بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وآل محمد
"الخط الأموي والأخلاق الأموية"، هو منهج سلوكي، وعقلية فكرية، ومرض روحي يمكن أن يتسلل إلى نفس أي فرد منا في أي زمان ومكان إذا غفل عن مراقبة نفسه.
إن الابتعاد عن هذا الخط هو مسيرة "تنموية إيمانية" تتطلب وعيًا، وجهادًا للنفس، وتمسكًا حقيقيًا بالبديل النقي الذي يمثله خط محمد وآل محمد (عليهم السلام).
ما هو الخط الأموي في الميزان القرآني؟
الخط الأموي في جوهره هو تفضيل العاجلة على الآجلة، واستخدام الدين كوسيلة لتحقيق المآرب الشخصية، والاعتماد على الكبر، والمكر، وظلم العباد. وقد لخص القرآن الكريم خطورة هذا النهج الذي يتبعه طلب الدنيا بأي ثمن.
يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم محذرًا من تقديم زينة الدنيا على الحق:
{مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ ۖ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [سورة هود: 15-16]
وفي مقابل ذلك، يضع القرآن أساس الخط الهاشمي المحمدي الأصيل القائم على التواضع والعدل والارتباط بالآخرة:
{تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [سورة القصص: 83]
ركائز الأخلاق الأموية وكيفية التخلص منها
الخطوة الأولى في التنمية الإيمانية هي "التخلية قبل التحلية"؛ أي أن نعرف مكامن الخلل لنطهر أنفسنا منها.
إليكم أبرز ملامح السلوك الأموي وكيف نتخلص منها بهدي عترة النبي (عليهم السلام):
1. الكبر والاستعلاء مقابل التواضع
كانت العقلية الأموية قائمة على الاستعلاء الطبقي والقبلي والمالي. والتخلص من هذا المرض يكون بالخضوع لله والتواضع لعباده.
عن الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) أنه قال:
"إنَّ فِي السَّمَاءِ مَلَكَيْنِ مُوَكَّلَيْنِ بِالْعِبَادِ، فَمَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَاهُ، وَمَنْ تَكَبَّرَ وَضَعَاهُ."
2. الغدر والمكر (الغاية تبرر الوسيلة) مقابل الصدق والوفاء
تميز السلوك السياسي والاجتماعي الأموي بالمكر، والخديعة، ونكث العهود للوصول إلى الغايات الدنيوية. أما المؤمن، فضابط سلوكه هو التقوى، حتى وإن بدا للجاهل أن الماكر أذكى.
جاء في نهج البلاغة عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) في وصفه لهذا التمايز الأخلاقي:
"وَاللَّهِ مَا مُعَاوِيَةُ بِأَدْهَى مِنِّي، وَلَكِنَّهُ يَغْدِرُ وَيَفْجُرُ، وَلَوْ لَا كَرَاهِيَةُ الْغَدْرِ لَكُنْتُ مِنْ أَدْهَى النَّاسِ، وَلَكِنْ كُلُّ غُدَرَةٍ فُجَرَةٌ، وَكُلُّ فُجَرَةٍ كُفَرَةٌ، وَلِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يُعْرَفُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ."
3. ظلم العباد وقمع الحقوق مقابل العدل والإنصاف
يقوم الخط الأموي على استباحة حقوق الناس وامتصاص جهودهم لبناء الأمجاد الشخصية. والابتعاد عن هذا الخط يتطلب أن ينصف الإنسان الناس من نفسه أولًا.
روى الثقة الإرشادية الشيخ الكليني عن الإمام محمد بن علي الباقر (عليه السلام) في تغليظ حرمة الظلم:
"الظُّلْمُ ثَلَاثَةٌ: ظُلْمٌ يَغْفِرُهُ اللَّهُ، وَظُلْمٌ لَا يَغْفِرُهُ اللَّهُ، وَظُلْمٌ لَا يَدَعُهُ اللَّهُ؛ فَأَمَّا الظُّلْمُ الَّذِي لَا يَغْفِرُهُ اللَّهُ فَالشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَأَمَّا الظُّلْمُ الَّذِي يَغْفِرُهُ اللَّهُ فَظُلْمُ الرَّجُلِ نَفْسَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ، وَأَمَّا الظُّلْمُ الَّذِي لَا يَدَعُهُ اللَّهُ فَالْمُدَاقَّةُ بَيْنَ الْعِبَادِ."
