيهَم) وهو من ذوي السن ومن
الشخصيات المحترمة عندهم .كما قيل انه اجتمع رأي النصارى على إرسال شرحبَيل
وابنه عبد الله، وحبَّار بن قنص .. فسار الوفد ولمّا دنوا من المدينة أحبّ السيِّد والعاقب أن يباهيا المسلمين
وأهل المدينة بأصحابهما وبمن حفّ من بني الحارث معهما قالوا : لو كففتم صدور ركابكم،مسستم الأرض فألقيتم
عنكم تفثكم وثياب سفركم،وشننتم عليكم باقي مياهكم كان ذلك أمثل.فانحدر القوم عن الركاب فأماطوا من أنفسهم
شعثهم،وألقوا عنهم ثياب بذلَتهم،ولبسوا ثياب صونهم من الأنجُمِيّات والحرير والحَبر،وذرَّوا المسك في لُممَهم
ومفَارِقَهم،ثمّ ركبوا الخيل واعترضوا بالرماح على مناسج خيلهم،وأقبلوا يسيرون جماعة واحدة .
فقَدِموا المدينةَ وقت صلاة العصر،وعليهم لباسَ الديباج والصُلُب،فصار إليهم اليهود ،وتساءلوا بينهم فقالت النصارى لهم :
لستُم على شيء،وقالت لهم اليهود : لستم على شيء ، وفي ذلك أنزل الله سبحانه : وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارئ
عَلى شيَء وَقَالَتِ النَّصَارى لَيْسَتِ الْيَهوُدُ عَلى شَيء.. إلى آخر الأية .
فلمّا صلّى النبي (ص) العصرَتوجّهوا إليه يَقْدُمًهم الأسقُف،حتّى دخلوا على رسول الله (ص) في مسجده وهم يلبسون
أزياءهم الكنسية،ويرتدون الديباج والحرير،ويلبسون خواتيم الذهب،ويحملون الصُّلبان في أعناقهم،فأزعج منظرهم
هذا وخاصة في المسجد رسول الله (ص)،فشعروا بانزعاج النبي لكنهم لم يعرفوا سبب ذلك،فسألوا عثمان بن عفان
وعبد الرحمن بن عوف وكانت بينهم صداقة قديمة،فقال الرجلان لعلي بن أبي طالب (ع) : ما ترى يا أبا الحسن في
هؤلاء القوم ؟.قال (ع) : أرى أن يضعوا حللهم هذه وخواتيمهم،ثم يعودون إليه.ففعلوا ذلك ثم دخلوا على النبي (ص)
فحيَّوه فرد عليهم التحية،واحترمهم وقبِل بعض هداياهم التي أهدوها إليه،ثم إن الوفد قبل أن يبدءوا مفاوضاتهم مع النبي
(ص) قالوا : إن وقت صلاتهم قد حان،واستأذنوه في أدائها، وحانت صلاتهم فقاموا يصلّون إلى المشرق فأراد الناس
أن ينهوهم عن ذلك،فكفّهم رسول الله (ص) عن ذلك وقال للمسلمين : دعوهم .فاستقبلوا المشرق،فصلوا صلاتهم.
ثمّ أمهلهم وأمهلوه ثلاثاً فلم يدعُهُم ولم يسألوه وهم يراقبون هَديَ رسول الله (ص) وأخلاقه،ويطبّقون الصفات الموجودة
عندهم من الكتب القديمة على هذا النبي المبعوث فرأوها .
روحي الفداءُ لمن أخلاقـــــه نطقت
في مدحها الكُتْبُ والمسطور في القلمِ
هذا المديــــح وذا الثناء لأحمـــــــدٍ
مـــــن ربـه فا طــــــرب له وترنَّـــــمِ
وقلِ السلام عليك يا خـــــير الورى
أغنـــــاك ربـــك عن مديـــحِ العالــــمِ
وحباك ما ترضى بسورةِ والضحى
أكْــــــــــــرِمْ بوعــــــدٍ مُبـرَمٍ ومعظَّـمِ
صــــلى عليـــك الله ما فلكٌ جـــرى
وِفــــق الأوامــــــِرِ في نظــــامٍ مُحكَمِ
وبعد ان مضى على وفد النصارى ثلاثة أيام دعاهم رسول الله (ص) إلى
الإسلام،فدار بينهم وبين النبي نقاش طويل لم يزدهم إلا كِبراً وعِناداً على ضلالهم،ومما جاء فيه أن النبي (ص) قال
للسيد والعاقب : أسلما.فقالا : قد أسلمنا قبلك.فقال (ص) : منعكما من الإسلام دعاؤكما لله ولداً وعبادتكما الصليب
وأكلكما الخنزير.فقالوا : يا أبا القاسم ما أخبرَتنا كتُب الله عزّ وجلّ بشيء من صفة النبيّ المبعوث من بعد الروح
عيسى (ع) إلا وقد تعرّفناه إلا خلّة واحدة،هي أعظم الخلال آية ومنزلةً،وأجلاها أمارةً.قال (ص) : وما هي ؟.قالوا
: يامحمد ماتقول في السيد المسيح ؟، فإنّا نجد في الانجيل من صفة النبيّ الغابر من بعد المسيح (ع) أنّه يصدّق به
ويؤمن به وأنت تسبّه وتكذِّب به،وتزعم أنّه عبد .فقال النبي (ص) : لا بل أُصدّق به وأُؤمن به،أشهد أنّه النبيّ
المرسل عن ربّه عزّ وجلّ،وأنّه عبد لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضرّاً ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً .قالوا : وهل يستطيع
العبد أن يفعل ما كان يفعل ؟ ،هل جاءت الأنبياء بما جاء به من القدرة القاهرة ؟ ،ألم يكن يحيي الموتى ويبرئ الأكمه
والأبرص،وينبّئهم بما يكنّون في صدورهم ويدّخرون في بيوتهم،فهل يستطيع هذا إلا الله عزّ وجلّ أو ابن الله ؟ .
