إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

بدأت تضيق الأنفاس..انها ليلة الحسين

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • بدأت تضيق الأنفاس..انها ليلة الحسين

    اعظم الله اجورنا واجوركم
    اضغط على الصورة لعرض أكبر. 

الإسم:	17822897126a3b9530e139b.jpg 
مشاهدات:	25 
الحجم:	275.9 كيلوبايت 
الهوية:	1069182
    مقاتل الحسين.. تعبير عن بصمة كبرى في ضمير الأمة

    وفي دلالة على بصمة واقعة الطف الكبرى وحجم ومستوى التأثير الذي تركه مصرع سيد الشهداء وسبط النبي الأعظم في ضمير الأمة وأثاره في الرأي العام في المجتمع الإسلامي، هو حجم وكم وطريقة الرواية في خبر حركته ونهوضه ومسيرته واستنصاره ومكاتباته وصولا الى معركته وماجرى فيها من ملاحم الصبر والفداء...

    لم تكن واقعة قتل الحسين بن علي مجرد واقعة تاريخية عابرة أو حدث تاريخي يمر على الأمة والدولة في الإسلام دون أن يلازم تاريخ الإسلام ويشغل مساحات الفاعل على مستوى التأثير السياسي والاجتماعي ومساحات الانفعال على مستوى الشعور الاسلامي العام، وهو ما يميزه ويفرزه عن كل أحداث التاريخ الإسلامي ويتفوق على الأحداث الكبرى والوقائع العظمى التي شكلت وصنعت تاريخ الإسلام.

    وفي واقعة الطف التي قتل فيها الحسين بن علي امتزج الموقف الإسلامي بالشعور الإسلامي وفي إحدى صوره مزج متناقض، فهو يوم فرح عند فئة ويوم حزن عند فئة أخرى، وهو يحمل أي هذا التناقض هوية الصراع في الإسلام وطبيعته وتاريخه الممتد الى عصور لاحقة، وهو يكشف عن عمق التأثير على مستوى الفاعل ومستوى الانفعال الذي خلفه يوم قتل الحسين بن علي في ضمير الأمة ومع اضطراب الرؤية في مجتمع الإسلام والتي تكشف عنها ظاهرة يوم فرح عاشوراء والتي كانت تحرسها أنظمة الحكم في تاريخ الدولة الإسلامية وتحرص على ديمومتها تحذيرا من المعارضة للسلطة والحكم في دول الإسلام التي حافظ الكثير منها على المنحى الأموي في الإدارة والحكم وفساد الراعي، وهي تدرك جيدا بإمكان تكرار كربلاء وظهور الصوت المعارض وهو يلوح بسيف المواجهة والتحدي لكل طاغ وباغ.

    وليس أمرا اعتباطا أن يزور القائمين بالثورات والخارجين بالسيف على أئمة الجور بزيارة قبر الحسين قبل أن ينهضوا بوجه الطغاة وأئمة الجور[1] وليس اعتباطا أن يقول أحدهم وهو في مواجهة أعدائه "وهل ترك الحسين عذرا لابن حرة"[2].

    وفي دلالة على بصمة واقعة الطف الكبرى وحجم ومستوى التأثير الذي تركه مصرع سيد الشهداء وسبط النبي الأعظم في ضمير الأمة وأثاره في الرأي العام في المجتمع الإسلامي، هو حجم وكم وطريقة الرواية في خبر حركته ونهوضه ومسيرته واستنصاره ومكاتباته وصولا الى معركته وماجرى فيها من ملاحم الصبر والفداء ومواقف البطولات الملحمية وحتى لحظة استشهاده عليه السلام، وهي الحدث الوحيد والواقعة الفريدة في وقائع القتل والاستشهاد في تاريخ الإسلام التي حظت بمثل هذا الاهتمام واتسعت وامتدت الرواية وقرئت في كل أوساط الإسلام وعبر كل تاريخ الإسلام، وتكاد تكون هي الرواية الوحيدة التي تناقلها مجتمع الإسلام تواترا وليس مجرد روايات أحاد كما هو حال روايات تاريخ الإسلام التي تضمنتها كتب التاريخ ومؤلفات الإخباريين الكبار من المؤرخين المسلمين، وإذا كان أقدم رواية وصلت إلينا في المقتل هي رواية أبي مخنف تـ157هـ ويبدو أنها لم تكن رواية أحاد قام بنقلها أبي مخنف رغم أنه أشار الى رواتها وبعضهم شاهد وحضر الواقعة مثل عقبة بن سمعان مولى الرباب بنت إمريء القيس زوج الحسين عليه السلام، وقد رواها بواسطتين عن عقبة وسمعها من هشام بن محمد عن عبد الرحمن بن جندب عن عقبة بن سمعان، وهي رواية أكثر دقة وأكثر تفصيلا وأكثر ما رواه عن واقعة الطف هي بواسطتين عن شهود في الواقعة ومعاصرين للحدث الكبير في الكوفة وكربلاء.

    وقد تعددت مصادر نقله أو رواة الواقعة منذ أيامها الأولى الى خاتمتها في العاشر من المحرم وهو ما دعا المؤرخ الطبري الى وصف رواية أبي مخنف لاسيما في قصة مسلم بن عقيل بأنها أشبع وأتم من رواية عمار الدهني عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر والوسائط فيها أربعة الى أن تصل الى أبي مخنف[3]، وقد بلغ عدد من روى عنهم أبو مخنف واقعة الطف ما يقرب خمسين محدث وراو[4]، وبالمجموع الكلي إذا أدخلنا الوسائط في الرواية فإن العدد يبلغ مئة وخمسين محدث وراو وهذا العدد والكم من المحدثين والرواة لا سيما وأن منهم من لم يمتهن رواية التاريخ أو يصنف ضمن الرواة والاخباريين لا سيما الطبقة الأولى من رواة واقعة الطف، إنما يكشف عن تواتر الرواية والخبر وانتشار حديثه بين المسلمين خاصتهم وعامتهم أفرادهم ورواتهم وصولا الى القرن الثاني الهجري الذي عاش فيه أبو مخنف فضلا عن النصف الثاني من القرن الأول الهجري، وهو بالتأكيد يكشف أيضا عن عظيم تأثيره في حياة المسلمين وبصماته في تاريخ الإسلام.

