بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ ۖ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا﴾[1].
حينما يتطرّق القرآن الكريم لبيان حال الإنسان، فإنّنا نجده يتحدث عن بعض حالاته ومنها: أنّ هذا الإنسان قد خُلق بطريقة، بحيث يتراجع بسرعة إلى مكانه الأوّل.
فيقول الباري عز وجل في آيتنا هذه: حينما نهب الإنسان نعمةً، فإنّه يغوص في هذه النعمة ويغرق فيها، وينسى كلّ شيء؛ فينساني أنا، وينسى كافّة الأمور الإيجابيّة، وينسى الحقائق برمّتها؛ لأنّه ينغمس في هوى تلك النعمة، وفي أشعّة أمواج الذهب والجواهر، وفي الخيالات التي ملأت ذهنه؛ فتجذبه هذه الأمور، إلى درجة أنّها لا تسمح لعين بصيرته بتجاوز هذا الحدّ؛ ﴿أَعْرَضَ﴾: فيُعرض بنحو مطلق؛ ﴿وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾: ويتكّئ على جانبه، ويقول: ليس هناك من إله، ولا ...!
﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ﴾: لكن، إذا أصابته بليّة، وتعرّض لعقوبة، ولحقه أذى، ﴿كَانَ يَئُوسًا﴾؛ فمع أنّ هذا الإله هو الذي كان يلجأ إليه سابقًا بنحو عامّ، باعتباره هو المعتمَد والمستنَد، غير أنّنا نراه لا يتوجّه إليه حين إصابته بهذه الضرّاء لكي يأخذ بيده؛ فييأس منه مرّة أخرى.
أي: مع أنّه يكون في نعمة، غير أنّ معرفته بالله تعالى لا تكون معرفة [حقيقيّة]؛ ففي حالة إصابته بالشرّ والضرّاء، لا يعتمد على مسألة الالتجاء إلى الحقّ تعالى والتمسّك به؛ فنجد هنا أنّ الضرّاء والخير في الدرجة ذاتها والمرتبة ذاتها؛ شأنهما شأن الطاعة والمعصية.
فلو أنّ الناس ارتفعوا عن مستوى هذه الطاعات العادية، وبلغوا مرتبة الطاعات المجرّدة والنورانيّة، لكان الأمر جيّدًا جدًّا؛ لكن، ما داموا لم يبلغوا هذه المرتبة، فإنّهم سيرتكبون اليوم معصية، ويلجؤون في الغد إلى الطاعة، ويعودون بعد غد إلى المعصية، ثمّ يُطيعون مرّة أخرى، حيث تكون هذه الطاعات والمعاصي كلّها متشابهة؛ فيكون الإنسان جالسًا، فيأتي على باله أن يقوم بفعل حسن، فيقوم به؛ ثمّ يخطر بذهنه أن يرتكب عملاً سيّئًا، فيرتكبه، حيث نجد هنا أنّ كلاًّ من هذه الطاعة وتلك المعصية وليدة للخيال.
فهو تنديد بنسيان الإنسان نعمة ربه حين ينعم عليه، ويأسه حين يمسّه الشر [والدهر لك يومان يوم لك ويوم عليك فإذا كان لك فلا تبطر وإذا كان عليك فاصبر فبكلاهما ستختبر].
إنّ مسّ الضرّ أبعث للإنسان إلى الخضوع للربّ وعبادته من وجدان النفع، ولذلك قدّم الله سبحانه الضرّ على النفع في قوله: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا ۚ ..﴾[2].
وكذا في سائر الموارد التي تماثله كقوله: ﴿وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾[3]. تقديم الضرّ على النفع في قوله؛ ﴿ضَرًّا وَلا نَفْعاً﴾ للجري على وفق ما تدركه وتدعو إليه الفطرة الساذجة كما مرّ، فإنّ الإنسان بحسب الطبع يرى ما تلبّس من النعم الموجودة عنده ما دامت عنده مملوكة لنفسه لا تلتفت نفسه إلى إمكان فقدها ولا تتصوّر ألمه عند فقدها بخلاف المضارّ التي يجدها بالفعل، والنعم التي يفتقدها ويجد ألم فقدها.
فإنّ الفطرة تنبّهها إلى الالتجاء إلى ربّ يدفع عنها الضرّ والضير، ويجلب إليها النعمة المسلوبة، قال تعالى ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ ..﴾[4]، فتحصّل أنّ مسّ الضرّ أبعث للإنسان إلى الخضوع للربّ وعبادته من وجدان النفع، ولذلك قدّم الله سبحانه الضرّ على النفع في قوله: ﴿ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً﴾. وكذا في سائر الموارد التي تماثله، لذا قال تعالى في الآية اللاحقة: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ ..﴾[5]؛ أي: قل يا أيّها الرسول، إنّ كافّة هؤلاء الناس يعملون طبقًا لشاكلتهم، وبالاعتماد على تلك المادّة الأوّلية وذلك المعدن الأساسيّ وذلك القالب الذي تمّت صياغتهم على أساسه.
[1] سورة الإسراء، الآية: 83.
[2] سورة المائدة، الآية: 76.
[3] سورة الفرقان، الآية: 3.
[4] سورة يونس، الآية: 12.
[5] سورة الإسراء، الآية: 84.