وقالوا في الغلوّ فيه وأكثروا،تعالى الله عن ذلك .فقال (ص) : قد كان عيسى أخي كما قلتم يحيي الموتى ويبرئ الأكمه
والأبرص ويخبر قومه بما في نفوسهم وبما يدّخرون في بيوتهم،وكلّ ذلك بإذن الله عزّ وجلّ،وهو لله عبد وذلك عليه غير
عار وهو منه غير مستنكف،فقد كان لحماً ودماً وشَعراً وعظماً وعصَباً وأمشاجاً،يأكل الطعام ويظمأ وينصب بأدبه،وربّه
الأحد الحقّ الذي ليس كمثله شيء وليس له ندٌّ .فقال الأسْقف : أتَعْرِفُ له - يا محمّد - أباً وَلَده ؟ .فقال النبي (ص) :
لم يَكُنْ عن نكاح فيكونُ له والد .قال : فكيف قلت : إِنَّه عبد مخلوق،وأنت لم تَرَ عبداً مخلوقاً إلاّ عن نكاح وله والد،
فأرِنا مثله جاء من غير فحل ولا أب ؟.
قال (ص) : هذا آدم أعجب منه خَلقاً جاء من غير أب ولا أمّ،وليس شيء بأهون على الله عزّ وجلّ في قدرته من شيء
وأصعب،إنَّما أمرُهُ إذا أرادَ شيئًا أن يقولَ لَهُ كُنْ فَيَكون وتلا عليهم .إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ
قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ . فقالوا : ما نزداد منك في أمر صاحبنا إلا تبايناً،وهذا الأمر الذي لا نُقِرُّه لك،هلمّ فلنلاعنك أيّنا أولى
بالحقّ،فنجعل لعنة الله على الكاذبين،فإنّها مُثلة وآية معجّلة .. فأنزل الله عزّ وجلّ آية المباهلة على رسول الله (ص) فَمَنْ
حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل
لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ .
فتلا عليهم رسول الله (ص) ما نزل عليه في ذلك من القرآن،فقال : إنّ الله أمرني أن أصير إلى ملتمَسكم،وأمرني
بمباهلتكم إن أقمتم وأصررتم على قولكم .وقال : إنّ الله عزًّ اسمه أخبَرَني أنّ العذابَ يَنْزِلُ على المُبْطِل عقيبَ المباهلة
،ويُبَينِّ الحقَّ من الباطل بذلك. فاجتمع الأسْقُف مع عبد المسيح والعاقب على المشورة،فاتّفق رأيُهم على استنظاره
إلى صَبيحةِ غدٍ من يومهم ذلك،وقالوا : وذلك آية ما بيننا وبينك إذا كان غداً باهلناك .. واتفق الطرفان على أن يقوما
بالمباهلة في اليوم اللاحق في خارج المدينة في الصحراء،ثم قاموا وأصحابهم من النصارى معهم فلما بعدوا وقد كانوا
أنزلوا بالحرَّة أقبل بعضهم على بعض فقال لهم الأسْقُف : قد جاءكم هذا بالفصل من أمركم وأمره،فانظروا أوّلاً بمن
يباهلكم ؟ أبكافّة أتباعه ؟ أم بأهل الكتَابة من أصحابه ؟ أو بذوي التخشُّع والتمَسكُن والصَفوة ديناً،وهم القليل منهم
عدداً،فإن جاءكم بالكثرة وذوي الشدّة منهم فإنّما جاءكم مباهياً كما يصنع الملوك،فالفلج إذاً لكم دونه،وإن أتاكم بنفرٍ
قليل ذوي تخشّع،فهذه سجيّة الأنبياء وصفوَتهم وموضع بَهلَتَهم،فإيّاكم والإقدام إذاً على مباهلتهم،فهذه لكم أمارة،وانظروا
حينئذٍ ما تصنعون بينكم وبينه ؟ فقد أعذر من أنذر. او قال [ انْظُروا محمّداً في غَدٍ،فان غَدا بولده واهله فاحذَروا
مباهلته،وإن غدا باصحابه فباهلوه،فإنّه على غير شيء ] .