    ونتيجة هذا الاهتمام الإسلامي والروائي العام في الإسلام وتكاثر الرواية فيه واتساع أعداد من كتبوا فيه ونقلوا أخبار الطف ويوم قتل الحسين نشأت ظاهرة فريدة وخاصة في أداب التاريخ وصنوفه وتحت اسم أو عنوان المقاتل ومفردها المقتل أو مقتل الحسين، وأطلق على مؤلفيها وأصحابها أرباب المقاتل فصارت علما لهم وتصنيفا خاصا بهم، ورغم وجود أسماء كتب أخرى تحمل اسم المقتل وتروي وقائع مقتل رجال وعظماء في الإسلام مثل "مقتل أمير المؤمنين" وهي في قتل علي بن أبي طالب عليه السلام وكذلك مقاتل جاءت بأسماء أخرين مثل مقتل عمر بن الخطاب ومقتل عثمان بن عفان إلا التسمية كادت أن تنحصر في اسم مقتل الحسين عليه السلام[5] وقد أحصى الشيخ العلامة آغا بزرك الطهراني ما ينوف على الثمانين من كتب المقاتل مع تراجم لأصحابها[6].

    وأهم مصادر المقاتل وأقدمها التي نقل عنها المؤرخون وأرباب المقاتل واقعة الطف وضاعت أصولها مع قدم الزمان ولكن ذاكرة التاريخ احتفظت بروايتها وتدوينها هي:

    1- مقتل الحُسَين - أبو القاسم الأصبغ بن نباتة المجاشعي التميمي من خاصة أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام ومن شرطة الخميس وقيل كان معمرا توفي في المائة الثانية من الهجرة.

    2- مقتل الحُسَين - أبو محمد جابر بن يزيد الجعفي لقي أبا جعفر وأبا عبدالله عليهما السلام تـ 128هـ

    3- مقتل أبي عبد الله الحُسين - ابي اسحاق إبراهيم بن محمد بن سعيد هلال بن عاصم بن سعد بن مسعود الثقفي كوفي الأصل واصفهاني السكن كان زيديا ثم صار اماميا تـ 283 هـ.

    4- مقتل الحُسَين - أبو مخنف لوط بن يحيى بن سعيد بن مخنف بن سالم الأزدي الغامدي شيخ الاخباريين بالكوفة وقيل روى عن جعفر بن محمد وقيل عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر وقالوا لم يروي عنهما تـ157هـ ونسبته المصادر الى التشيع.

    5 - مقتل الحسين - أبو المنذر هشام بن محمد بن السائب الكلبي تـ 204 هـ وقيل شيعيا وقيل عاميا.

    6 - مقتل الحسَين - أبو اسحاق ابراهيم بن اسحاق الأحمري النهاوندي وقيل متهم تـ295هـ.

    7- مقتل الحسين – أبو العباس أحمد بن إسحٰق بن جعفر بن وهب بن واضح اليعقوبي المؤرخ والجغرافي تـ بعد292هـ.

    8 مقتل الحسين - أبو الفضل سلمة بن الخطاب البراوستاني من شيوخ صاحب بصائر الدرجات تـ290هـ.

    9- مقتل الحسين - أبو أحمد عبد العزيز بن يحيى بن أحمد بن عيسى الجلودي وشيخ الامامية في البصرة وشيخ جعفر بن قولويه صاحب مسند أمير المؤمنين تـ332هـ.

    10- مقتل الحسين – أبو زيد عمارة بن زيد الخيواني الهمداني صاحب المغازي من أهل الماءة الرابعة من الهجرة.

    11- مقتل الحسين - أبو جعفر محمد بن أحمد بن يحيى بن عمران بن عبدالله بن سعد بن مالك الأشعري القمي تـ270 - 280هـ وهو من الأشاعرة القميين المحدثين.

    12- مقتل الحسين - أبو جعفر محمد بن علي بن بابويه القمي من أعظم فقهاء ومحدثي الشيعة الامامية وقد أحال إليه في كتابه الخصال تـ381هـ

    13- مقتل الحسين – محمد العلابي صاحب كتاب الحديث 6: 362 مولى بني علاب البصري تـ 298هـ.

    14- مقتل الحسين – أبو عبيدة معمر بن المثنى التيمي مولاهم البصري النحوي صاحب التصانيف تـ209هـ وهو من علماء العامة.

    15- مقتل الحسين – الحسين بن زياد التستري وفي ترجمة أخرى أبي سعيد الحسن بن عثمان بن زياد التستريّ كان مقدّماً تاريخيا على الشيخ الصدوق أو معاصراً له وقد نقل الشيخ الصدوق في أماليه عن هذا الكتاب.

    16- مقتل الحسين – محمد بن الحسن بن علي الطوسي المعروف بشيخ الطائفة تـ460هـ وسماه ابن شهر آشوب "مختصر في قتل الحسين".

    17- مقتل الحسين – محمد بن علي بن الفضل بن تمام بن سكين شيخ ابن الغضائري وفي طبقة الصدوق تـ بعد 340هـ.

