بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
قال الله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ ۖ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾[1].
مراتب الأنبياء عليهم السلام تختلف حسب استعدادهم وقابلياتهم المحضة فاحتلوا هذه المراتب باستحقاق وجدارة، فلم يكونوا بمستوى واحد، وذلك قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ۚ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ۗ وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَٰكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَٰكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾[2].
فهذه الآية وغيرها تدلّ على أنّ الأنبياء ورغم بلوغهم بأجمعهم مرتبة التوحيد، إلاّ أنّهم يتوفّرون على مقامات ودرجات متباينة؛ فإذا دعا نبيٌّ قومَه، وأقام عليهم الحجّة، ولم يصغوا إلى كلامه، ورحل عنهم، فلا يجب علينا أن نتوقّع أن يكون كافّة الأنبياء في مرتبة واحدة [وبالتالي يقومون بالتصرّف ذاته]! أجل، إذا نظرنا إليه بنفسه، وإلى علاقته بالله تعالى، يُمكننا القول: لم يكن عليه القيام بذلك العمل، بحيث لو أنّه صبر، لحاز على مقامات أعلى؛ فلا شكّ في هذا الأمر أبدًا؛ وأحد الأمثلة على ذلك ما جاء في القرآن الكريم: ﴿وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾[3].
فلما دعا النبي يونس (عليه السلام) قومه لعبادة الله وترك ما كانوا يعبدون، رحل عنهم وفارقهم؛ وهو في حالة من الغضب والامتعاض منهم.
﴿فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ يعني أنّه: باعتبار ما كان يحظى به من مقامات ودرجات، وبالنظر إلى قبول لعنه، واستجابة دعائه، وظهور أمارات العذاب؛ إذ غيّمت على قومه في أحد الأيّام سحابة سوداء، وفي اليوم الثاني سحابة صفراء، وفي اليوم الثالث سحابة حمراء، بحيث بدا له أنّ دعاءه قد استجيب بالتأكيد، فإنّه قال: سأتخلّى عنهم، وأرحل؛ ظانًّا أنّنا لن نتسلّط ونهيمن عليه.
﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ..﴾ فبعد أن وقعت تلك الأحداث، ووجد نفسه في بطن الحوت والظلمات، رأى بأنّه لا يُمكن الهروب من الله، وأنّ فعله تعالى ليست فيه أيّة مجاملة؛ فحتّى لو كان نبيًّا، فإنّه يضعه في الظلمات وبطن الحوت، ويحتفظ به هناك؛ [وحينئذ، نادى] إنّ القدرة والحكمة والعلم والمبدأ والمنتهى كلّه منك أنت، والثرى منك، وإليك يعود!
فالله تعالى يُريد أن يهبه (عليه السلام) مكانةً أعلى ببركة ذلك الصبر والتحمّل؛ فلا يوجد أيّ أحد يقف في وجهه تعالى، ويمنعه من ذلك، حيث ينبغي أن تحصل هذه المكانة الأعلى بواسطة تجاوز تلك الامتحانات، وعن طريق الصبر، والإلقاء في بطن الحوت، وبقيّة تلك الأحداث.
ولو كان حضرة روبيل[4] أعلم وأتقى من نبيّ الله يونس، لكان [والعياذ بالله] الحقّ تعالى خاطئا حينما لم يجعله نبيًّا، وجعل يونس عليه السلام كذلك! وفي هذه الحالة، سيكون الله تعالى هو المسؤول عن تلك الإشكالات بأجمعها. أجل، يبقى أنّ روبيل كان بالتأكيد رجلًا عالمـًا؛ ومن غير المستبعد أنّه حينما يلجأ الناس إلى مخالفة أوامر النبيّ، ويكون بينهم رجل عالم، أن يدعوهم هذا العالم، ويقول: «هلمّوا إلى ربّكم! فقد آذيتم هذا الرجل، فابُتليتم بعذاب الله تعالى!»؛ لكنّ ذلك لا يدلّ على أفضليّة روبيل.
والمثال الأوحد هو ما قاله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾[5].
اصطفى سبحانه هؤلاء الأطهار وفضلهم على سائر خلقه، وجعل بيوتهم مهبط وحيه ثم اختار منهم محمداً (صلى الله عليه وآله) خاتم الرسل وسيد الخلق من الأولين والآخرين، قال أمير المؤمنين (عليه السلام): ((وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُه ورَسُولُه الَمْجُتْبَىَ مِنْ خَلَائِقِه.. والْمُصْطَفَى لِكَرَائِمِ رِسَالَاتِه))[6].
[1] سورة الإسراء، الآية: 55.
[2] سورة البقرة، الآية: 253.
[3] سورة الأنبياء، الآيتان: 87 – 88.
[4] كان عالمـًا ومن أعاظم أصحاب نبيّ الله يونس عليه السلام وأتباعه.
[5] سورة آل عمران، الآية: 33.
[6] الخطبة: 178، ص 257.