قف عند قبر التهامي والثُم الجَدَثا
وانشَـــق عبيـــرَ الهُدى ممن به مكَثا
واجثُ احتراماً بداعِ الوجدِ مُدَّكِــراً
فجــر النبــوة وامـــدح خير من بُعـثا
محمدٌ سيـــد الأكــــوان قاطبــــــة
إذ مجــــده كابراً عن كـــــابرٍ ورَثــــا
ما أنجب الدهرُ ذا خَـــلقٍ وذا خُلُقٍ
في الفضـــلِ يشبهُه مذ جاءنا حدثـــا
ما زال بالعُــــــربِ إرشاداً يُهذبُهم
حتى جنى ثمـــراً من بعد ما حـــــرَثا
فاقتــــادَهم حِمَماً يرمي بهم أُممَــاً
في الشرقِ والغربِ حتى طهَّر الخُبثا
ذلَّـــت لعزَّتِهِم شُــــمَّ الأنوفِ كمــا
دالــــت بدولَتِــــِهِم أمجــــادُ من مكثَا
وأمر (ص) بشجرتين فقصدتا وكُسِحَ ما بينهما،وأُمهِل حتّى إذا كان من الغد أمر بكساء أسود رقيق فنُشر على الشجرتين
،فلمّا أبصر السيّد والعاقب ذلك خرجا بولديهما صبغَة المحسن،وعبد المنعم،وسارة ومريم ،وخرج معهم نصارى
نجران وركب فرسان بني الحارث في أحسن هيئة .
وأقبل الناس من أهل المدينة والمهاجرين والأنصار وغيرهم من الناس في قبائلهم وشعارهم من راياتهم وألويتهم
وأحسن أثارتهم وهيئتهم لينظروا مايكون من الأمر .. في حين قصد رسول الله (ص) دار بضعته الزهراء حيث اجتمع
باهل بيته حتى ارتفع النهار،وفي ذلك رواية ترويها سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء سلام الله عليها،
ألستَ ترى جبريـــــل وهــــو مقرّبٌ
له في العلـى من راحة القصد موقفُ
يقول لهم أهل العبــــــا أنا منــــــكم
فمـن مثل أهل البيت إن كنت تنصِفُ
نعم آل طاها خير من وطـئ الحصى
وأكـــرم أبصارٍ على الأرض تطرُفُُ
هم الكلمـــــات الطيّبــــات التي بها
يُتابُ على الخاطـي فيحبــــَا ويُزلَفُ
هم البركــــات النازلات على الورى
تعـــمُّ جميـــع المؤمنيـــــن وتكنـُفُ
هم الباقيات الصالحـــات بذكــــرها
لذاكرهــــا خير الثــــواب المضعَّفُ
هم الصــلوات الزاكيــــات عليهم
يدل المنـــادي بالصـــــلاة ويعكُــفُ
هم الحـــرَم المأمــــون آمن أهلُه
وأعـــــداؤه مـن حولــه تتخطـّــــَفُ
هم الوجه وجه الله والجنب جنبُهُ
وهم فلكُ نـــوح خـاب عنه المخلَّف
هم البـــاب باب الله والحبل حبلهُُ
وعروته الوثقـــى تواري وتكنـــَفُ
وأسمائه الحسنى التي من دعـــا
بها أُجيب فمـا للناس عنهـا تَحرَّفُ
وخرج (ص) بعد هذا بأهل بيته وعليه مرط من شعر أسود،وكان احتضن الحسين (ع) وأخذ بيد الحسن (ع)،وفاطمة (ع)
تمشي خلفه وعلي (ع) يمشي خلفها،وهو يقول (ص) : إذا دعوت فأمّنوا.ثمّ أقبل بهم حتّى أتى الشجرتين فوقف بينهما
من تحت الكساء على مثل الهيئة التي خرج بها،وجلس معهم واضعاً الحسين (ع) في حجره وثلاثة الأنوار تحوطه .
