بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ ۚ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾[1].
﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾؛ ملاحظة مهمة وهي أن في هذا المقطع من الآية الشريفة لا يوجد ذكر للنساء، بينما نجد الكلام يدور حول الأموال والأولاد؛ ومع ذلك، بوسعنا أن نخلطهما معًا؛ إذ لا يوجد فرق هنا بين الرجل والمرأة، باعتبار الضمير [هم] يشمل كلا من الذكر والأنثى.
ليس المعنى من مشاركة الشيطان للإنسان في الولد يعني إنها مشاركة في تكوين هذا الولد بحيث تكون حصة منه للإنسان وحصة منه للشيطان بل المشاركة في الانتفاع بهذا الولد.
فتعال، وشاركهم في الأموال والأولاد، وكن جليسًا لهم؛ فإذا كان أحدهم جالسًا في الغرفة مع زوجته وأولاده، فتعال أنت أيضًا، وشاركهم، واجلس معهم، وكن الجليس الرابع، أو الخامس، حيث إنّ الله تعالى هو الذي يتحدّث بهذا الكلام، ويقول للشيطان: تعال، وأنجز هذه الأعمال، فأنا الذي أعلّمك ذلك بنفسي.
﴿وَعِدْهُمْ﴾؛ المواعيد التي بها تغرّهم كوعد المغفرة من الله وإنّ الله كريم وأنّهم يبقون ثمّ يتوبون، أو المواعيد التي بها تطيل آمالهم، فوعد الأنسان أنّه إذا قام بالعمل الكذائيّ، فإنّه سيصل إلى المقام الفلانيّ، وإذا أنجز المهمّة الكذائيّة، فإنّه سيحصل على المقدار الفلانيّ من الأموال، وإذا ارتكب هذه الكذبة، فإنّه سيجني المنافع العلاّنية، وإذا اجترح هذا البهتان، فإنّه سيحصل في مقابل ذلك على هذه المسائل، وإذا هتك حرمة فلان، فإنّه ستصير له اليد الطولى؛ فيقوم بمنحه وعودًا كاذبة من خلال الوسوسة في قلوب أعوانه من الأنس؛ نظير وعود عمر بن سعد؛ حيث بعث إليه ابن زياد رسالة يعده فيها بحكم الريّ في مقابل ماذا؟ في مقابل قتل ابن رسول الله؛ فهذا هو الوعد الذي وعده به؛ لكن، حينما جاء عنده ليفي له بوعده، قال له: متى وعدتك؟ وعن أيّة رسالة تتحدّث؟ قال له: هذه؛ فأخذها ومزّقها، ثمّ قال له: ماذا تريد منّي الآن؟ وانتهى الأمر؛ فلم يسمح له بالذهاب إلى الريّ كحدّ أقلّ، مع أنّه قتل الإمام (عليه السلام)، ولم يدعه يقضي هناك ولو شهرين، حتّى لا يُصاب بعقدة، ويكون بوسعه الحكم ولو لمدّة قصيرة؛ فلم ينجح في ذلك ولو لثانية واحدة؛ فهذا الذي يُقال عنه: ﴿وَعِدْهُمْ﴾.
بعد ذلك، يقول الله تعالى: صحيح أنّني أقول ﴿وَعِدْهُمْ﴾، لكن، اعلم أيّها الإنسان ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾؛ بتزيين الباطل في صورة الحقّ والخطاء في صورة الصّواب.
فجميع وعوده خداع، وهراء، ولا أصل لها، ولا حقيقة لها، ولا جذور لها؛ فهو يعدك أن تجني المنافع الكذائيّة، لكن، ما إن تصل إليها، حتّى يأتي حضرة عزرائيل مباشرةً لقبض روحك، ويقول لك: «تفضّل معنا»؛ وهو يعدك أنّك إذا قمت بهذا العمل ...، لكنّك لا تعلم بأنّ بلاءً سماويًّا قد يقضي عليك، ولا يدع هذا الماء أن يعبر من حنجرتك كحدّ أقلّ.
وكلجوء الإنسان إلى بعض الأعمال للاستيلاء على الإرث لطفل لا ملجأ له، لكنّه كان هو الوارث الحقيقيّ؛ فجاء ذلك الفرد، وقام بمعيّة ثلّة من الأصدقاء والأشخاص بالسطو على ذلك الإرث، وكان إرثًا ضخمًا، انظروا فهذا الذي يُقال له: ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾؛ وهو إن عاجلا أو آجلا سيرحل إلى ذلك عالم الحساب، إذ لا يقتصر الأمر على أنّ ذلك الماء لم يعبر حتّى من حنجرتك، بل إنّهم ينتظرونك هناك، لتتفضّل عندهم، ويُقدّمون لك الخدمة لفترة من الزمان! فهذا هو مصير ذلك الوعد الإلهي؛ والله تعالى بذاته الذي يقول للشيطان: ﴿عِدْهُمْ﴾، لكنّني أقول لكم أيضًا: لا تنخدعوا بهذه الوعود؛ فهذه في مقابل تلك!
وقد ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: ((قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) إن الله حرم الجنة على ... أو شرك شيطان قيل: يا رسول الله وفي الناس شرك شيطان فقال: أما تقرء قول الله عز وجل وفي الاموال والأولاد))[2].
[1] سورة الإسراء، الآية: 64.
[2] الكافي، ج 2، ص 244.
