اللَّهم صلِّ علىٰ محمدٍ وآل محمد
تمهيد:
تُعدّ المجالس الحسينية ومحافل إحياء ذكر أهل البيت (عليهم السلام) من أبرز معالم الهوية الإيمانية في مجتمع المؤمنين، ومن أهم الوسائل التي تُرسّخ الارتباط الروحي والفكري والوجداني بخط الرسالة المحمدية الأصيلة، إنَّ إقامة هذه المجالس، وحضورها، والمشاركة الفاعلة فيها، لا تمثّل مجرَّد ممارسة اجتماعية عابرة، بل هي مصداق عملي للمودة التي أمر الله تعالىٰ بها في قوله سبحانه: ﴿قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبىٰ﴾ (الشورىٰ: 23).
كما أنَّها من أوضح مصاديق تعظيم شعائر الله تعالىٰ، إذ قال (عزَّ وجلَّ): ﴿ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَىٰ الْقُلُوبِ﴾ (الحج: 32).
ومن هنا اكتسبت المجالس الحسينية مكانتها الكبيرة في وجدان الأُمَّة، لأنَّها تُحيي قيم الإسلام الأصيل، وتُجدّد العهد مع مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، وتُرسّخ مبادئ التضحية والإصلاح والولاء لله تعالىٰ ولرسوله وأوصيائه.
وقد حثَّ أئمة أهل البيت (عليهم السلام) علىٰ إحياء ذكرىٰ الإمام الحسين (عليه السلام)، وإظهار الحزن لمصابه، والبكاء عليه، لما في ذلك من إحياءٍ لأمرهم وإبقاءٍ لرسالتهم حيّةً في ضمير الأُمَّة، ومن أبلغ ما ورد في ذلك ما رواه الإمام الرضا (عليه السلام) إذ قال: «إنَّ يومَ الحسينِ أقرحَ جفونَنا، وأسبلَ دموعَنا، وأذلَّ عزيزَنا بأرضِ كربٍ وبلاءٍ، أورثتنا الكربَ والبلاءَ إلىٰ يومِ الانقضاء، فعلىٰ مثلِ الحسينِ فليبكِ الباكون، فإنَّ البكاءَ عليه يحطُّ الذنوبَ العظام».
ثم قال (عليه السلام): «كان أبي (صلوات الله عليه) إذا دخل شهرُ المحرَّم لا يُرىٰ ضاحكاً، وكانت الكآبةُ تغلبُ عليه حتَّىٰ يمضي منه عشرةُ أيَّام، فإذا كان يومُ العاشر كان ذلك يومَ مصيبته وحزنه وبكائه، ويقول: هو اليوم الذي قُتل فيه الحسين (صلوات الله عليه)»(1).
وقد منَّ الله تعالىٰ علىٰ المؤمنين بهذه المجالس لتكون مدارس للتربية والإصلاح، ومنارات للوعي والبصيرة، ومحطاتٍ يتزوَّد منها الإنسان بقيم الإيمان والالتزام، ولا سيما في موسم عاشوراء الذي تتجلَّىٰ فيه أعظم دروس التضحية والكرامة والإصلاح. ومن هنا فإنَّ الحضور في المجالس الحسينية لا يمثِّل مسؤوليةً إيمانيةً فحسب، بل يُجسّد صورة المدرسة الحسينية وقيمها ومبادئها أمام المجتمع، ويعكس مستوىٰ الوعي والالتزام لدىٰ أتباع أهل البيت (عليهم السلام)، ولأنَّ الاستفادة القصوىٰ من هذه الرحاب الطاهرة تحتاج إلىٰ سلوك ينسجم مع قدسيتها وأهدافها، فإنَّ من الضروري التذكير بجملة من الآداب والضوابط التي تجعل من حضورنا حضوراً واعياً ومثمراً ومعبّراً عن حقيقة الانتماء للإمام الحسين (عليه السلام).
