إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

عاشوراء في الفضاء العام العالمي.. الهوية والحكمة والمسؤولية

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • عاشوراء في الفضاء العام العالمي.. الهوية والحكمة والمسؤولية


    اضغط على الصورة لعرض أكبر. 

الإسم:	عاشوراء.png 
مشاهدات:	16 
الحجم:	138.7 كيلوبايت 
الهوية:	1068843

    في هذا المقال، دلالات عاشوراء في عالم باتت فيه الحدود بين المجتمعات والثقافات أكثر انفتاحًا من أي وقت مضى، ويناقش المسؤوليات الملقاة على عاتق المجتمعات الشيعية في كيفية تقديم الرسالة الحسينية وتمثيل شعائرها في الفضاء العام العالمي.

    وينطلق الكاتب من رؤية تعتبر عاشوراء رسالة إنسانية تتجاوز حدود الجغرافيا والانتماءات الضيقة، قبل أن يتوقف عند قضايا ترتبط بالعلاقة بين المضمون والشكل في الشعائر الدينية، وتأثير الإعلام والفضاء الرقمي في تشكيل الصور الذهنية، وتحديات الهوية التي تواجه الأقليات الدينية، فضلًا عن أهمية المواءمة بين الحفاظ على الأصالة ومراعاة الخصوصيات الثقافية للمجتمعات المختلفة.

    وفي ما يلي نص المقال:

    الحسين (ع) وارث آدم، وشهيد الإنسانية، ومعلّم الشرف، والنموذج الفريد للبشرية. فحينما كانت الهيمنة اليزيدية تطوّق العقول، وكانت منظومة القيم الأموية تتلاعب بمفاهيم الحق والباطل، والفضيلة والرذيلة، والدين والدنيا، ولم يعد أي سلاح ناجعًا في مواجهة التحريف والفساد والمكر الذي تمارسه السلطة، قدّم الحسين (ع) أعزّ الأرواح قربانًا، ليكشف انحدار عصره، ويحرّر الحقيقة من أسر الرواية الرسمية التي تنتجها السلطة الفاسدة.

    لقد كانت عاشوراء «انبعاث الحرية» و«لحظة تحرّر الحقيقة من أسر الهيمنة اليزيدية»، وكانت كربلاء ليست مجرد منعطف في تاريخ الإسلام، بل نقطة انطلاق لجبهة أبدية بين الشرف والانحطاط، وبين الحرية والاستعلاء.

    ومن هنا، فإن مخاطَب الإمام الحسين (ع) ليس أتباع دين جدّه فحسب، بل جميع الأحرار في العالم. وكل من يرى نفسه حاملًا لرسالة هذه النهضة، إنما يحمل على عاتقه مسؤولية ثقيلة تجاه جميع الأجيال وفي مختلف الأزمنة. ومن هذا المنطلق، فإن التأمل في المعارف الحسينية، وإعادة قراءة معالمها، وعزاء مصائب «قتيل العبرات»، ليس مجرد تقليد ديني، بل واجبًا إنسانيًا، وضرورة هوياتية، ورسالة ذات بُعد حضاري.

    اليوم، ومع اتساع حضور الشيعة في مختلف أنحاء العالم، وتوافر فرص غير مسبوقة للتعريف بالمعارف الحسينية في الساحات الدولية، أصبحت مسؤولية حَمَلة هذه الرسالة أكبر من أي وقت مضى. فعاشوراء ليست حدثًا مخصصًا للبكاء والرثاء فحسب، بل رسالة عالمية من أجل الحرية والكرامة ومقاومة تحريف الحقيقة في كل زمان ومكان.

    ومن هنا، فإن كيفية إقامة شعائر العزاء، وطريقة تقديم هذا الإرث العظيم وتمثيله، ولا سيما في المجتمعات الغربية، تستدعي قدرًا كبيرًا من التأمل والحكمة ومراعاة الخصوصيات الثقافية والاجتماعية للعصر.