    18 – مقتل الحسين - أبي عبداللَّه محمّد بن عمر الواقدي المدنيّ البغداديّ صاحب كتاب المغازي تـ 207هـ ونسب الى التشيع وقيل عاميا.

    19 – مقتل الحسين- السيّد نجم الدين محمد بن أميركا بن أبي الفضل الجعفري القوسيني واسم الكتاب والمؤلّف ذكرا في فهرس منتجب الدين عاش في القرن السادس من الهجرة.

    20 – مقتل الحسين- نصر بن مزاحم المنقري صاحب كتاب وقعة صفّين تـ 212 هـ.

    21- مقتل الحسين – محمد بن محمد بن مساعد بن العياش العاملي المعاصر للشهيد الثاني تـ 966هـ.

    22- مقتل الحسين - السيّد بهاء الدين عليّ بن غياث الدين عبدالكريم‌ بن عبدالحميد الحسيني النيليّ النجفيّ النسّابة ويعدّ من العلماء المعروفين في القرن الثامن ومن التلامذة البارزين لفخر المحقّقين الحلّي.

    23- مقتل الحسين – الشيخ أحمد بن نعمة الله بن خواتون تلميذ الشهيد الثاني‌ تـ بعد 988هـ.

    33- مقتل الحسين - لعبد اللَّه بن محمّد بن أبي الدنيا الاموي وهو من علماء أهل السنّة تـ 281هـ.

    34 - مقتل الحسين - أبي الحسن عليّ بن محمّد المدائني وذُكر هذا الكتاب أيضاً باسم " السيرة في مقتل الحسين" تـ225هـ واختلف في تشيعه.

    35- مقتل أبي عبداللَّه الحسين - أبي جعفر محمّد بن أحمد بن يحيى بن عمران الأشعري القمّي من محدّثي القرن الرابع الهجري وفقهائه وله أيضاً كتاب: ما نزل من القرآن في الحسين بن عليّ

    36- مقتل الحسين – قال النجاشي (أبي جعفر بن يحيى العطّار القمّي شيخ أصحابنا في زمانه ثقة عين كثير الحديث).

    37- مقتل الحسين - أحمد بن عبد الله البكري أستاذ الشهيد الثاني وتوجد نسخة المقتل في مكتبة جامعة القرويين في مدينة فاس بالمغرب.

    38- مقتل الحسين - ابن شهر آشوب أبوجعفر محمّد بن عليّ بن شهر آشوب بن أبي نصر بن أبي الجيش المازندرانيّ المعروف بـابن شهر آشوب تـ588.

    39- مقتل الحسين - نجم الدين جعفر بن نجيب الدين محمد بن جعفر بن أبي البقاء هبة الله بن نما الحلي تـ645هـ وله كتاب مثير الأحزان ومنير سبل الأشجان في القتل.

    40 – مقتل الحسين - أبو الحسين الشافعي صاحب المفيد في الحديث يروي عنه النجاشي بتوسط شيخه أحمد بن عبد الواحد بن عبدون.

    41- مقتل الحسين - أبو عبيد القاسم بن سلار ـ سلام ـ الهروي وهو من كبار علماء العامة تـ224هـ.

    42- مقتل الحسين - عبدالله بن محمد بن عبد العزيز البغوي. الحافظ الإمام الحجة المعمر مسند العصر أبو القاسم البغوي الأصل البغدادي الدار والمولد منسوب إلى مدينة بغشور من مدائن إقليم خراسان من كبار المفسرين وعلماء العامة ت 317 هـ.

    43- مقتل الحسين - عمر بن الحسن بن علي بن مالك الشيباني من علماء العامة ومتهم في مصادرهم بالكذب ولعل لك لميله الى التشيع كما هي عادة تلك المصادر تـ339هـ.

    44- مقتل الحسين- ضياء الدين أبو المؤيد الموفق بن أحمد بن محمد بن أحمد بن أبي سعيد إسحاق المؤيد المكي الحنفي أخطب خوارزم وخليفة الزمخشري عالم وفقيه وأديب ولغوي وشاعر من علماء العامة وله كتاب "مناقب أمير المؤمنين عليه السلام" تـ 568هـ.

    45- مقتل الحسين - أبو القاسم محمود بن المبارك الواسطي أبو القاسم محمود بن المبارك بن علي بن المبارك الواسطي ثم البغدادي من كبار علماء العامة قال عنه في سير أعلام النبلاء (الشيخ الإمام العلامة الأصولي كبير الشافعية) تـ 592 هـ.

    46- مقتل الحسين – عبد الرزاق بن رزق الله بن أبي بكر ابن خلف الجزري أبو محمد عز الدين الرسعني من علماء العامة - الحنابلة ولد في جزيرة ابن عمر ومنها جاء لقبه تـ661هـ.

    47- مقتل الحسين - سليمان بن أحمد الطبراني من علماء العامة قال عنه الذهبي (لإمام الحافظ الثقة الرحال الجوال محدث الإسلام علم المعمرين أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي الشامي الطبراني صاحب المعاجم الثلاثة ) تـ360هـ

    48- مقتل الحسين – السيد رضي الدين علي بن موسى بن جعفر بن طاووس المعروف بالسيد ابن طاووس من كبار علماء الامامية و له كتاب الملهوف على قتلى الطفوف وكتاب المصرع الشين في قتل الحسين تـ664 هـ.

    وهي بعض من المقاتل التي كتبت من القرن الأول الهجري الى القرن العاشر الهجري[7] والكثير منها لم يعثر على نسخها وإنما روت عنها الكتب والمقاتل التي صنفت بعد عصرها.