خارطة طريق عملية للتنمية الإيمانية
كيف نترجم هذا الكلام إلى واقع عملي وتنمية حقيقية لذواتنا؟ إليكم خطوات مستقاة من سيرة أئمتنا (عليهم السلام):
محاسبة النفس اليومية: اجعل لنفسك وقتًا في نهاية كل يوم تسأل فيه: هل كان سلوكي اليوم يشبه سلوك أهل البيت (إنصاف، صدق، رحمة) أم اقترب من أخلاق الجبابرة (أنانية، غضب، مكر)؟
الورع عند الشبهات: الخط الأموي يتغذى على المال الحرام والشبهات. الالتزام بالمال الحلال يطهر القلب ويربط الروح بملكوت السماء.
الولاء والبراءة السلوكية: الرفض للخط الأموي لا يكون باللسان فقط، بل بالبراءة من أفعالهم. من غش، أو ظلم، أو تكبّر، فقد اقترب من خطهم وإن ادعى حب غيرهم.
روي عن الإمام محمد الباقر (عليه السلام) وهو يضع المعيار الحقيقي والفاصل بين الخطين، حيث يقول لجابر الجعفي :
"يَا جَابِرُ، أَيَكْتَفِي مَنِ انْتَحَلَ التَّشَيُّعَ أَنْ يَقُولَ بِحُبِّنَا أَهْلَ الْبَيْتِ؟ فَوَاللَّهِ مَا شِيعَتُنَا إِلَّا مَنِ اتَّقَى اللَّهَ وَأَطَاعَهُ، وَمَا كَانُوا يُعْرَفُونَ يَا جَابِرُ إِلَّا بِالتَّوَاضُعِ، وَالتَّخَشُّعِ، وَالأَمَانَةِ، وَكَثْرَةِ ذِكْرِ اللَّهِ، وَالصَّوْمِ، وَالصَّلَاةِ، وَالْبِرِّ بِالْوَالِدَيْنِ، وَالتَّعَاهُدِ لِلْجِيرَانِ مِنَ الْفُقَرَاءِ وَأَهْلِ الْمَسْكَنَةِ وَالْغَارِمِينَ وَالأَيْتَامِ، وَصِدْقِ الْحَدِيثِ، وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَكَفِّ الأَلْسُنِ عَنِ النَّاسِ إِلَّا مِنْ خَيْرٍ، وَكَانُوا أُمَنَاءَ عَشَائِرِهِمْ فِي الأَشْيَاءِ."
أسمى نتاج للخط المحمدي العلوي (أبو الفضل العباس بن علي عليه السلام) إذا أردنا أن نعرف كيف يصنع الخط المحمدي إنسانًا، فننظر إلى قمر بني هاشم، العباس بن علي (عليه السلام). لم يكن العباس مجرد مقاتل شجاع، بل كان تجسيدًا حيًا للأخلاق الإلهية، والوفاء المطلق، والوعي البصير.
يتجلى تمسكه بالخط المحمدي في أعظم صور التنمية الإيمانية من خلال مواقف تاريخية موثقة بالنص:
1. رفض الالتفاف والمكاسب الدنيوية (الأمان الأموي)
حينما جاءه شمر بن ذي الجوشن بـ"كتاب أمان" من عبيد الله بن زياد له ولإخوته، ليغريهم بترك الحسين (عليه السلام) والنجاة بأنفسهم والمكسب الدنيوي، وهي العقلية الأموية القائمة على المساومة بيعًا وشراءً، كان رد العباس صاعقًا يمثل صلابة المبدأ.