إحياء أمر أهل البيت (عليهم السلام) وفضل الحضور:
لقد أولىٰ أهل البيت (عليهم السلام) أهمية كبيرة لإحياء أمرهم ونشر علومهم وإبقاء ذكرهم حياً في الأُمَّة، وعدّوا ذلك من أعظم القربات إلىٰ الله تعالىٰ. فقد رُوي عن الإمام الرضا (عليه السلام): «مَنْ جَلَسَ مَجْلِساً يُحْيَا فِيهِ أَمْرُنَا، لَمْ يَمُتْ قَلْبُهُ يَوْمَ تَمُوتُ الْقُلُوبُ»(2). كما قال (عليه السلام): «رَحِمَ اللهُ عَبْداً أَحْيَا أَمْرَنَا». فقيل له: وكيف يحيي أمركم؟ قال: «يَتَعَلَّمُ عُلُومَنَا وَيُعَلِّمُهَا النَّاسَ، فَإِنَّ النَّاسَ لَوْ عَلِمُوا مَحَاسِنَ كَلَامِنَا لَاتَّبَعُونَ»(3). وتكشف هذه الرواية عن أركان ثلاثة لإحياء أمر أهل البيت (عليهم السلام): تعلُّم علومهم، والتخلُّق بأخلاقهم، ونشر معارفهم بين الناس. ومن أبرز مصاديق إحياء أمرهم إحياء القضية الحسينية بالشعر والرثاء والإنشاد الهادف، فقد ورد عن الإمام الرضا (عليه السلام): «مَنْ تَذَكَّرَ مُصَابَنَا فَبَكَىٰ وَأَبْكَىٰ لَمْ تَبْكِ عَيْنُهُ يَوْمَ تَبْكِي الْعُيُونُ»(4).
حضور الملائكة في المجالس الحسينية:
إنَّ من عظمة المجالس الحسينية وسمو منزلتها أنَّ حضورها لا يقتصر علىٰ المؤمنين من أهل الأرض، بل تشارك فيها ملائكة الله المقربون تعظيماً لشأن الإمام الحسين (عليه السلام) ومواساةً له. فعن زيد الشحام قال: كنَّا عند أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) فدخل جعفر بن عفان، فقرّبه الإمام وأدناه، ثم طلب منه أن ينشد في الحسين (عليه السلام)، فلما أنشد بكىٰ الإمام ومن حوله، ثم قال: «يا جعفر، والله لقد شهدت ملائكة الله المقربون ههنا يسمعون قولك في الحسين (عليه السلام)، ولقد بكوا كما بكينا وأكثر»(5).
وتكشف هذه الرواية عن المنزلة العظيمة للمجالس الحسينية في عالم الغيب، وتمنح المؤمن شعوراً عميقاً بقدسيتها وسمو رسالتها، وتدعوه إلىٰ استحضار أنَّه يجلس في مجلس تحفّه الرحمة الإلهية وتحضره الملائكة، مما يفرض عليه التحلِّي بالسكينة والوقار وحسن الأدب.
مظاهر المواساة والشعور بالانتماء الحسيني:
ينبغي للمؤمن أن يتوجَّه إلىٰ المجلس الحسيني بروح العبودية والإخلاص، مستحضراً أنَّه في مقام عبادة وقربة إلىٰ الله تعالىٰ، وذلك من خلال:
1- إخلاص النية وتجريد القصد؛ فعن رسول الله (صلىٰ الله عليه وآله): «يا أبا ذر، ليكن لك في كل شيء نية»(6).
2- إظهار الحزن والمواساة باستحضار مظلومية الإمام الحسين (عليه السلام) وأهل بيته وأصحابه.
3- لبس السواد بوصفه مظهراً من مظاهر المواساة وإعلان الانتماء للشعيرة الحسينية.
4- البكاء والتباكي؛ فقد ورد عن الإمام زين العابدين (عليه السلام): «مَنْ قَطَرَتْ عَيْنَاهُ فِينَا قَطْرَةً، وَدَمَعَتْ عَيْنَاهُ فِينَا دَمْعَةً، بَوَّأَهُ اللهُ بِهَا فِي الْجَنَّةِ حُقُباً»(7). وعن الإمام الصادق (عليه السلام): «مَنْ أَنْشَدَ فِي الْحُسَيْنِ بَيْتاً فَبَكَىٰ أَوْ تَبَاكَىٰ فَلَهُ الْجَنَّةُ»(8).
5- تبادل التعازي؛ بأن يقول المؤمنون بعضهم لبعض كما ورد عن الإمام الباقر (عليه السلام): «عَظَّمَ اللهُ أُجُورَنَا بِمُصَابِنَا بِالْحُسَيْنِ (عليه السلام)، وَجَعَلَنَا وَإِيَّاكُمْ مِنَ الطَّالِبِينَ بِثَأْرِهِ مَعَ وَلِيِّهِ الإِمَامِ الْمَهْدِيِّ مِنْ آلِ مُحَمَّد»(9).
6- المشاركة الواعية في المواكب والشعائر الحسينية بما يعكس وحدة المؤمنين ورقي سلوكهم.