    وفي هذا السياق، أقدم مجموعة من الملاحظات: أولًا: التناسب بين الشكل والمضمون


    إن التأمل في مسار قافلة عاشوراء من المدينة إلى كربلاء يكشف أن كل تفصيل من السلوكيات والأقوال والاختيارات والمشاهد قد وُضع في خدمة معنى عظيم. فمن خطب الإمام الحسين (ع) وحواراته، وخطب السيدة زينب (س)، إلى ليلة عاشوراء، وصلاة الظهر يوم الواقعة، ووفاء حامل اللواء الأسطوري، واستشهاد الطفل الرضيع ذي الأشهر الستة، وصولًا إلى وقار أهل بيت الإمام (ع) وثباتهم في عصر عاشوراء وليلتها؛ كل شيء جاء في أعلى درجات الحكمة والروحانية والوقار والتناسب، ليشكّل وعاءً لظهور الحقيقة وحاملًا للرسالة العالمية لكربلاء.

    وحتى حين تتحدث الروايات التاريخية عن أناقة الإمام الحسين (ع) وأصحابه ونظافة هيئاتهم، يمكن ملاحظة ذلك الترابط العميق بين المعنى والرمز، وبين الحقيقة وكيفية تجليها.

    ولا شك في أن الشكل هو البيئة الحاضنة للمعنى، وأن البنية هي الحارس الذي يصونه. فإذا كان الهدف الأساس من العزاء إيصال الرسالة الروحية والإنسانية لعاشوراء، فإن ما يُعرض أمام أنظار العالم ينبغي أن يكون قادرًا على تمثيل هذه المنظومة المعرفية والأخلاقية العميقة بلغة رفيعة، وسلوك حكيم، وبنية منسجمة مع الأفق الإدراكي للإنسان المعاصر، وأن يقترب قدر الإمكان من جوهر النهضة الحسينية وغاياتها.

    وفي المقابل، فإن أي أسلوب يبعد الأذهان عن حقيقة الرسالة، سواء وقع في الإفراط أو التفريط أو التزوير أو الغلو، أو بقي أسير التقليد بصورة تمنعه من التواصل المؤثر مع الجمهور، أو تخلّى عن أصالته بذريعة الحداثة، سيكون متعارضًا مع فلسفة العزاء. وبعبارة أخرى، كلما ابتعد الشكل عن المضمون أو طغى عليه، ازداد احتمال أن يحجب المتلقي عن حقيقة الرسالة. ثانيًا: «الفضاء العام العالمي» و«توسّط الدين إعلاميًا»


    لقد أدت الطورات في مجال تقانة المعلومات وانهيار الحدود الإعلامية إلى تجسيد مفهوم «الفضاء العام العالمي» داخل القرية الكونية للاتصالات.

    وفي عالم أصبح شبكيًا، لم يعد أي فعل عام محصورًا في زمانه ومكانه؛ فكل سلوك أو خطاب أو رمز أو طقس، سواء كان إيجابيًا أم سلبيًا، يُسجَّل في ذاكرة الإعلام ويُعرض على أنظار ملايين البشر الذي ينتمون إلى ثقافات وأديان وقوميات مختلفة، ليخضع للمشاهدة وإعادة القراءة والتقييم.

    وفي هذا الفضاء، فإن أي فعل يُمارَس باسم التشيع لم يعد سلوكًا فرديًا أو محليًا فحسب؛ فكل خطاب، وكل رمز، وكل شيعرة عامة، يشارك في إعادة إنتاج أو إعادة تعريف الصورة العالمية لهذا المذهب في أذهان الرأي العام.

    فمن جهة، نحن أمام ظاهرة «توسّط الدين إعلاميًا»، إذ انتقلت الرسالة من المنبر والمئذنة إلى الفضاء الرقمي الواسع؛ ومن جهة أخرى، فإن عصر الإنترنت والذكاء الاصطناعي يشهد تدفقًا غير مسبوق للشبهات والتحريفات والتزوير والتلاعب بالروايات.