جاء في كتاب الإرشاد للشيخ المفيد:
"فَنَادَاهُمْ: أَيْنَ بَنُو أُخْتِنَا؟ فَقَامَ الْعَبَّاسُ وَجَعْفَرٌ وَعُثْمَانُ بَنُو عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ)، فَقَالُوا لَهُ: مَا لَكَ وَمَا تُرِيدُ؟ فَقَالَ: لَكُمْ يَا بَنِي أُخْتِي الْأَمَانُ. فَقَالَتْ لَهُ الْفِتْيَةُ: لَعَنَكَ اللَّهُ وَلَعَنَ أَمَانَكَ! أَتُؤْمِنُنَا وَابْنُ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) لَا أَمَانَ لَهُ؟!"
2. سحق الأنانية وإيثار الآخرين
حينما اقتحم العباس الفرات واغترف من الماء، وكان يشتد به العطش، تذكر عطش أخيه الحسين وعطش الأطفال، فرمى الماء من يده إيثارًا ووفاءً، في موقف يعجز المنهج النفعي الدنيوي عن فهمه.
النص الشريف: ينقل العلامة المجلسي في بحار الأنوار الأبيات الني نطق بها لسان حاله ونفسه الإيمانية عند النهر:
يَا نَفْسُ مِنْ بَعْدِ الْحُسَيْنِ هُونِي ... وَبَعْدَهُ لَا كُنْتِ أَنْ تَكُونِي
هَذَا الْحُسَيْنُ وَارِدُ الْمَنُونِ ... وَتَشْرَبِينَ بَارِدَ الْمَعِينِ
تَاللَّهِ مَا هَذَا فِعَالُ دِينِي .
العقيدة والوعي والثبات والبصيرة هنا هما المحرك، وليس المصلحة الذاتية، وهذا هو جوهر الخط المحمدي.
نتاج الخط والأخلاق الأموية (عمر بن سعد بن أبي وقاص)
في المقابل تمامًا، يقف عمر بن سعد كمثال صارخ لمن غرق في الخط الأموي وتبنى أخلاقه. لقد كان رجلًا يعرف الحق، ويعرف من هو الحسين (عليه السلام)، ولكنه سقط في فخ "الغاية تبرر الوسيلة" وتقديم الدنيا على الآخرة.
تجسد سلوكه الأموي في أمرين خطيرين:
1. بيع الدين بالملك والدنيا
عندما خُيِّر بين القيادة العسكرية لجيش عبيد الله بن زياد لقتل الحسين، وبين التخلي عن ملك الري (إقليم في إيران حاليًا)، عاش صراعًا لخصه في أبيات شهيرة تكشف عقلية الإنسان الذي يرى الآخرة ولكنه يفضل عاجل الدنيا عليها بالمنطق الأموي.
ينقل خوارزم في مقتل الحسين وابن طاووس في اللهوف قوله:
فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي وَإِنِّي لَحَائِرٌ ... أُفَكِّرُ فِي أَمْرِي عَلَى خَطَرَيْنِ
أَأَتْرُكُ مُلْكَ الرَّيِّ وَالرَّيُّ مُنْيَتِي ... أَمْ أَرْجِعُ مَأْثُومًا بِقَتْلِ حُسَيْنِ
يَقُولُونَ إِنَّ اللَّهَ خَالِقُ جَنَّةٍ ... وَنَارٍ وَتَعْذِيبٍ وَغَلِّ يَدَيْنِ
فَإِنْ صَدَقُوا فِيمَا يَقُولُونَ إِنَّنِي ... أَتُوبُ إِلَى الرَّحْمَنِ مِنْ سَنَتَيْنِ
وَإِنْ كَذَّبُوا فُزْنَا بِدُنْيَا عَرِيضَةٍ ... وَمُلْكٍ عَقِيمٍ دَائِمِ الْحَجَلَيْنِ
هذا هو الفكر الأموي بعينه: جعل الدين احتمالًا، والمكسب المادي يقينًا، وتأجيل التوبة كحيلة للمراوغة مع الله سبحانه وتعالى.
2. سحق الأخلاق من أجل إرضاء السلطان
ولأنه ركب هذا الخط، تدرج في السقوط السلوكي حتى نزع من قلبه كل مروءة، فكان هو من أمر برمي أول سهم في المعركة، وهو من أمر بالخيول أن تطأ جسد السبط الشهيد إرضاءً لولاته.