لكــم في مغنَــمِ المجد الصفَايا
وفصــلُ الحكمِ في كلِّ القضايا
وأصــــلُكُمُ زكَـــا بين البرايــا
أبوكـــُم خير من ركب المطايا
وأمكُـــم المطهَّرة البتول فاطمُ
قلبـــي بكــم يا آل طــــه مغرمُ
وبحبــــكم أنا ذائـــب ومتيــــّمُ
ولأجلكــــم بين الأنـــامِ اكـــرَّمُ
فإذا وقفــــت بمدحِكـــــم أترنَّمُ
صـــلى الجميع عليكم وسلمـوا
فالله حين برى الأنـــامَ وصوَّرا
أشباحُكم وبها الوجـــــودَ تنوَّرا
ولفضلِكُم جبريل صــــاح مُخَبِرا
أخذت مواثيقَ الولاء من الورى
لمحمدٍ وهو الحبيـــبُ الأعظــــمُ
إذ قــــــــال بارينا ألســت بربِّكُم
ومحمـــدٌ خيــــر الأنــــام نبيُّـكُم
وعلـــيّ بالإيمـــانِ صار أميرِكُم
قلنــــا بلى شَهِدت جوارِحنا بِكُم
حــــــباً كمـــا أَولـــــى بذلك آدمُ
ثم أرسل (ص) الى النصارى يدعوهم إلى ما دعاهم إليه من المباهلة،فخرجوا يقدمهم
أسقفهم أبو حارثة،فعندما شاهد وفد نجران أن النبي (ص) قد إصطحب أعز الخلق إليه و هم علي بن أبي طالب و ابنته
فاطمة و الحسن و الحسين (ع)،و قد جثا الرسول (ص) على ركبتيه استعدادا للمباهلة،انبهر الوفد بمعنويات الرسول
(ص) وأهل بيته و بما حباهم الله تعالى من جلاله و عظمته،وتجلت أمام أعينهم أنوارهم الباهرة وقداستهم الظاهرة،
ورأوا منهم الصدق،وشاهدوا إمارات العذاب،فأقبلا السيّد والعاقب الى النبي (ص) فقالا : بمن تباهلنا يا أبا القاسم ؟
قال (ص) : بخير أهل الأرض وأكرمهم على الله وأشار إلى علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام.قالا : فما نراك جئت
لمباهلتنا بالكبير ولا من الكثير،ولا أهل الشارَة ممّن نرى ممّن آمن بك واتّبعك،وما نرى ههنا معك إلا هذا الشاب
والمرأة والصبيّين فبهؤلاء تباهلنا ؟. قال : نعم بهؤلاء أُمرت ـ والذي بعثني بالحقّ ـ أن أُباهلكم .اصفرّت حينئذ
ألوانهما وكرّا وعادا إلى أصحابهما .
فلمّا رأى أصحابهما ما بهما وما داخلهما قالوا : ما خطبكما فتماسكا .وخلا بعضهم الى بعض. فقال الأسقف :
إني لأرى و جوها لوسألوا الله أن يزيل جبلاً لأزاله بها،فلا تباهلوا،فلا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم
القيامة .وقالوا : أنهم لو قدموا علينا وقاموا بلعننا لإنَّا هالكون لامحالة فليسرع واحد منكم اليهم ويتقدم بالصلح
ويرضوا بالجزية قبل أن يقدموا على ماعزمنا عليه فيفنونا جميعاً . واستعلم الاسقف عن اهل بيت النبي (ص) فقيل
له : هذا ابنُ عمّه عليّ بن أبي طالب وهو صِهره وأبو ولده وأحبُّ الخلق إليه،وهذان الطفلان ابنا بنته من عليِّ
وهما من أحبِّ الخلق إليه،وهذه الجاريةُ بنتُه فاطمة أعزُّ الناس عليه وَأقربُهم إلى قلبه. فنَظَر الأسْقُف إلى العاقب
والسيِّد وقال لهم : انظُروا إليه قد جاء بخاصّته من ولده وأهله ليُباهِلَ بهم واثقاً بحقّه،والله ما جاء
بهم وهو يتخوّف الحجةَ عليه،فاحذَروا مباهلته،والله لولا مكانُ قَيْصَر لأسلمت له،ولكن صالحوه على ما يتفق
بينكم وبينه،وارْجِعُوا إلى بلادكم وارتَؤُوا لأنفسكم .. وأقبل عليهم شابٌّ كان من خيارهم قد أوتي فيهم علماً ،فقال
: ويحكم لا تفعلوا واذكروا ما عثرتم عليه في الجامعة من صفته فوالله إنّكم لتعلمون حقّ العلم أنّه الصادق،وإنّما
عهدَكم بإخوانكم حَديث قد مُسخوا قردة وخنازير،فعلموا أنّه نصَح لهم فأمسِكوا . قيل وكان للمنذر بن علقمة أخي
أُسقفهم حظٌّ من العلم فهم يعرفونه بذلك،فلمّا رأى المنذر انتشار أمر القوم وتردّدهم في رأيهم،أخذ بيد السيّد والعاقب
وقال : خلوني وهذَين .فاعتزل بهما ثمّ أقبل عليهما فقال : إنّ الرائد لا يكذِّب أهله،وأنا لكما جدُّ شفيق ،فإن نظرتما