    وفي ظل هذه الظروف، فإن إنتاج الرسائل الدينية وتمثيلها ورصدها، فضلًا عن مواجهة الخوارزميات المعقدة التي تسهم في تحريف الحقيقة وتزييفها، يتطلب جهدًا مضاعفًا يتسم بالدقة والذكاء والوعي. ثالثًا: وضعية الأقلية


    باستثناء عدد محدود من البلدان، يعيش الشيعة على المستوى الإقليمي والعالمي في موقع الأقلية. وهذه الوضعية هي نتاج تداخل عوامل ديموغرافية وتاريخية وسياسية واجتماعية، بما يفرض رؤية بعيدة المدى وتخطيطًا استراتيجيًا لصون الهوية والمكانة وتعزيز القدرة على التأثير.

    وفي الوقت نفسه، يواجه العالم المعاصر من جهة، تنامي حالات النفور من الدين والعلمنة، ومن جهة أخرى صعود تيارات اليمين المتطرف، وتصاعد موجات رهاب الإسلام، والعداء للمهاجرين، والجهود المنظمة لتشويه صورة المسلمين عمومًا والشيعة على وجه الخصوص؛ وهي ظروف تفرض على المجتمعات الشيعية التزامات هوياتية واجتماعية واستراتيجية خاصة. رابعًا: «الهوية المترابطة» وعدم قابلية الفصل بين الهوية والمكانة


    كما أُشرت في الحديث عن مقومات «الحياة الاستراتيجية للتشيع»، فإن الهوية والمكانة بالنسبة إلى الأقليات وجهان لعملة واحدة لا يمكن الفصل بينهما؛ فالهوية من دون مكانة تؤدي إلى العزلة، والمكانة من دون هوية تحمل في طياتها خطر الذوبان والاستحالة.

    وتُظهر تجارب بعض الأقليات الدينية في الغرب كيف استطاعت، من طريق مزيج من الحذر الاستراتيجي وضبط النفس والحضور المتوازن في المجال العام، أن تحافظ على هويتها وترتقي في الوقت نفسه بمكانتها وقبولها الاجتماعي. ذلك أن التمثيل الخاطئ لأي أقلية لا يهدد حقوقها فحسب، بل يعرّض هويتها ومستقبلها للخطر أيضًا.

    وفي الثقافة الشيعية، تمثل العقلانية والتقية ومراعاة المصلحة العامة، ولا سيما في المجال العام، مرتكزات واضحة توجه سلوك الشيعة.

    ومن المهم أن ندرك جميعًا أن التشيع في عالمنا اليوم يمثل «هوية مترابطة»، وأن عاشوراء والأربعين يمثلاث جزءًا أساسيًا من الصورة الذهنية العالمية لهذا المذهب.

    ومن هذا المنطلق تكتسب مسألة تمثيل الشعائر والرموز أهمية مضاعفة. فلكل فرد أو جماعة أن تمارس شعائرها في إطارها الخاص وفق تقاليدها، لكن في المجال العام وتحت راية أهل البيت (ع)، تصبح مراعاة مبادئ الأصالة والعقلانية والمصلحة العامة والرصانة والحفاظ على مكانة التشيع ضرورة لا يمكن تجاهلها.

    وأتذكر هنا ما قاله سماحة آية الله السيد السيستاني في أيلول/سبتمبر 2012 مخاطبًا شيعة الغرب: «لا يُعلم ماذا يخبئ المستقبل. وعلى الشيعة أن يكونوا يقظين؛ أولًا في الحفاظ على هويتهم، وثانيًا في السعي إلى أن تكون لهم مكانة لائقة وأن تبقى حرمة التشيع مصونة، وثالثًا أن يعيشوا بطريقة لا يمكن معها التعامل معهم كجسم دخيل يمكن فصله متى شاء الآخرون». خامسًا: مواءمة أساليب العزاء مع البيئة المحلية


    يظهر تاريخ التشيع أن الشعائر الحسينية وطقوس العزاء كانت على الدوام مرتبطة بثقافات المجتمعات وتقاليدها.