اللهم صل على محمد وآل محمد
"الخط الأموي والأخلاق الأموية"، هو منهج سلوكي، وعقلية فكرية، ومرض روحي يمكن أن يتسلل إلى نفس أي فرد منا في أي زمان ومكان إذا غفل عن مراقبة نفسه.
إن الابتعاد عن هذا الخط هو مسيرة "تنموية إيمانية" تتطلب وعيًا، وجهادًا للنفس، وتمسكًا حقيقيًا بالبديل النقي الذي يمثله خط محمد وآل محمد (عليهم السلام).
ما هو الخط الأموي في الميزان القرآني؟
الخط الأموي في جوهره هو تفضيل العاجلة على الآجلة، واستخدام الدين كوسيلة لتحقيق المآرب الشخصية، والاعتماد على الكبر، والمكر، وظلم العباد. وقد لخص القرآن الكريم خطورة هذا النهج الذي يتبعه طلب الدنيا بأي ثمن.
يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم محذرًا من تقديم زينة الدنيا على الحق:
{مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ ۖ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [سورة هود: 15-16]
وفي مقابل ذلك، يضع القرآن أساس الخط الهاشمي المحمدي الأصيل القائم على التواضع والعدل والارتباط بالآخرة:
{تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [سورة القصص: 83]
ركائز الأخلاق الأموية وكيفية التخلص منها
الخطوة الأولى في التنمية الإيمانية هي "التخلية قبل التحلية"؛ أي أن نعرف مكامن الخلل لنطهر أنفسنا منها.
إليكم أبرز ملامح السلوك الأموي وكيف نتخلص منها بهدي عترة النبي (عليهم السلام):
1. الكبر والاستعلاء مقابل التواضع
كانت العقلية الأموية قائمة على الاستعلاء الطبقي والقبلي والمالي. والتخلص من هذا المرض يكون بالخضوع لله والتواضع لعباده.
عن الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) أنه قال:
"إنَّ فِي السَّمَاءِ مَلَكَيْنِ مُوَكَّلَيْنِ بِالْعِبَادِ، فَمَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَاهُ، وَمَنْ تَكَبَّرَ وَضَعَاهُ."
2. الغدر والمكر (الغاية تبرر الوسيلة) مقابل الصدق والوفاء
تميز السلوك السياسي والاجتماعي الأموي بالمكر، والخديعة، ونكث العهود للوصول إلى الغايات الدنيوية. أما المؤمن، فضابط سلوكه هو التقوى، حتى وإن بدا للجاهل أن الماكر أذكى.
جاء في نهج البلاغة عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) في وصفه لهذا التمايز الأخلاقي:
"وَاللَّهِ مَا مُعَاوِيَةُ بِأَدْهَى مِنِّي، وَلَكِنَّهُ يَغْدِرُ وَيَفْجُرُ، وَلَوْ لَا كَرَاهِيَةُ الْغَدْرِ لَكُنْتُ مِنْ أَدْهَى النَّاسِ، وَلَكِنْ كُلُّ غُدَرَةٍ فُجَرَةٌ، وَكُلُّ فُجَرَةٍ كُفَرَةٌ، وَلِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يُعْرَفُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ."
3. ظلم العباد وقمع الحقوق مقابل العدل والإنصاف
يقوم الخط الأموي على استباحة حقوق الناس وامتصاص جهودهم لبناء الأمجاد الشخصية. والابتعاد عن هذا الخط يتطلب أن ينصف الإنسان الناس من نفسه أولًا.
روى الثقة الإرشادية الشيخ الكليني عن الإمام محمد بن علي الباقر (عليه السلام) في تغليظ حرمة الظلم:
"الظُّلْمُ ثَلَاثَةٌ: ظُلْمٌ يَغْفِرُهُ اللَّهُ، وَظُلْمٌ لَا يَغْفِرُهُ اللَّهُ، وَظُلْمٌ لَا يَدَعُهُ اللَّهُ؛ فَأَمَّا الظُّلْمُ الَّذِي لَا يَغْفِرُهُ اللَّهُ فَالشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَأَمَّا الظُّلْمُ الَّذِي يَغْفِرُهُ اللَّهُ فَظُلْمُ الرَّجُلِ نَفْسَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ، وَأَمَّا الظُّلْمُ الَّذِي لَا يَدَعُهُ اللَّهُ فَالْمُدَاقَّةُ بَيْنَ الْعِبَادِ."