لأنفسكما نجيتما وإن تركتما ذلك هلَكتما وأهلَكتما .قالا : أنت الناصح جيباً،المأمون عيباً،فهات .قال : أتعلمان
أنّه ما باهل قوم قطّ نبيّاً إلا كان مهلكهم كلمح البصر،وقد علمتما وكلُّ ذي أرب من ورثة الكتب معكما أنّ محمّداً أبا
القاسم صلى الله عليه وآله وسلم هذا هو الذي بشّرت به الأنبياء،وأُخرى أنذِركُما بها فلا تَغشَّوا عنها. قالا : وما هي
؟. قال : انظرا إلى النجم قد استطلع على الأرض،وإلى خشوع الشجر،وتساقط الطير بإزائكما لوجوههما،قد نشرت
على الأرض أجنحتها،وفات ما في حواصلها،وما عليها لله عزّ وجلّ من تَبِعَة،ليس ذلك إلا لما قد أظلّ من العذاب،
وانظرا إلى اقشعرار الجبال،وإلى الدخان المنتشر،وقزع السحاب هذا ،ونحن في حمارّة القيظ وإبّان الهجير،
وانظرا إلى محمد (ص) رافعاً يده والأربعة من أهله معه إنّما ينتظر ما تجيبان به،ثمّ اعلموا أنّه إن نطق بكلمة من
مباهلته،لم نتدارك هلاكاً،ولم نرجع إلى أهلٍ ولا مال. فنَظرا فأبصرا أمراً عظيماً،فأيقنا أنّه الحقٌّ من الله عزّ
وجلّ،فتزلزلت أقدامهما وكادت أن تطيش عقولهما،واستشعرا أنّ العذاب واقع بهما،فلمّا رأى المنذر ما قد لقيا
من الخيفة، قال لهما : إنّكما إن أسلمتما له سلِمتُما في عاجلِه وآجلِه،وإن آثرتُما دينَكُما وغضَارة أيكَتُكُما،وشحَحتُما
بمَنزلتكما من الشَرَف في قومكما فلست أحجُر عليكُما الضنين بما نلتما من ذلك،ولكنكما بدءتُما محمّداً (ص) بتَطَلُّب
المباهلة،وجعلتُماها حِجاراً وآيةً بينكما وبينه،شخَصتُما من نجران،فأسرع محمّد (ص) إلى بُغيتِكُما،والأنبياء إذا
أظهَرت بأمرٍ لم ترجع إلا بقضائه وفِعله،فإن نكَلتُما عن ذلك،وأذهَلَتكُما مخافَة ما ترون،فالحظُّ في النّكول لكما،فالوحا
يا إخوتي الوحا،صالِحا محمّد (ص) وارضياه ولا تَرجِيا ذلك،فإنّكما وأنا معكما بمنزلة قوم يونس لمّا غَشِيَّهم العذاب ..
فلما رجع القوم الى العاقب و كان ذا رأيهم وقالوا : ما ترى ؟. قال : والله لقد عرفتم أن محمداً نبي
مرسل و لقد جاءكم بالفصل من أمر صاحبكم،والله ما باهَل قومٌ نبيًّا قط فعاش كبيرهم و لا نبت صغيرهم ،فإن أبيتم
إلا إلْفَ دينكم فوادعوا الرجل و انصرفوا إلى بلادكم .ثم نظر السيد والعاقب للمنذر فقالا له : كُن أنت الذي تتلقى
محمّداً (ص) بكفالة ما يبتغيه لدينا،والتمس لنا ابن عمّه إليه،ليكون هو المُبرِم لأمر بيننا وبينه،فإنّه ذو الوجه والزعيم
عنده،ولا تُبطِئَنّ لنطمئنّ بما ترجع إلينا به .فانطلق المنذر إلى النبي (ص) فقال : السلام عليك يا رسول الله أشهد أن
لا إله إلا الله الذي ابتعثك وأنّك وعيسى عبدان لله عزّ وجلّ مرسلان،يا ابا القاسم إنّا لا نُباهِلك ولكنّا نصالِحُك،
فصالحنا على ما نَنْهَضُ به. فقال (ص) : فإذا أبيتم المباهلة فأسلموا،يكن لكم ماللمسلمين وعليكم ما على المسلمين.
فأبَوا. فقال (ص) : فإٍني اُناجِزُكم القتال. فقالوا : مالنا بحرب العرب طاقة،ولكن نصالحك على أن لا تغزونا ولا تردَّنا
عن ديننا،وإنَّا نعطيك ما سألتنا فابعث معنا رجلاً أميناً،ولا تبعث معنا إلا أميناً.
فأرسل رسول الله (ص) عليّاً (ع) لمصالحة القوم،فقال عليٌّ (ع) : بأبي أنت وأمّي يا رسول الله على ما أُصالحهم
؟ .فقال له (ص) : رأيك يا أبا الحسن فيما تُبرِم معهم رأيي. فصار إليهم وصالحهم على ألفي حلّة خرجاً في كلّ عام،يؤدّيان
شطراً من ذلك في المحرّم وشطراً في رجب،ثم عاد علي (ع) بالسيِّد والعاقب إلى رسول الله (ص) ذليلَين صاغرَين،
وأخبره بما صالحهما عليه،وأقرَّا له بالخَراج والصَغَار، فقال رسول الله (ص) : قد قبلت ذلك منكم أمّا أنّكم لو باهلتموني
تحت الكساء لأضرم الله عليكم الوادي ناراً تأجّج،ثمّ لساقها إلى من ورائكم في أسرع من طرفة عين فحرقهم تأجّجاً.