    وإضافة الى ذلك فيما خلفت واقعة الطف من بصمة كبرى في تراث الإسلام أن أدبا خاصا نشأ شعرا ونثرا في نظم ورواية واقعة الطف حتى ظهر في مجالات الكتابة والتأليف عنوانا خاصا "أدب الطفوف" وقد جاءت تسمية كتاب السيد الشهيد جواد شبر تحت عنوان "أدب الطفوف وشعراء الحسين" وهو يضم على سعته في موضوعه عشرة أجزاء من الحجم الكبير وقد ذكر السيد شبر في مقدمة كتابه (إن الشعر الذي قيل في يوم الحسين عليه السلام يحتاج الى مئات المجلدات إذا أردنا استقصاءه وجمعه)[8] وهو ما يشكل مادة وموضوع أدب الطف ويقول أيضا (أن شاعرا واحدا هو الشيخ أحمد البلادي من شعراء القرن الثاني عشر الهجري نظم ألف قصيدة في رثاء الإمام الحسين ودونها في مجلدين)[9]، وذكر السيد شبر أسماء الشعراء والأدباء الذين كتبوا دواوين خاصة في رثاء الإمام الحسين وهي تكشف عن عميق الأثر الذي خلفته واقعة الطف ومأساة قتل الإمام الحسين في ضمير المجتمع الإسلامي وأثاره الأدبية والثقافية في حياة المؤمنين وشيعة أمير المؤمنين[10]. .......................................

    [1] - فقد زاره التوابين قبل خروجهم على طغاة الأمويين وبكوا ولطموا الصدور عنده وتعاهدوا على أخذ الثأر له وزاره أصحاب أبي السرايا وكان أبو السرايا معهم وتعاهدوا عند قبره قبل الخروج على طغاة بني العباس-

    [2] - كلمة قالها مصعب بن الزبير وقد احدقت به جيوش عبد الملك بن مروان وقتل على أثرها-

    [3] - تاريخ الطبري، حوادث سنة60هـ-

    [4] - المصدرنفسه، حوادث سنة 60هـ-

    [5] الذريعة الى تصانيف الشيعة، ج22-

    [6] - المصدر نفسه ج22-

    [7] - راجع- – والذريعة الى تصانيف الشيعة -الشيخ الطهراني، وموسوعة المقاتل الحسيتنية -العتبة الحسينية، و موسوعة الإمام الحسين في الكتاب والسنة والتاريخ - محمدي ري‌ شهري، وقد نقلت تلك المصادر في أغلبها عن الفهرست لابن النديم ورجال النجاشي ومصادر أخرى-

