بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
قال الله تعالى: ﴿وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ ۖ وَإِذًا لَّاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾[1].
عند حصول المشكلات لدى الإنسان العاقل السليم الباطن يهوى أن يحلّها مهما استطاع بسلامة وكرامة، وبطبيعة الحال رائده ودليله لبّه الذي يتبناه وقد يكون في عالم الواقع مخطئا في عقليته ولا غضاضة عليه؛ فإن المجتهد إذا أصاب الواقع اجر وإذا اخطأه فهو معذور، لكن كيان النبوّة غير كيان الفرد من العقلاء؛ فإن كيان النبوة نسخة من الواقع نفسه ولذلك كان قول وفعل وتقرير الأنبياء حجة لعصمتهم، والعاقل ومهما بلغ في عقله لا حجيّة في أقواله وأفعاله وتقريراته، بحيث تكون مدركا للفرد ومن هنا نعلم جهة قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾[2]، لأنّ المؤمن لا يدرك حتى من واقع نفسه ما يدركه النبي منه وعلى هذا الرصيد ورد في بعض جهات نزول الآية أن وفدا من ثقيف قالوا لرسول الله نبايعك على أن تعطينا ثلاث خصال: لا ننحني في الصلاة ولا نكسر أصنامنا بأيدينا وتمتعنا بآلهتنا اللات سنة فقال (صلى الله عليه وآله): لا خير في صلاة لا ركوع فيها ولا سجود، وأمّا كسر أصنامكم فهو إليكم وأمّا الطاعة للاّت فإني غير ممتعكم بها، ولكنهم لم يقتنعوا بذلك منه وأخذوا يصرّون عليه حتى أنزلت هذه الآيات، وليس في هذا الأثر ما فيه مورد لاستجابتهم الاّ في قضية كسر الأصنام وأنّه أوكل ذلك الى رغبتهم فمن يكسرها هم أم غيرهم وليس في هذا شيء من المخالفة الاّ أن يكون الله يرى لزاما كسرها بيد نبيّه أو من يقيمه مقامه، وعلى كل حال فهذه ارادة لم تنفّذ حتى تصير عملا خارجيا؛ والهمّ بالشيء قبل أن يتحقق ليس موضوعا لحكم شرعي وهو معنى كاد في قوله ﴿وَإِن﴾، كاد المشركون ﴿لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾، من الكيد وهو هنا مقارفة الاحتيال المذموم، أو مقاربة للفعل المذموم، وعلهما هنا معنيان أنهم احتالوا الفتنة واقتربوا لها لولا..
والفتنة الشيطانية مهما اتجهت الى الرسول بكل كيد وخدعة، ولكنها لا تصله بما يحذره هو ويحذّره الله عصمة ذات بعدين: ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللهُ إِلَيْكَ﴾[3]، بأن تقول ما لم يوح وإن لم تنسبه الى الوحي فإن قيل إذا لم يكن ما يقوله (صلى الله عليه وآله) منسوبا للوحي فكيف يعبّر عن هذه الحالة بالافتراء والافتراء هو تقصد الكذب؟ أجيب بأنه عرف عن النبي من طريق القرآن أنه: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾[4]، فثبت في الأذهان أن كلّما يقوله بلسانه هو وحي في حال أن ما أجاب به استصلاح من عنده لا من طريق الوحي، وكان الكفار يكثرون اللغو واللغط حين قراءته (صلى الله عليه وآله) حتى لا يسمع أحد ما يقرأ فحينما قرأ النبي (صلى الله عليه وآله) سورة النجم، وانتهى إلى هذا المورد، قال المشركون تلك الغرانيق العلى[5].
وهذه الافتراءات لا تؤثر حيث العصمة الإلهية تسده عنها، والشيطان أيا كان: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾[6]، فأنى له ذلك السلطان على اوّل العابدين ورسول المؤمنين المتوكلين!
فهنالك العصمة الربانية ﴿وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ﴾، عصمته عن وصمة مقاربة الركون إليهم وإن شيئا قليلا، بعد أن عصمته العصمة البشرية بعون الله مقارفته وإن ﴿كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾[7]، دون أي ركون أو قربه شيئا كثيرا!
وحيث تجيبهم الى بعض ما يريدونه يزرع ذلك الخلّة في نفوسهم لك لكننا تداركنا ما اجبتهم به فلم يقع في الخارج غير ما نريده نحن و ﴿لَقَدْ كِدتَّ﴾، من تسامحك معهم ﴿تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ﴾، استصلاحا لشأنهم فيما تراه بعض الركون.
[1] سورة الإسراء، الآية: 73.
[2] سورة الأحزاب، الآية: 6.
[3] سورة المائدة، الآية: 49.
[4] سورة النجم، الآيتان: 3 – 4.
[5] جمع غرنوق بكسر الغين: طيور الماء. شبهت الأصنام بها لارتفاعها في السماء فتكون الأصنام مثلها في رفعة القدر.
[6] سورة النحل، الآية: 99.
[7] سورة الإسراء، الآية: 74.