.فصالحهم النبيُ (ص) على ألفَيْ حُلّة من حُلَل الأواقي قيمةَ كلّ حُلةٍ أربعون درهماً جياداً،فما زاد أو نقص كان بحساب
ذلك،وكتب لهم النبي (ص) كتاباً بما صالحهم عليه،وكان الكتاب :
( بسم الله الَّرحمن الَّرحيم هذا كتابٌ من محمّدٍ النبي رسولِ الله لنَجْران وحاشيتها،في كلّ صَفراء وبَيضاء وثَمرَةٍ ورقيقٍ
،لا يُؤْخَذُ منه شيءّ منهم غيرُ ألْفَيْ حُلّةٍ من حُلَلَِ الأواقِي ثمنُ كلّ حُلّةٍ أربعون درهماً،فما زاد أو نقص فعلى حساب ذلك،
يُؤَدّون ألفاً منها في صَفَرٍ ،وألفاً منها في رجب،وعليهم أربعون ديناراً مثواةَ رسولي ممّا فوقَ ذلك،وعليهم في كلّ
حَدَثٍ يكون باليمن من كلّ ذي عَدْنٍ عاريةٌ مضمونةٌ ثلاثون دِرعاً وثلاثون فرساً وثلاثون جَمَلاً عاريةٌ مضمونةٌ،لهم بذلك
جوارُ الله وذمّةُ (محمّد بن عبدالله )،فمن أكل الرِبا منهم بعد عامهم هذا فذمّتي منه بريئة ). وأخذ القومُ الكتابَ وانصرفوا .
يقول الأستاذ الشيخ عيسى سلمان :
سلامٌ في الصباحِ وفي العشيِّ
علـــى خير الورى طــه النبيِّ
على المبـعوثِ من ربِّ البرايا
النبـــيِّ الهاشمـــيِّ اليعربــيِّ
صــــلاةُ الله ما هبَّــتْ نسيـــــمٌ
عليــــــه ورحمة اللهِ العلــــيِّ
صـــــلاةُ الله خالقنــــا غـــيوثٌ
علــــى جـــدثٍ بأكنـــافِ الغريِّ
علــــى الإيمانِ في كلِّ المعـاني
الإمــــامِ الهاشمــــيِّ الأبطـحيِّ
على المولودِ في الحرم المزكّى
تحــــفُّ به ملائكــــةُ العلــــــيِّ
علـــــى من حبُّــــهُ دينٌ وفرضٌ
علي المرتضى الهادي الوصيِّ
أبي السبطيـنِ يعسوبِ المعالي
وبـــــاب مدينــــة العلمِ البـهيِّ
إمامِ المتقيــــنَ ومن تصــــدّى
لإفنــــاء الطغــــاةِ بنـــي البغيِّ
إلى الكــــرّارِ في الهيــجا عليِّ
وأشجــــــعِ بل وأعلــــمِ آدمـيِّ
ومن لاقـــت به الزهــراءُ كفؤاً
وأكـــرمْ بابنِ فاطـــمَ من كفــيِّ
لخيـــرِ الخلــــقِ طرّاً بعد طـــه
بديــعِ الشــــعر منـــي والرويِّ
ولائــي صــــادقٌ ثَبْتٌ مكـــــينٌ
إلى الكــــرار في الهيجـــا علـيِّ
ســـــلامُ الله وقْفــــاً كـلَّ حيــــنٍ
علـــى السبطـــينِ سبطيِّ النبيِّ
الإمــــامِ المجتــبى لِـدَةِ المعالي
وثاني دوحــــة المجــــد الزكيِّ
على الفادي الحسين سلام ربّي
شهيـــدِ الحــقِّ شهــمٍ حيــدريِّ
أبــيِّ الضيـــمِ لم يخضـــع لــذلٍّ
فدتـــهُ النفــسُ من سمـحٍ أبـيِّ
علــيٌّ السجـــادِ أتقى خلقِ ربي
ســـلامٌ كالصَّبــا الزاكـــي النديِّ
سلامــاً باقـــرَ العلـــمِ المرجّــى
ســـلاماً صـــادقَ الوعدِ السنيِّ
ســـلاماً كـــــاظمَ الغيظِ المصفّى
عليــــكَ وألـــفُ زلفــى للرضيِّ
سلامـــــاً يا إمــــامي يا جـــوادٌ
علـــــيكَ يحــــفُّ بالهـادي عليِّ
سلامـــــاً خالصــــاً يزجيه ربِّي
علـــــى الطهر الإمامِ العسكريِّ
على المـــــهديِّ قائـــــمِ آلِ طــه
ســـلامُ الله ذي اللطــــفِ الخفيِّ
على الطــــهرِ البتولِ صلاةُ ربِّي
على الزهـــــراءِ فاطمـــةِ النبيِّ
بـآلِ المصــطفى أزكـــو وأسمــو