    [8] - أدب الطف وشعراء الحسين،السيد جواد شبر،ج1 – المقدمة

    [9] – المصدر نفسه -

    [10] – المصدر نفسه -


  • #2
    من رسائل عاشوراء: الحرية




    أعطى الامام الحسين، عليه السلام، أكمل وأشمل معنى لحرية الانسان في هذه الحياة عندما أعلن في ليلة عاشوراء عن حلية أصحابه المتبقين معه، وكانوا هم الثلاثة والسبعون رجلاً، من بيعته كإمام معصوم مفترض الطاعة، و"أن هذا الليل فاتخذوه جملا"، أي تفرقوا في سواد هذه الليل فان القوم لا يطلبون غيري، فلماذا تقتلون أنفسكم معي؟!
    أعطى الامام الحسين، عليه السلام، أكمل وأشمل معنى لحرية الانسان في هذه الحياة عندما أعلن في ليلة عاشوراء عن حلية أصحابه المتبقين معه، وكانوا هم الثلاثة والسبعون رجلاً، من بيعته كإمام معصوم مفترض الطاعة، و"أن هذا الليل فاتخذوه جملا"، أي تفرقوا في سواد هذه الليل فان القوم لا يطلبون غيري، فلماذا تقتلون أنفسكم معي؟!
    هذا السؤال المحوري والتاريخي الذي يشغل المفكرين والفلاسفة على مر الزمن للبحث عن حقيقة شخصية الانسان، وهل هو مسيّر أم مخيّر؟ وما هي فلسفة وجوده في هذه الحياة؟ أجاب عنه أولئك الرجال الملخصين والصادقين ما عاهدوا الله عليه، فاستخدموا ارادتهم وحريتهم وعقولهم في صناعة الموقف واتخاذ القرار الحاسم بإيمان عميق ونفس مطمئنة، فاصبحوا مثالاً للأحرار في كل مكان ممن يرومون تحقيق التغيير في حياتهم الشخصية والجماعية، طبعاً؛ نفس الموقف كرره الحُر الرياحي بشكل يدعو للتأمّل، فهو ما سمع وما شهد الحوار الامام الحسين وأصحابه ليلة عاشوارء، إنما استوقفته "الخِصال" التي عرضها الامام في خطاباته ظهيرة العاشر من المحرم، فاستخدم هو الآخر حريته الحقيقية لاتخاذ الموقف الخالد.
    ومنذ ذلك اليوم وللحرية طعمٌ مميز، ومعنى آخر لم تعهده البشرية من قبل، ولم تجربه في قادم الأيام والدهور، ولها فقط التطلع اليها كصورة مشرقة مثل الشمس لمفهوم انساني بشّر به القرآن والإسلام، بغية الاقتداء وتكرار التجربة على مر السنين.
    لكن كيف تحول مفهوم الحرية يوم عاشوراء الى ما يشبه الشمس لأهل الأرض، تُعلّم جميع أهل العالم دون استثناء كيف يحققون الحياة وإن كانت هذه الحرية تدعوهم الى الممات؟!
    1- لأنها تخرجهم من قفص الذات وحدود المصالح الشخصية، والرؤية المادية للحياة، الى ما هو أبعد مادياً ومعنوياً، فان كان الواحد منّا يبحث عن فرصة العمل، والبيت المريح، والزوجة الصالحة، والحياة الآمنة، فان عدم استجابته لأهوائه ورغباته هي التي تضمن له عدم السقوط في مهاوي الانحراف والفساد كما يحصل للكثير ممن تسألهم عن دوافع القبول بواقع الفساد والرشوة والكذب والاحتيال، يُجيبك: "إنها مقتضيات الحياة"! و "أن يكون الانسان غنياً أفضل من أن يكون فقيراً ومحتاجاً للآخرين"!، مع علمهم بالعواقب السيئة لاعمالهم، بيد أن البعض يعد نفسه شاطراً فيسعى للابتعاد عن مواطن الشبهة والاحتكاك بالطبقة المظلومة حتى لا ينكشف أمره ويكون طعمة للانتقام، وهو مسعى خائب في معظم الأحيان حسب تجارب الزمان.
    2- لأنها تخرجهم من قفص الانتماءات العشائرية والحزبية والاثنية التي تجعلهم صامولة (برغي بالمصطلح العراقي) في ماكنة الجماعة، وطالما حذرنا القرآن الكريم من هذا المنزلق وأن {أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ}، و{ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ}، و{أَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ}، حتى أمير المؤمنين نبه بهذه الحقيقة بوجود شريحة "الهمج الرعاع ينعقون مع كل ناعق"، وحذرنا من أن نكون منهم، وأن نكون "طلاب على سبيل نجاة"، إن لم نفلح في "عالم متعلّم".
    الحرية الحقيقية في عاشوراء تعلمنا أن العيب والاحراج وغيرها من المصطلحات الدارجة تصلح فقط عند اعتاب القيم والمبادئ السماوية لأن {وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِ مِنْ الْحَقِّ}، وليس على اعتاب بناية أو مؤسسة لجماعة أو شخصية معينة مهما كانت، فالمعيار هو الحق لا غير، ولذا نجد أصحاب الامام الحسين صاغوا لأنفسهم شخصيات لا تشبه انتماءاتهم السابقة، واصبحوا حسينيين بامتياز، فكانت الجائزة الرائعة والعظيمة من الامام الحسين لذلك المقاتل الذي كان بالأمس ينتمي الى شريحة العبيد، ويضع خده على خده وهو حيّ ليتحسس حلاوة الكرامة والعزّ بنفسه وهو على قيد الحياة، ونقرأ عنه في التاريخ أنه ابتهج كثيراً لأن الامام ساوى بينه وبين ابنه على الأكبر، سلام الله عليه، عندما وضع خده الشريف على خدّ ابنه بعد استشهاده.
    3- لأن هذه الحرية تعلو على الحكام والسلاطين وما لديهم من أجهزة إعلام ومخابرات وتكنولوجيا عسكرية في قدرتها على تغيير الواقع.
    في العقود الماضية خلال القرن الماضي جرّب الحكام والأنظمة الديكتاتورية مصادرة حريات الشعوب بالحديد والنار والسجون والاعدامات الجماعية، ثم استخدموا أسلوب التجويع والحرب النفسية حتى لا يفكر أحد بأنه حُر في قراره ومصيره، وعليه الانصياع لأوامر الحاكم، وعندما وجدوا المقاومة الشديدة والاستبسال في أن يكونوا أحراراً في ديناهم، بدأوا تجربة جديدة اليوم لمصادرة هذا النوع الخاص من الحرية بضربها بالحرية نفسها! من خلال فصل قيم الدين والأخلاق عن مفهوم الحرية وجعلها مثل الدواب تسير على الأرض لا أحد يلومها على ما تفعل.
    في مقالات سابقة ذكرت وأكدت على أن الامام الحسين، عليه السلام، ليس مشروع موت بقدر ما هو مشروع حياة وسلام وأمان لأهل العالم اذا ما استفادوا من شعاع النهضة الحسينية بالشكل الصحيح والمتكامل، فالذين خذلوا الامام الحسين يوم عاشوراء، سواءً من تنحّى جانباً طلباً للسلامة، أو من استحال سيفاً بيد السلطة الأموية لقتل ابن بنت رسول الله، هؤلاء ماتوا بعد حين، كما مات أصحاب الامام الحسين يوم عاشوراء، ولكن لسان حالهم قول الشاعر ابو الحسن التهامي:
    جاورت أعدائي وجاور ربه
    شتّان بين جواره وجواري
    حتى قادة الجيش الأموي لم يسعدوا لحظة واحدة بعد ظهيرة يوم العاشر من المحرم، كما تنبأ الإمام الحسين لعمر بن سعد ب"أنك لن تفرح بعدي في دنياً ولا آخرة".
    وهذا تحديداً ما يخشاه الحكام في كل مكان، واقصد بالتحديد من يحكمون البلاد الإسلامية بأن يجدوا الناس اكتشفوا الطريق الصحيح الى الحياة الكريمة، ويتضح فساد طريقهم ومحاولاتهم رغم الحريات المغرية التي يتحدثون عنها عبر وسائل الاعلام، وعبر الندوات والمؤتمرات هنا وهناك.


    ​شبكة النبا المعلوماتية

    تعليق


    • #3

      لماذا كانت ثورة الإمام الحسين إحياءً للدين؟

      هل يموت الدين، وهل يمكن أن تموت الثورة؟



      اضغط على الصورة لعرض أكبر. 

الإسم:	17822892886a3b9388da3c8.jpg 
مشاهدات:	26 
الحجم:	329.8 كيلوبايت 
الهوية:	1069185
      كان الدين موجودًا من حيث الشكل، لكن الممارسة السياسية والاجتماعية أخذت تبتعد عن قيمه. وكان يُراد للناس أن يعتادوا هذا التناقض، فيروا الظلم يُمارس باسم الدين، ثم يتعاملوا معه كأنه واقع طبيعي لا يجوز الاعتراض عليه. ولو سكت الإمام الحسين، بما يمثله من مكانة وقرب من رسول الله...