خارطة طريق عملية للتنمية الإيمانية
كيف نترجم هذا الكلام إلى واقع عملي وتنمية حقيقية لذواتنا؟ إليكم خطوات مستقاة من سيرة أئمتنا (عليهم السلام):
محاسبة النفس اليومية: اجعل لنفسك وقتًا في نهاية كل يوم تسأل فيه: هل كان سلوكي اليوم يشبه سلوك أهل البيت (إنصاف، صدق، رحمة) أم اقترب من أخلاق الجبابرة (أنانية، غضب، مكر)؟
الورع عند الشبهات: الخط الأموي يتغذى على المال الحرام والشبهات. الالتزام بالمال الحلال يطهر القلب ويربط الروح بملكوت السماء.
الولاء والبراءة السلوكية: الرفض للخط الأموي لا يكون باللسان فقط، بل بالبراءة من أفعالهم. من غش، أو ظلم، أو تكبّر، فقد اقترب من خطهم وإن ادعى حب غيرهم.
روي عن الإمام محمد الباقر (عليه السلام) وهو يضع المعيار الحقيقي والفاصل بين الخطين، حيث يقول لجابر الجعفي :
"يَا جَابِرُ، أَيَكْتَفِي مَنِ انْتَحَلَ التَّشَيُّعَ أَنْ يَقُولَ بِحُبِّنَا أَهْلَ الْبَيْتِ؟ فَوَاللَّهِ مَا شِيعَتُنَا إِلَّا مَنِ اتَّقَى اللَّهَ وَأَطَاعَهُ، وَمَا كَانُوا يُعْرَفُونَ يَا جَابِرُ إِلَّا بِالتَّوَاضُعِ، وَالتَّخَشُّعِ، وَالأَمَانَةِ، وَكَثْرَةِ ذِكْرِ اللَّهِ، وَالصَّوْمِ، وَالصَّلَاةِ، وَالْبِرِّ بِالْوَالِدَيْنِ، وَالتَّعَاهُدِ لِلْجِيرَانِ مِنَ الْفُقَرَاءِ وَأَهْلِ الْمَسْكَنَةِ وَالْغَارِمِينَ وَالأَيْتَامِ، وَصِدْقِ الْحَدِيثِ، وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَكَفِّ الأَلْسُنِ عَنِ النَّاسِ إِلَّا مِنْ خَيْرٍ، وَكَانُوا أُمَنَاءَ عَشَائِرِهِمْ فِي الأَشْيَاءِ."
أسمى نتاج للخط المحمدي العلوي (أبو الفضل العباس بن علي عليه السلام) إذا أردنا أن نعرف كيف يصنع الخط المحمدي إنسانًا، فننظر إلى قمر بني هاشم، العباس بن علي (عليه السلام). لم يكن العباس مجرد مقاتل شجاع، بل كان تجسيدًا حيًا للأخلاق الإلهية، والوفاء المطلق، والوعي البصير.
يتجلى تمسكه بالخط المحمدي في أعظم صور التنمية الإيمانية من خلال مواقف تاريخية موثقة بالنص:
1. رفض الالتفاف والمكاسب الدنيوية (الأمان الأموي)
حينما جاءه شمر بن ذي الجوشن بـ"كتاب أمان" من عبيد الله بن زياد له ولإخوته، ليغريهم بترك الحسين (عليه السلام) والنجاة بأنفسهم والمكسب الدنيوي، وهي العقلية الأموية القائمة على المساومة بيعًا وشراءً، كان رد العباس صاعقًا يمثل صلابة المبدأ.