بهم شبعي وإخصـــــابي وريِّي
لهم تعنو على الدهـــــر القوافي
ويشرقُ سَمتـها في كلّ حَـــــيِّ
بحبّــهمُ تمـــورُ الأرضُ خصبــاً
وتــــروى بالحيـا الودقِ الأتـيِّ
فطوبـــى للألــى والَــوا عليّــــَاً
وأعلـــوا رايــــةَ النهجِ السويِّ
علـــى المختــارِ من ربِّ البرايا
صلاةٌ في الصباحِ وفي العـشيِّ
قال (ص) : لقد أتاني البشير بهلكة أهل نجران حتى الطير على الشجر لو تمُّوا على الملاعنة،والذي نفسي بيده،
إنّ الهلاك قد تدلّى على أهل نجران،ولو لاعَنوا لمُسِخوا قردة وخنازير،ولاضطرم عليهم الوادي ناراً،ولاستأصل الله
نجران وأهله حتى الطير على رؤوس الشجر،ولما حال الحول على النصارى كلهم حتى يهلكوا .ولمّا رجع النبي (ص)
بأهله،وصار إلى المسجد هبط إليه الامين جبرئيل فقال : يا محمد إنّ الله عزّ وجلّ يقرئك السلام ويقول لك :
إنّ عبدي موسى باهَل عدوّه قارون بأخيه فخُسِف بقارون وأهله وماله ومن آزره من قومه،وبعزّتي وجلالي أُقسم يا أحمد
لو باهلْت بك وبمن تحت الكساء من أهلك لهلك أهل الأرض والخلائق جميعاً،ولتقطَّعت السماء كسَفاً ،والجبال زُبَراً
،فلم تستقرّ أبداً،إلا إن شاء ذلك . فسجد النبي (ص) ووضع على الأرض وجهه ثمّ رفع يديه حتّى تبيّن للناس عفرة
إبطيه فقال : شكراً للمعم ثلاثاً .فسُئِل عن السجدة وعن تباشير السرور في وجهه فقال : شكراً لله عزّ وجلّ لما أبلاني
من الكرامة في أهل بيتي ثمّ حدّثهم بما جاء به جبرئيل عليه السلام .
بـــآلِ محمـــدٍ أُروى وأُسقـى
مَعيناً مَنْ بهم طابَ الشرابُ
همُ الخيرُ العميمُ وهم أصولٌ
لكـــــلِّ هدايةٍ وهمُ الصوابُ
وهـــــم آياتُ حقٍّ قد تجلــّتْ
بدائعُـــــهُ وغيرُهمُ ســـرابُ
كـــــرامُ المُنَتمى لكــريمِ جـدٍّ
وخــــيرِ أبـوّةٍ فهمُ الرضابُ
علقـــتُ بحبلـهمْ عبداً مجيباً
ومعتصماً كما جاءَ الخطابُ
ورحـــتُ على ولائهمُ مقيماً
ومــن والاهـــمُ فهوَ المثابُ
عجبتُ لمن تولّى عن هداهم
أبعدَ الحـــقِّ ناصعِهِ ارتيابُ
أبعدَ النــــورِ ثاقبــــِهِ ظــلامٌ
أبعــــدَ الدينِ والتقوى ذهابُ
تخبّــــطَ بالمسـيرِ هناكَ قومٌ
وناموا بالجهالــةِ واستعابوا
فنارُ جحـــيمِ آلِ البيتِ دارٌ
لمثلهمُ وفي الدنيا حسابُ
****
( جلوة في المباهلة )
المصطفى والمرتضى وفاطمة
وابنيهُما يكفونا نار الحاطمة
اليكَ تفصيلَ حديثْ انروى
ذكره يسرّك ولقلبك دوا
به اعتز نبي الله ودينه قوَى
وهذي فضيلة العترته ومكرُمة
لما انتشر لسلام وبانت عزّته
أرسل الهادي للنصارى دعوته
او والي أمرهم وقع في حيرته
وانتدب قومه الى البيعة المُعظمى
واجتمعت الاقوام وصارت جلجلة
ولاأحد فيهم إلى الدين اتقبَّله
وقالوا المُنَبأ فيه علاماتٍ إله
وهذي حقيقة في كتبنا معلَّمة
بكامل الزينة اعتنوا ووصَّلوا
وبخير مَلقى لهُم استَقبَلوا
ومن مزايا رسول الله دروا
إنه المبعوث من رب السما
بيَّن الدين وشرح لأصوله
وبكبر وعناد ماقبلَوا قوله
قال إلهم الحق جُعِل له دولة
تنصر المظلوم وتهلك ظالِمه
واجتمعت الأنوار من أهل العَبا
وأكرمهم الله بآية طيِّبة
وبذكر صالح يُزيل الكُرُبا
