بسم الله الرحمن الرحيم
إذا كان البحث عن الحقيقة الدينية ضرورة يفرضها العقل، كما تقدم في الحلقة السابقة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بعد ذلك هو: لماذا يحتاج الإنسان إلى الدين أصلاً؟ وهل الدين أمر طارئ على حياة الإنسان يمكن الاستغناء عنه، أم أنه حاجة أصيلة متجذرة في كيانه ومرتبطة بطبيعة وجوده؟
إن التأمل في حقيقة الإنسان يقودنا إلى إدراك أن حاجته إلى الدين ليست أمراً عرضياً، بل هي من أعمق الحاجات المتصلة بوجوده. فالإنسان ليس جسداً فحسب، كما أنه ليس عقلاً منفصلاً عن عالم الواقع، وإنما هو كائن ذو أبعاد متعددة؛ فيه العقل الذي يفكر، والروح التي تتطلع إلى الكمال، والنفس التي تحمل الرغبات والميول، والجسد الذي يعيش في عالم المادة. ومن هنا كانت حاجاته متنوعة ومتداخلة، لا تقف عند حدود الطعام والشراب والأمن المادي، بل تمتد إلى البحث عن المعنى والغاية والقيم التي تمنح الحياة اتجاهها الصحيح.
ومن جهة أخرى، فإن الإنسان لا يعيش منفرداً عن أبناء جنسه، بل هو كائن اجتماعي بطبعه، تتشابك مصالحه مع مصالح الآخرين، وتتداخل حقوقه مع حقوقهم. ولهذا فإن حياته تقوم على بعدين متلازمين: بعد فردي يرتبط ببناء شخصيته وتحقيق كماله الذاتي، وبعد اجتماعي يرتبط بعلاقته بالمجتمع الذي يعيش فيه. وكما أن أعضاء الجسد الواحد لا تستطيع أداء وظائفها بصورة صحيحة ما لم تخضع لنظام يحكم علاقتها بعضها ببعض، كذلك المجتمع الإنساني لا يستقيم أمره من دون منظومة من القيم والقوانين تضبط حركة أفراده وتوجه مسيرتهم.
وهنا يبرز الدين بوصفه استجابة لحاجة عميقة في الإنسان، إذ يقدم له تفسيراً لأصل وجوده، ويعرّفه بالغاية التي خلق من أجلها، ويرسم له الطريق الذي يحقق سعادته في حياته الفردية والاجتماعية. فالدين لا يقتصر على مجموعة من الشعائر والطقوس، بل يمثل رؤية شاملة للإنسان والكون والحياة، ويمنح الإنسان ميزاناً يميز به بين الخير والشر، والحق والباطل، والصلاح والفساد.
وليس من الصعب ملاحظة أن الميل إلى التدين ظاهرة صاحبت الإنسان عبر تاريخه الطويل. فمهما اختلفت الأمم وتباعدت البيئات والحضارات، بقي الشعور بالحاجة إلى الارتباط بالمبدأ الأعلى حاضراً في حياة البشر. وقد شهد التاريخ الإنساني أشكالاً متعددة من التدين، الأمر الذي يكشف عن وجود نزوع فطري يدفع الإنسان إلى البحث عما وراء عالم المادة، والتطلع إلى القوة العليا التي يتصل بها وجوده ومصيره.
وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة بقوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾، حيث يربط بين الدين والفطرة، ويجعل التوجه نحو الحق منسجماً مع الطبيعة التي خلق الله الإنسان عليها.
وإلى جانب الدلالة الفطرية، يقود العقل أيضاً إلى إدراك الحاجة إلى الدين. فالإنسان وإن أوتي قدرة على التفكير والاختيار، إلا أن معرفته محدودة، وإحاطته بواقع الأشياء ناقصة، وتجربته قاصرة عن كشف جميع ما يحقق سعادته أو يجنبه الشقاء. وكثيراً ما يختلف الناس في تشخيص المصالح والمفاسد، وتتعارض أهواؤهم ورغباتهم، فتبرز الحاجة إلى هداية عليا تكشف لهم الطريق الصحيح وتضع لهم الموازين الثابتة التي لا تخضع للأمزجة المتقلبة والمصالح المتغيرة.
ومن هنا نفهم قوله تعالى: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾، فالهداية ليست أمراً منفصلاً عن الخلق، بل هي امتداد له. وكما أن الله تعالى هيأ لكل موجود ما يحتاج إليه في أصل وجوده، فقد هيأ له أيضاً ما يحتاج إليه في مسيرته نحو كماله. والإنسان ليس استثناءً من هذه القاعدة العامة، بل هو أولى الموجودات بالعناية والهداية؛ لما أُودع فيه من قابلية المعرفة والمسؤولية والاختيار.
إن الدين الحق يمثل المنهج الذي يهدي الإنسان إلى كماله المنشود، ويحقق التوازن بين متطلبات الروح والجسد، وبين مصالح الفرد والمجتمع، وبين حاجات الدنيا ومتطلبات الآخرة. وبدون هذه الهداية يبقى الإنسان معرضاً للتخبط بين الرغبات المتعارضة والتصورات المتناقضة، باحثاً عن السعادة من غير أن يمتلك الميزان الذي يرشده إلى طريقها.
إشراقة ختامية
كل موجود في هذا الكون يسير وفق نظام ينسجم مع الغاية التي خلق لها، والإنسان ليس خارجاً عن هذه السنّة العامة. فإذا كان العقل يقبل أن لكل صناعة دليلاً، ولكل طريق هادياً، فإن من الأولى أن يقبل بأن حياة الإنسان بما تنطوي عليه من تعقيد ومسؤولية لا يمكن أن تُترك من غير هداية ترشده إلى غايتها. ومن هنا كانت الحاجة إلى الدين حاجةً إلى النور الذي يكشف الطريق، وإلى الميزان الذي يضبط الحركة، وإلى الحقيقة التي تمنح الوجود معناه الأسمى .
--------------------------
منقول

تعليق