إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

المقتل الحسيني والأثر الوجداني في الأداء الصوتي لعبد الزهرة الكعبي

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • المقتل الحسيني والأثر الوجداني في الأداء الصوتي لعبد الزهرة الكعبي





    المقتل الحسيني والأثر الوجداني في الأداء الصوتي لعبد الزهرة الكعبي
    اخرى
    الأحد، 28 يونيو 2026 في 6:09:31 م غرينتش+3






    الأحد، 28 يونيو 2026 في 6:09:31 م غرينتش+3

    يمثل المقتل الحسيني واحدًا من أكثر الأجناس السردية ارتباطًا بالوجدان الجمعي في الثقافة العاشورائية، فهو لا يكتفي بسرد الوقائع التاريخية لواقعة الطف، إنما يعمل على إعادة إحيائها داخل الوعي الشعائري من خلال الأداء الصوتي الذي يتحول إلى وسيط بين النص والمتلقي.

    ومن بين الأصوات التي أسهمت في ترسيخ هذا اللون من الأداء يأتي صوت القارئ (عبد الزهرة الكعبي) بوصفه تجربة متميزة استطاعت أن تؤسس لنمط خاص من قراءة المقتل الحسيني، قائم على التوازن بين السرد التاريخي والانفعال الوجداني.

    إن أول ما يلفت الانتباه في أداء عبد الزهرة الكعبي هو حضوره الصوتي الهادئ الذي يبتعد عن المبالغة الخطابية، ويقترب من منطق الحكاية المأساوية، فالكعبي لا يتعامل مع النص بوصفه مادة للإثارة الصوتية، وإنما بوصفه فضاءً سرديًا يتطلب بناءً تدريجيًا للتأثير، ولذلك نجد أن صوته يتحرك داخل مساحات محسوبة من الانفعال، فيمنح الكلمات فرصة كافية لتكشف عن طاقتها الدلالية قبل أن يتدخل الأداء في توجيهها عاطفيًا.

    وتتجلى إحدى أهم جماليات هذا الأداء في قدرة الكعبي على إدارة الزمن السردي، فهو لا يقرأ المقتل قراءة متعجلة، بل يمنح الحدث زمنه النفسي، ويتيح للمتلقي أن يعيش تفاصيل المشهد.

    إن التمهل في النطق، والوقفات المدروسة، والانتقالات الهادئة بين الوقائع، كلها عناصر تسهم في خلق ما يمكن تسميته بالزمن الوجداني للنص، حيث لا يعود المتلقي مستمعًا للأحداث فقط، بل شاهدًا عليها من الداخل.

    كما يتميز أداء الكعبي بقدرته على توظيف طبقات الصوت بوصفها أدوات درامية، فحين ينتقل السرد من مشهد إلى آخر تتغير النبرة تبعًا لطبيعة الحدث، دون أن يفقد الصوت وحدته العامة، وهذه المرونة تمنح القراءة طابعًا تصويريًا يجعل الصوت أقرب إلى الرسم السمعي للمشهد، فالمتلقي لا يسمع الكلمات فحسب، بل يكاد يرى من خلالها صور الواقعة وهي تتشكل في مخيلته.

    ومن الجوانب اللافتة في أداء الكعبي، الاقتصاد في استخدام الانفعال، فالقوة التأثيرية في قراءته لا تقوم على كثافة البكاء أو ارتفاع الصوت، بل على صدق الأداء وقدرته على الإيحاء.

    إن الحزن هنا لا يفرض على المستمع، وإنما يُبنى تدريجيًا من خلال تفاعل النص مع النبرة والإيقاع، ولهذا يبدو التأثير الوجداني أكثر عمقًا واستدامة، لأن المتلقي يشارك في إنتاج الحزن بدل أن يتلقاه جاهزًا.

    وتؤدي الوقفات الصامتة دورًا جماليًا بالغ الأهمية في هذه القراءة، فالصمت عند الكعبي ليس فراغًا بين الجمل، بل جزء من اللغة التعبيرية للنص.

    إنه لحظة تأمل تسمح للمعنى بأن يستقر في الوجدان، وتمنح المستمع فرصة لاستيعاب ثقل الحدث قبل الانتقال إلى ما يليه، ومن هنا يتحول الصمت إلى عنصر موازٍ للصوت في بناء الأثر الشعوري.

    كما تتجسد جمالية الأداء في العلاقة بين اللغة والصوت، فنص المقتل الحسيني بطبيعته يعتمد على الوصف والسرد واستحضار التفاصيل التاريخية، لكن صوت عبد الزهرة الكعبي يضفي على هذه اللغة بعدًا وجدانيًا يجعلها تتجاوز حدود الإخبار إلى فضاء التأثير، فالكلمة لا تُقرأ بوصفها معلومة، بل بوصفها تجربة إنسانية تُستعاد عبر الأداء.

    ومن منظور سيميائي يمكن القول إن صوت الكعبي يتحول إلى علامة شعائرية قائمة بذاتها، فالمتلقي لا يتفاعل مع مضمون المقتل فقط، بل مع الذاكرة السمعية التي ارتبطت بهذا الصوت عبر عقود طويلة من الحضور في المجالس الحسينية، ولذلك يصبح الصوت نفسه جزءًا من الطقس، وعنصرًا من عناصر استحضار الذاكرة العاشورائية.

    إن جماليات الأداء الصوتي عند عبد الزهرة الكعبي تكمن في هذه القدرة على الجمع بين البساطة والعمق، وبين السرد والانفعال، وبين التاريخ والوجدان، فهو لا يسعى إلى استعراض الإمكانات الصوتية بقدر ما يسعى إلى خدمة النص وإيصال أثره الإنساني والروحي، ومن هنا استطاعت قراءته للمقتل الحسيني أن تحافظ على حضورها في ذاكرة المتلقين، وأن تتحول إلى نموذج للأداء الذي يجعل الصوت جسرًا بين الواقعة التاريخية والتجربة الشعورية المعاصرة.

    وبذلك يمكن النظر إلى تجربة عبد الزهرة الكعبي بوصفها واحدة من أبرز التجارب الصوتية في قراءة المقتل الحسيني، لأنها نجحت في تحويل السرد التاريخي إلى معمار وجداني متكامل، يتداخل فيه الصوت والصمت واللغة والزمن ليشكلوا معًا تجربة جمالية تستمر في التأثير داخل الوجدان العاشورائي جيلًا بعد جيل.



    الكاتب مهدي هندو الوزني​
    شبكة الكفيل العالمية
    ​​
المحتوى السابق تم حفظه تلقائيا. استعادة أو إلغاء.
حفظ-تلقائي
Smile :) Embarrassment :o Big Grin :D Wink ;) Stick Out Tongue :p Mad :mad: Confused :confused: Frown :( Roll Eyes (Sarcastic) :rolleyes: Cool :cool: EEK! :eek:
x
يعمل...
X