جاء في كتاب الإرشاد للشيخ المفيد:
"فَنَادَاهُمْ: أَيْنَ بَنُو أُخْتِنَا؟ فَقَامَ الْعَبَّاسُ وَجَعْفَرٌ وَعُثْمَانُ بَنُو عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ)، فَقَالُوا لَهُ: مَا لَكَ وَمَا تُرِيدُ؟ فَقَالَ: لَكُمْ يَا بَنِي أُخْتِي الْأَمَانُ. فَقَالَتْ لَهُ الْفِتْيَةُ: لَعَنَكَ اللَّهُ وَلَعَنَ أَمَانَكَ! أَتُؤْمِنُنَا وَابْنُ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) لَا أَمَانَ لَهُ؟!"
2. سحق الأنانية وإيثار الآخرين
حينما اقتحم العباس الفرات واغترف من الماء، وكان يشتد به العطش، تذكر عطش أخيه الحسين وعطش الأطفال، فرمى الماء من يده إيثارًا ووفاءً، في موقف يعجز المنهج النفعي الدنيوي عن فهمه.
النص الشريف: ينقل العلامة المجلسي في بحار الأنوار الأبيات الني نطق بها لسان حاله ونفسه الإيمانية عند النهر:
يَا نَفْسُ مِنْ بَعْدِ الْحُسَيْنِ هُونِي ... وَبَعْدَهُ لَا كُنْتِ أَنْ تَكُونِي
هَذَا الْحُسَيْنُ وَارِدُ الْمَنُونِ ... وَتَشْرَبِينَ بَارِدَ الْمَعِينِ
تَاللَّهِ مَا هَذَا فِعَالُ دِينِي .
العقيدة والوعي والثبات والبصيرة هنا هما المحرك، وليس المصلحة الذاتية، وهذا هو جوهر الخط المحمدي.
نتاج الخط والأخلاق الأموية (عمر بن سعد بن أبي وقاص)
في المقابل تمامًا، يقف عمر بن سعد كمثال صارخ لمن غرق في الخط الأموي وتبنى أخلاقه. لقد كان رجلًا يعرف الحق، ويعرف من هو الحسين (عليه السلام)، ولكنه سقط في فخ "الغاية تبرر الوسيلة" وتقديم الدنيا على الآخرة.
تجسد سلوكه الأموي في أمرين خطيرين:
1. بيع الدين بالملك والدنيا
عندما خُيِّر بين القيادة العسكرية لجيش عبيد الله بن زياد لقتل الحسين، وبين التخلي عن ملك الري (إقليم في إيران حاليًا)، عاش صراعًا لخصه في أبيات شهيرة تكشف عقلية الإنسان الذي يرى الآخرة ولكنه يفضل عاجل الدنيا عليها بالمنطق الأموي.
ينقل خوارزم في مقتل الحسين وابن طاووس في اللهوف قوله:
فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي وَإِنِّي لَحَائِرٌ ... أُفَكِّرُ فِي أَمْرِي عَلَى خَطَرَيْنِ
أَأَتْرُكُ مُلْكَ الرَّيِّ وَالرَّيُّ مُنْيَتِي ... أَمْ أَرْجِعُ مَأْثُومًا بِقَتْلِ حُسَيْنِ
يَقُولُونَ إِنَّ اللَّهَ خَالِقُ جَنَّةٍ ... وَنَارٍ وَتَعْذِيبٍ وَغَلِّ يَدَيْنِ
فَإِنْ صَدَقُوا فِيمَا يَقُولُونَ إِنَّنِي ... أَتُوبُ إِلَى الرَّحْمَنِ مِنْ سَنَتَيْنِ
وَإِنْ كَذَّبُوا فُزْنَا بِدُنْيَا عَرِيضَةٍ ... وَمُلْكٍ عَقِيمٍ دَائِمِ الْحَجَلَيْنِ
هذا هو الفكر الأموي بعينه: جعل الدين احتمالًا، والمكسب المادي يقينًا، وتأجيل التوبة كحيلة للمراوغة مع الله سبحانه وتعالى.
2. سحق الأخلاق من أجل إرضاء السلطان
ولأنه ركب هذا الخط، تدرج في السقوط السلوكي حتى نزع من قلبه كل مروءة، فكان هو من أمر برمي أول سهم في المعركة، وهو من أمر بالخيول أن تطأ جسد السبط الشهيد إرضاءً لولاته.