      هل يموت الدين؟

      قد يبدو هذا السؤال غريبًا؛ فالدين وحي من الله، والقرآن محفوظ، والصلاة قائمة، والمساجد عامرة. ومن هذه الناحية لا يموت الدين، لأن مصدره إلهي، ولأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾.
      لكن الدين قد يموت في ضمير الإنسان، وقد يفقد أثره في المجتمع، مع بقاء نصوصه وشعائره. يموت عندما يصبح كلامًا لا يغير السلوك، وصلاة لا تمنع الظلم، وصيامًا لا يهذب النفس، وخطابًا لا يوقظ الضمير. وقد يبقى حاضرًا في المساجد والمجالس، لكنه يغيب عن السوق والمحكمة والدائرة الحكومية، وعن العلاقة بين القوي والضعيف.
      لا يموت الدين باختفاء اسمه فقط، بل قد يموت وهو حاضر بكثرة في الشعارات. وربما كان هذا أخطر أنواع موته؛ لأن الناس يظنون أنهم يحفظونه، بينما لا يحفظون إلا صورته. فقد يتحدث المسؤول عن الدين ثم يظلم الناس، ويرفع التاجر شعاراته ثم يغشهم، ويقيم الموظف الشعائر ثم يأخذ الرشوة، ويدعو الإنسان إلى العدالة ثم يرفضها عندما تتعارض مع مصلحته.
      عندئذ يبقى الدين على اللسان، لكنه يموت في الموقف.
      ويموت الدين أيضًا عندما يُستخدم لتبرير الاستبداد، أو لحماية الفاسد، أو لإسكات من يطالب بالحق. ويموت عندما تتحول طاعة الله إلى طاعة عمياء للأشخاص، ويُطلب من الناس أن يقبلوا الظلم بحجة الاستقرار. فالخطر على الدين لا يأتي دائمًا ممن يحاربه، بل قد يأتي ممن يتحدث باسمه ثم يفرغه من العدل والرحمة والكرامة.
      إن الدين الحي ليس الدين الذي تكثر مظاهره فحسب، بل الدين الذي يظهر أثره في سلوك الإنسان. هو الذي يجعل القاضي أكثر عدلًا، والتاجر أكثر أمانة، والموظف أكثر إخلاصًا، والمسؤول أكثر تواضعًا، والإنسان أكثر شعورًا بمعاناة الآخرين. فإذا انفصل الاعتقاد عن العمل، بقيت صورة الدين وغابت روحه.
      كيف أحيا الإمام الحسين الدين؟

      في هذا المعنى كانت ثورة الإمام الحسين عليه السلام إحياءً للدين. لم يخرج الحسين لأن الناس نسوا الصلاة والصيام، ولم يكن القرآن غائبًا عنهم، وإنما خرج لأن جوهر الدين كان مهددًا. كان الخطر أن يتحول الدين من قوة تحمي العدالة وكرامة الإنسان إلى غطاء يمنح السلطة شرعية الصمت والخضوع.
      كان الدين موجودًا من حيث الشكل، لكن الممارسة السياسية والاجتماعية أخذت تبتعد عن قيمه. وكان يُراد للناس أن يعتادوا هذا التناقض، فيروا الظلم يُمارس باسم الدين، ثم يتعاملوا معه كأنه واقع طبيعي لا يجوز الاعتراض عليه.
      ولو سكت الإمام الحسين، بما يمثله من مكانة وقرب من رسول الله صلى الله عليه وآله، لأمكن أن يُفهم سكوته قبولًا، وأن يتحول الانحراف إلى واقع يكتسب شرعيته بمرور الزمن. لذلك لم يكن موقفه طلبًا لمنصب أو مجد شخصي، بل دفاعًا عن معنى الدين نفسه.
      وقد أوضح غاية خروجه بقوله: "إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي" والإصلاح هنا لم يكن مجرد تغيير سياسي، بل إعادة الصلة بين الدين والعدل، وبين الإيمان والمسؤولية، وبين العبادة وكرامة الإنسان. أراد الحسين ألا يصبح الباطل حقًا لأن صاحبه قوي، وألا تتحول السلطة إلى جهة فوق المحاسبة لأنها تتحدث باسم الدين.
      أحيا الحسين الدين عندما أعلن أن الطاعة ليست خضوعًا مطلقًا للبشر، وأن امتلاك القوة لا يجعل صاحبها ممثلًا للحق. فالشرعية لا تصنعها السيوف، وإنما يصنعها العدل وحفظ حقوق الناس. وكل سلطة تريد من الدين أن يمنحها الطاعة، لكنها ترفض أن يحاسبها، تريد دينًا بلا ضمير.
      وأحيا الدين عندما أعاد إلى الإنسان معنى المسؤولية. فالمؤمن لا ينجو بنفسه ويترك مجتمعه يسقط من حوله، والإيمان ليس علاقة فردية تنتهي عند أبواب المسجد، بل يظهر في موقف الإنسان من الظلم، ومن المال العام، ومن الفقير، ومن الضعيف الذي تُهدر حقوقه أمامه.
      كما أحيا معنى الحرية؛ فالحرية ليست مجرد التحرر من حاكم ظالم، بل تحرر الإنسان من الخوف والطمع. فقد يكون الإنسان حرًا في ظاهره، لكنه عبد لمنصب يخشى فقدانه، أو لمال يطمع فيه، أو لجماعة يخاف مخالفتها. أما الحسين فكان حرًا لأنه لم يسمح للخوف على حياته ولا لمغريات الدنيا أن تحدد موقفه.
      ولم تكن ثورته طلبًا للموت، بل دفاعًا عن حياة لا تفقد كرامتها. فقد أدرك أن سلامة الجسد لا تكفي إذا كان ثمنها موت الضمير، وأن كلفة الصمت على مستقبل الأمة قد تكون أشد من كلفة المواجهة.
      استطاع خصوم الحسين أن يحسموا المعركة عسكريًا، لكنهم لم يستطيعوا أن يحسموا معناها. امتلكوا أرض المعركة، لكنه امتلك ضمير التاريخ. لقد أعادت ثورته تعريف الانتصار؛ فقد ينتصر المظلوم إذا حفظ مبدئه، وقد ينهزم صاحب القوة إذا فقد شرعيته وإنسانيته.
      وهكذا أحيا الإمام الحسين الدين لأنه أعاده من أيدي السلطة إلى ضمير الإنسان، وربط العبادة بالعدل، والإيمان بالموقف، والكلمة بالفعل. لم يسمح للدين أن يتحول إلى ستار يغطي الظلم، بل أعاده قوة تكشفه وتقاومه.
      هل يمكن أن تموت الثورة؟