وتلقَى به مَنواك وخير الغانِمة
ولمَّا النصارى لفَت متبخترة
وعاينت لنوار البهيِّة الطاهرة
ورأوا العذابات وثارت غبرة
خِضعت لأمر الله ونبيِّه مسلِّمة
بطه والحسنين والزهرا وعلي
أسألك ربي تحقق أملي
تمحو ذنوبي وبهم تشفع إلي
وسلامي ليهم مسك الخاتِمة
( جلوة في المباهلة )
الليلة ليلة عيد وفرحة هنيِّة
إقرار الولاية للهادي ووصيه
وأكرمهم بآيات رب البرية
بالفرحة ياموالين نحيي حفلنا
وعلى سيرة الأخيار نجتمع كلنا
وبعزة الإسلام نهني بعضنا
ورب العلا شرًّف عترة نبيِّه
سِيد البشر منشرح لنصرة الدين
وبآيات مسطورة في آل ياسين
تشهد له هذا النبي وسيِّد الكونين
وهذا ولي الله وخلِيفة نبيِّه
هذا وصي النَّبي او نفسه نفسه
هذا إمام الخلق من جِنَّة وإنسه
هذا الطهَر مولده ومن طاب غرسه
زوج البتولة الطاهرة بضعة نبيِّه
الله اصطفى حجته بمحكم كتابه
وأقر بولايته وآله النجابة
لمن دعى للنبي يجمع احبابه
وعَز دينه بالصُفوة وبشَّر نبيِّه
صلوا على أحمد كلكم ياحضار
ووصيه القاسم للجنة والنار
والحسن ويا حسين السادة الأطهار
وفاطمة الزهراء شمَّامة نبيِّه
****
المصطفى والمرتضى وفاطمة
وابنيهُما يكفونا نار الحاطمة
اليكَ تفصيلَ حديثْ انروى
ذكره يسرّك ولقلبك دوا
به اعتز نبي الله ودينه قوَى
وهذي فضيلة العترته ومكرُمة
لما انتشر لسلام وبانت عزّته
أرسل الهادي للنصارى دعوته
او والي أمرهم وقع في حيرته
وانتدب قومه الى البيعة المُعظمى
واجتمعت الاقوام وصارت جلجلة
ولاأحد فيهم إلى الدين اتقبَّله
وقالوا المُنَبأ فيه علاماتٍ إله
وهذي حقيقة في كتبنا معلَّمة
بكامل الزينة اعتنوا ووصَّلوا
وبخير مَلقى لهُم استَقبَلوا
ومن مزايا رسول الله دروا
إنه المبعوث من رب السما
بيَّن الدين وشرح لأصوله
وبكبر وعناد ماقبلَوا قوله
قال إلهم الحق جُعِل له دولة
تنصر المظلوم وتهلك ظالِمه
واجتمعت الأنوار من أهل العَبا
وأكرمهم الله بآية طيِّبة
وبذكر صالح يُزيل الكُرُبا
وتلقَى به مَنواك وخير الغانِمة
ولمَّا النصارى لفَت متبخترة
وعاينت لنوار البهيِّة الطاهرة
ورأوا العذابات وثارت غبرة
خِضعت لأمر الله ونبيِّه مسلِّمة
بطه والحسنين والزهرا وعلي
أسألك ربي تحقق أملي
تمحو ذنوبي وبهم تشفع إلي
وسلامي ليهم مسك الخاتِمة
( جلوة في المباهلة )
الليلة ليلة عيد وفرحة هنيِّة
إقرار الولاية للهادي ووصيه
وأكرمهم بآيات رب البرية
بالفرحة ياموالين نحيي حفلنا
وعلى سيرة الأخيار نجتمع كلنا
وبعزة الإسلام نهني بعضنا
ورب العلا شرًّف عترة نبيِّه
سِيد البشر منشرح لنصرة الدين
وبآيات مسطورة في آل ياسين
تشهد له هذا النبي وسيِّد الكونين
وهذا ولي الله وخلِيفة نبيِّه
هذا وصي النَّبي او نفسه نفسه
هذا إمام الخلق من جِنَّة وإنسه
هذا الطهَر مولده ومن طاب غرسه
زوج البتولة الطاهرة بضعة نبيِّه
الله اصطفى حجته بمحكم كتابه
وأقر بولايته وآله النجابة
لمن دعى للنبي يجمع احبابه
وعَز دينه بالصُفوة وبشَّر نبيِّه
صلوا على أحمد كلكم ياحضار
ووصيه القاسم للجنة والنار
والحسن ويا حسين السادة الأطهار
وفاطمة الزهراء شمَّامة نبيِّه
****