7- تشجيع الآخرين علىٰ الحضور والمشاركة لتبقىٰ المجالس الحسينية مدرسة متجددة تتوارثها الأجيال. وإذا كانت المجالس الحسينية تحظىٰ بهذه المنزلة الرفيعة في الشريعة الإسلامية، وتترتَّب عليها هذه الآثار التربوية والإيمانية العظيمة، فإنَّ ذلك يستدعي من المؤمن أن يراعي جملةً من الآداب والسلوكيات التي تنسجم مع قدسية المجلس وأهدافه الرسالية.
آداب الحضور في المجالس الحسينية:
إذا كان المجلس الحسيني مجلساً لذكر الله تعالىٰ وأهل بيت النبوة (عليهم السلام)، فإنَّ لذلك آداباً ينبغي مراعاتها، منها:
1- حسن الإنصات والاستفادة.
2- السكينة والوقار.
3- الإفساح والتعاون ومراعاة كبار السن وأصحاب الحاجات.
4- المحافظة علىٰ النظافة والنظام بوصفها قيمة إسلامية أصيلة ومظهراً من مظاهر احترام الشعيرة الحسينية.
البُعد الحضاري وفقه السلامة والنظام:
إنَّ الشعائر الحسينية لا تنفصل عن قيم النظام والمسؤولية وحفظ الأرواح.
ومن هنا تبرز أهمية الالتزام بإجراءات السلامة العامة، والتأكد من سلامة التوصيلات الكهربائية والأجهزة المستخدمة، وتوفير وسائل الإطفاء والإسعافات الأولية، وتنظيم حركة الدخول والخروج، والمحافظة علىٰ البيئة ونظافة الشوارع، ومراعاة الاشتراطات الصحية والغذائية. كما أنَّ الالتزام بالنظام واحترام التعليمات التنظيمية والتعاون مع الجهات الخدمية والأمنية يعكس الوجه الحضاري للشعائر الحسينية، ويسهم في إيصال رسالتها المشرقة إلىٰ المجتمع، بعيداً عن كل ما يسبب الفوضىٰ أو الإرباك أو الإضرار بالممتلكات العامة والخاصة. فالثورة الحسينية مدرسة للوعي والانضباط كما هي مدرسة للعاطفة والإيمان.
مسؤولية الخطباء والرواديد والحاضرين:
يجدر التذكير بأهمية الابتعاد عن مظاهر الغلوّ، لما يترتَّب عليها من إساءة إلىٰ أهل البيت (عليهم السلام) وتنفير للناس. إنَّ المسؤولية الملقاة علىٰ عاتق المنبر الحسيني والكلمة الرادودية تستدعي انتقاء الكلمات بعناية، وأن تكون البحوث والقصائد هادفة وموزونة ومستندة إلىٰ المصادر المعتبرة، بعيداً عن المبالغات والإثارات غير المنضبطة. كما أنَّ هذه المسؤولية لا تقتصر علىٰ الخطباء والرواديد فحسب، بل تشمل جميع الحاضرين، فقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام): «عَلَيْكَ بِتَقْوَىٰ اللهِ، وَالْوَرَعِ، وَالاجْتِهَادِ… وَكُونُوا دُعَاةً إِلَىٰ أَنْفُسِكُمْ بِغَيْرِ أَلْسِنَتِكُمْ، وَكُونُوا زَيْناً وَلا تَكُونُوا شَيْناً»(10).
خاتمة:
إنَّ المجالس الحسينية ليست مجرد مناسبات موسمية لاستذكار الماضي، بل هي مشروع تربوي وحضاري متجدِّد، يُعيد بناء الإنسان علىٰ أساس الإيمان والبصيرة والالتزام. وكلَّما ارتقىٰ المؤمنون بآداب حضورهم، وأخلصوا نياتهم، وحافظوا علىٰ قدسية هذه المجالس ورسالتها، ازدادت آثارها المباركة في صناعة الفرد الصالح والمجتمع الواعي، وبقيت منبراً حيّاً يحمل رسالة الإمام الحسين (عليه السلام) في الإصلاح والعدالة والكرامة الإنسانية جيلاً بعد جيل.
الهوامش:
(1) الأمالي، الشيخ الصدوق، ص190.
(2) بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج1، ص199.
(3) عيون أخبار الرضا (عليه السلام)، الشيخ الصدوق، ج2، ص306.
(4) بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج1، ص200.
(5) بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج44، ص282-283.
(6) وسائل الشيعة، الشيخ الحر العاملي، ج1، ص48.
(7) بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج44، ص292.
(8) بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج44، ص289.
(9) كامل الزيارات، ابن قولويه، ص303.
(10) بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج75، ص199.

تعليق