    وهذا التنوع ليس علامة على التشتت، بل دليلًا على القدرة التاريخية للتشيع على الحوار مع البيئات المختلفة، ونقل رسالة واحدة عبر قوالب ووسائط متعددة.

    ومن هنا، فإن من المناسب أن يضع الشيعة المهاجرون مسألة «مواءمة أساليب العزاء مع البيئة المحلية» في صلب اهتمامهم داخل كل فضاء حضاري يعيشون فيه.

    وكما يحتاج الفقه الشيعي إلى الاجتهاد المستمر في إطار الكتاب والسنة للحفاظ على صلته بتحولات الزمان والمكان، فإن نقل رسالة عاشوراء يحتاج هو الآخر، مع الحفاظ على الأصالة، إلى فهم مقتضيات العصر وخصائص البيئة المحيطة.

    ومن المؤمل أن تنسجم مضامين العزاء وأساليبه مع الثقافة العامة، والحساسيات الاجتماعية، والقوانين، ولغة التواصل السائدة في المجتمع المضيف، بما يسمح بإقامة علاقة حوار وتفاعل مع البيئة المحيطة.

    وفي هذا الإطار، لا تقتصر الأهمية على جودة الشكل وطريقة الإحياء فحسب، بل تشمل أيضًا الكيفية التي تُقدَّم بها هذه الشعائر اجتماعيًا، بل وحتى إدارة بعض أبعادها الجماهيرية، بما يتيح لرسالة عاشوراء أن تؤسس للفهم المتبادل والاحترام والتواصل الفعّال، وألا تترك مجالًا للتيارات المعادية للشيعة كي تستثمر المخاوف أو تروّج الصور النمطية السلبية.

    ويكتسب ذلك أهمية خاصة في كثير من المجتمعات الغربية، حيث انتقل الدين إلى حد كبير من المجال العام إلى الفضاء الخاص أو المؤسسات الدينية، ولم يعد كثير من المواطنين يمتلكون خبرة يومية مباشرة مع الشعائر الدينية التي تُمارس في الشوارع والفضاءات العامة. كلمة أخيرة


    إن عاشوراء ليست مجرد إرث تاريخي، بل رصيد روحي وحضاري، وإن الالتزام بتقديمها وتمثيلها بحكمة وإنسانية على المستوى العالمي يُعد من أسمى مسؤوليات التشيع في العالم المعاصر.

    فعاشوراء أعظم وأعمق وأكثر ثراءً بالمعاني من أن تحتاج إلى المبالغة في العرض أو التهويل في السرد. إن عظمتها كامنة في الحقيقة التي تحملها؛ تلك الحقيقة التي اجتازت على مدى قرون حدود الزمن والجغرافيا والثقافات، وما زالت قادرة على مخاطبة الإنسان أينما كان، وعلى أن توقظ في أعماقه نزوعه إلى الحرية والكرامة.

    وكل ما نحتاج إليه هو أن نفهم شروط عصرنا؛ عصرٍ أصبحت فيه حقيقة عاشوراء معروضة في «الفضاء العام العالمي»، وفي إطار «هوية مترابطة»، وباتت أكثر من أي وقت مضى بحاجة إلى الحكمة في تمثيلها وتقديمها للآخرين.

    بقلم الدكتور أبو الفضل فاتح
المحتوى السابق تم حفظه تلقائيا. استعادة أو إلغاء.
حفظ-تلقائي
Smile :) Embarrassment :o Big Grin :D Wink ;) Stick Out Tongue :p Mad :mad: Confused :confused: Frown :( Roll Eyes (Sarcastic) :rolleyes: Cool :cool: EEK! :eek:
x
يعمل...
X