      الثورة بوصفها حدثًا تاريخيًا تنتهي بانتهاء زمانها، أما بوصفها فكرة وقيمة فقد تبقى حية عبر القرون. وثورة الإمام الحسين لم تبقَ لأن الناس حفظوا تفاصيل معركة الطف فقط، بل لأنها عبّرت عن صراع يتكرر في كل عصر: الصراع بين الحق والباطل، وبين الكرامة والمصلحة، وبين الإنسان الحر والإنسان الذي يبيع موقفه خوفًا أو طمعًا.
      ومع ذلك، يمكن أن تموت الثورة فينا، حتى ونحن نحيي ذكراها.
      تموت عندما تتحول إلى كلمات لا تغير السلوك، وإلى دمعة لا تمنع ظلمًا، وإلى شعار يُرفع في الشوارع ولا يدخل إلى المؤسسات. وتموت عندما نتحدث عن عدالة الحسين ثم نظلم من هم تحت سلطتنا، ونمدح شجاعته ثم نصمت أمام الفساد، ونعلن الولاء له ثم نبرر أخطاء القريب والمنتمي إلى جماعتنا.
      ويمكن أن تموت الثورة بالطقوس نفسها إذا انفصلت الطقوس عن معانيها. فالطقوس تحفظ الذاكرة، وتربط الأجيال بالحسين، وتمنح المناسبة عمقها الوجداني، لكنها ليست غاية في ذاتها. فإذا تحولت إلى بديل عن الإصلاح، ومنحت الإنسان شعورًا بأنه أدى واجبه لمجرد المشاركة فيها، فإنها لا تعود وسيلة لإحياء الثورة، بل تصبح قادرة على أن تُميت الثورة.
      قد يبكي الإنسان على الحسين ثم يظلم عاملًا ضعيفًا، ويرفع رايته ثم يأخذ رشوة، ويردد كلمات الحرية ثم يمارس الاستبداد داخل أسرته أو مؤسسته. هنا تبقى الثورة حاضرة في المجلس، لكنها تغيب عن الحياة، وتتحول الطقوس إلى ستار يخفي التناقض بين القول والعمل.
      لم يستشهد الإمام الحسين لكي نكتفي بالحزن عليه، بل لكي نرفض الأسباب التي صنعت المأساة. فالبكاء الصادق هو الذي يجعل الإنسان أكثر إحساسًا بالمظلوم، وأكثر رفضًا للفساد، وأشد حرصًا على حقوق الناس. أما دمعة لا تمنع صاحبها من أكل حق الآخرين، فلا تحمل من رسالة الحسين إلا صورتها.
      وليس الامتحان أن نقول إننا كنا سنقف مع الحسين لو كنا في كربلاء؛ فالماضي لا يطالبنا اليوم بثمن. الامتحان الحقيقي هو موقفنا من كربلاء الحاضر: عندما يُظلم موظف، أو يُحرم فقير، أو يُسرق المال العام، أو يُعاقب إنسان لأنه قال الحقيقة، أو يُطلب منا أن نصمت عن فساد نعرفه.
      قد لا تظهر في هذه المواقف الرايات والأسماء التاريخية، لكن جوهر الامتحان واحد: مصلحة تدعو إلى الصمت، وضمير يدعو إلى الموقف. وهنا نعرف إن كانت الثورة حية فينا أم تحولت إلى عادة موسمية.
      إن ثورة الحسين لا تموت في التاريخ، لأنها متصلة بحاجة الإنسان الدائمة إلى العدل والحرية والكرامة، لكنها قد تموت في مجتمع يكثر من الحديث عنها ويقل فيه العمل بمعانيها. وقد تكون راياتها مرفوعة، بينما يكون العدل غائبًا والفساد منتشرًا وحقوق الضعفاء مهدرة.
      ولهذا فإن حماية الثورة من الموت لا تكون بكثرة الطقوس وحدها، بل بتحويلها إلى طاقة أخلاقية وإصلاحية. فالطقس الذي لا يقود إلى موقف، والحزن الذي لا ينتج مسؤولية، والولاء الذي لا يمنع الظلم، قد يتحول إلى قشرة تحجب الثورة بدل أن تحفظها.
      تبقى ثورة الحسين حية في أمانة الموظف، وعدل القاضي، وصدق التاجر، وإنصاف الأستاذ، وتواضع المسؤول، وشجاعة من يقول الحق. وتبقى حية عندما نرفض فساد القريب كما نرفض فساد الخصم، وننصر المظلوم ولو لم يكن من جماعتنا، ونحفظ المال العام ولو غابت الرقابة.
      لقد أحيا الإمام الحسين الدين بموقفه، ومسؤوليتنا ألا نُميت ثورته بطقوس منفصلة عن قيمها. فالحسين لا يريد منا ذاكرة تبكي فقط، بل ضميرًا يستيقظ، وإنسانًا يتغير، ومجتمعًا يجعل العدل أعلى من الخوف والمصلحة.



      د. عقيل كريم الحسناوي​

      تعليق


      • #4
        فَلَمَّا الْتَقَى الْجَمْعانِ في أرْضِ کَرْبَلا *** تَباعَدَ فِعْلُ الْخَيْرِ وَاقْتَرَبَ الشَّرُّ

        فَحاطُوا بِهِ في عَشْرِ شَهْرِ مُحَرَّم *** وَبيضُ الْمَواضِي في الاَْکُفِّ لَها شَمْرُ

        فَقامَ الْفَتى لَمـّا تَشاجَرَتِ الْقَنا *** وَصالَ، وَقَدْ أَوْدى بِمُهْجَتِهِ الْحَرُّ

        وَجالَ بِطَرْف فِي المَجالِ کَأَنَّهُ *** دُجَى اللَّيْلِ في لاَْلآءَ غُرَّتُهُ الْفَجْرُ

        لَهُ اَرْبَعٌ لِلرِّيحِ فِيهِنَّ أَرْبَعٌ *** لَقَدْ زانَهُ کَرٌّ وَما شَأْنُهُ الْفَرُّ

        فَفَرَّقَ جَمْعَ الْقَوْمِ حَتّى کَأَنَّهُمْ *** طُيُورُ بُغاث شَتَّ شَمْلَهُمُ الصَّقْرُ

        فَأذْکَرَهُمْ لَيْلَ الْهَريرِ فَأَجْمَعَ الْکِلا *** بُ عَلَى اللَّيْثِ الْهُزَبْرِ وَقَدْ هَرُّوا

        هُناکَ فَدَاْهُ الصّالِحُونَ بِأَنْفُس *** يُضاعَفُ في يَوْمِ الْحِسابِ لَهَا الاَْجْرُ

        وَحادُوا عَنِ الْکُفّارِ طَوْعاً لِنَصْرِهِ *** وَجادَلَهُ بِالنَّفْسِ مِنْ سَعْدِهِ الْحُرُّ

        وَمَدُّوا إِلَيْهِ ذُبَّلا سَمْهَرِيَّةً *** لِطُولِ حَياةِ السِّبْطِ في مَدِّها جَزْرُ

        فَغادَرَهُ في مارِقِ الْحَرْبِ مارِقٌ *** بِسَهْم لِنَحْرِ السِّبْطِ مِنْ وَقْعِهِ نَحْرُ

        فَمالَ عَنِ الطَّرْفِ الْجَوادِ أَخُو النَّدَى *** الْجَوادَ قَتيلا حَوْلَهُ يَصْهَلُ الْمُهْرُ

        سَنانُ سِنان خارِقٌ مِنْهُ فِي الْحَشا *** وَصارِمُ شِمْر فِي الْوَرِيدِ لَهُ شَمْرُ

        تَجُرُّ عَلَيْهِ الْعاصِفاتُ ذُيُولَها *** وَمِنْ نَسْجِ أيْدِي الصّافِناتِ لَهْ طَمْرٌ

        فَرَجَّتْ لَهُ السَّبْعُ الطِّباقُ، وَزَلْزَلَتْ *** رَواسِي جِبالِ الاَْرْضِ، وَالْتَطَمَ الْبَحْرُ

        فَيا لَکَ مَقْتُولا بَکَتْهُ السَّماءُ دَماً *** فَمُغْبَرُّ وَجْهِ الاَْرْضِ بِالدَّمِ مُحْمَرُّ

        مَلابِسُهُ فِي الْحَرْبِ حُمْرٌ مِنَ الدِّما *** وَهُنَّ غَداةَ الْحَشْرِ مِنْ سُنْدُس خُضْرُ

        وَلَهْفي لِزَيْنِ الْعابِدينَ، وَقَدْ سَرى *** أسيراً عَليلا لا يُفَکُّ لَهُ أسْرُ

        وَآلُ رَسُولِ اللهِ تُسْبى نِساؤُهُمْ *** وَمِنْ حَوْلِهِنَّ السَّتْرُ يُهْتَکُ وَالْخَدْرُ

        سَبايا بِأَکْوارِ الْمَطايا حَواسِراً *** يُلاحِظُهُنَّ الْعَبْدُ فِي النّاسِ وَالْحُرُّ

        فَوَيْلُ يَزِيدَ مِنْ عَذابِ جَهَنَّمَ *** إِذا أقْبَلَتْ فِي الْحَشْرِ فاطِمَةُ الطُّهْرُ

        مَلابِسُها ثَوْبٌ مِنَ السُّمِّ أسْوَدٌ *** وَآخَرُ قان مِنْ دَمِ السِّبْطِ مُحْمَرُّ

        تُنادي وَأبْصارُ الاَْنامِ شَواخِصٌ *** وَفِي کُلِّ قَلْب مِنْ مَهابَتِها ذُعْرُ

        وَتَشْکُو إِلَى اللهِ الْعَليِّ، وَصَوْتُها *** عَلِيٌّ وَمَوْلانا عَلِىٌّ لَها ظَهْرُ(2)


        ​أبيات مختارة من قصيدة ابن عرندس

        تعليق

        المحتوى السابق تم حفظه تلقائيا. استعادة أو إلغاء.
        حفظ-تلقائي
        Smile :) Embarrassment :o Big Grin :D Wink ;) Stick Out Tongue :p Mad :mad: Confused :confused: Frown :( Roll Eyes (Sarcastic) :rolleyes: Cool :cool: EEK! :eek:
        x
        يعمل...
        X