بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وآل محمد.
لو سألت كل فتاة اليوم: ما الذي يشغلك أكثر شيء في حياتك؟
ستكون الإجابات كثيرة... الدراسة... الهاتف... وسائل التواصل... المشاهير... الألعاب... المسلسلات... الترندات...
لكن لو عدنا قبل أكثر من أربعة عشر قرناً، وسألنا فتاةً في مقتبل شبابها السؤال نفسه، لكان جوابها مختلفاً تماماً.
تلك الفتاة هي السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام.
كانت صغيرة في العمر... لكنها كبيرة في المسؤولية.
لم تنتظر حتى تكبر... ولم تقل: "أنا ما زلت فتاة صغيرة، لست مسؤولة."
بل صنعت لنفسها دوراً في الحياة.
فتاة حملت همّ أبيها وهمّ الرسالة
بعد وفاة السيدة خديجة عليها السلام، فقد رسول الله صلى الله عليه وآله الزوجة التي كانت تؤنسه، ثم فقد عمه أبا طالب، فاشتد عليه الحزن.
وفي هذا الظرف الصعب برز دور فاطمة عليها السلام.
كانت تستقبل أباها... وتواسيه... وتخفف عنه... وتزيل عنه آثار أذى المشركين.
حتى اشتهرت في الروايات بلقب "أم أبيها".
لأن عاطفتها وحنانها ورعايتها كانت تشبه رعاية الأم.
تأملوا...
فتاة صغيرة... لكنها أصبحت مصدر راحة لأعظم إنسان على وجه الأرض.
ماذا كانت تملك؟
هل كانت تملك المال؟
لا.
هل كانت تملك السلطة؟
لا.
هل كانت تملك الشهرة؟
لا.
لكنها كانت تملك شيئاً أعظم...
كانت تملك قلباً يشعر بالمسؤولية.
ولذلك تركت أثراً لا يزال يضيء الدنيا إلى يومنا هذا.
أما اليوم...
تعالوا ننظر إلى واقع كثير من فتيات هذا العصر.
قد تستيقظ الفتاة صباحاً...
تمسك الهاتف.
تفتح تطبيقاً...
ثم آخر...
ثم مقطعاً قصيراً...
ثم تنتقل إلى مقطع آخر...
ثم آخر...
ثم آخر...
وفجأة...
تنظر إلى الساعة...
لقد مرت ثلاث ساعات!
ولكن...
ماذا أنجزت؟
لا شيء.
تشعر أنها كانت مشغولة جداً...
لكنها في الحقيقة لم تبنِ علماً...
ولم تحفظ آية...
ولم تطور مهارة...
ولم تخدم أحداً...
ولم تقترب من الله خطوة واحدة.
وهنا تكمن أخطر خدعة في عصرنا...
الانشغال الوهمي.
أخطر ما يسرق أعمار الشباب
لم يعد الشيطان يحتاج أن يقول للإنسان: اترك العمل كله.
بل يكفيه أن يجعله مشغولاً بما لا ينفع.
مئات المقاطع القصيرة...
آلاف الصور...
ساعات من التمرير...
ثم ينتهي اليوم...
وكأن شيئاً لم يكن.
حتى أصبح بعض الشباب يشعر بالتعب...
مع أنه لم يعمل عملاً حقيقياً.
ويشعر أنه أنجز...
مع أنه لم ينجز شيئاً.
إنها عبودية الشاشة.
الزهراء عليها السلام تعلّمنا سؤالاً مختلفاً
العالم اليوم يسأل الفتاة:
ماذا شاهدت اليوم؟
كم متابعاً لديك؟
كم إعجاباً حصلت عليه؟
أما الزهراء عليها السلام فتعلمنا أن نسأل:
من ارتاح بسبب وجودي؟
هل فرحت أمي اليوم بي؟
هل خففت عن أبي؟
هل ساعدت إخوتي؟
هل تعلمت شيئاً جديداً؟
هل ازددت قرباً من الله؟
هذا هو السؤال الذي يصنع الإنسان.
الفرق بين الحياة والاستهلاك
هناك من يعيش ليستهلك...
يشاهد...
ويتابع...
ويعلق...
وينام...
ثم يعيد الأمر نفسه في اليوم التالي.
وهناك من يعيش ليصنع أثراً.
قد لا يعرفه أحد...
لكن الله يعرفه.
الزهراء عليها السلام لم تكن تبحث عن أن يراها الناس...
بل كانت تبحث عن رضا الله.
ولذلك رفع الله ذكرها.
ماذا تستطيع فتاة عمرها ثلاثة عشر أو أربعة عشر عاماً أن تصنع؟
قد تقول فتاة:
أنا صغيرة...
ماذا أستطيع أن أفعل؟
الزهراء عليها السلام تعلمنا أن قيمة الإنسان ليست في عمره...
بل في أثره.
يمكنك أن تكوني:
راحة لوالديك.
قدوة لأخواتك.
حافظة لشيء من القرآن.
طالبة علم.
داعية إلى الأخلاق بين صديقاتك.
صاحبة كلمة طيبة.
متقنة لدراستك.
نافعة في بيتك.
كل هذه آثار عظيمة.
لا تتركي الهاتف يقود حياتك
الهاتف نعمة...
لكن إذا تحول إلى ادمان إلى سيدٍ يأمرنا وينهانا أصبح نقمة.
اسألي نفسك كل ليلة:
كم ساعة أعطيت هاتفي؟
وكم دقيقة أعطيت ربي؟
كم مقطعاً حفظت؟
وكم آية حفظت؟
كم شخصاً تابعت؟
وكم كتاباً قرأت؟
هذه الأسئلة هي التي توقظ القلب.
يا ابنتي...
لا تنتظري أن تكبري حتى يكون لك دور.
ولا تنتظري أن تصبح ظروفك مثالية.
ابدئي اليوم.
ولو بخطوة صغيرة.
فالخطوات الصغيرة، إذا استمرت، صنعت إنساناً عظيماً.
إن الزهراء عليها السلام لم يخلدها عمرها...
ولم يخلدها جمالها...
ولم يخلدها نسبها وحده...
بل خلدها أثرها.
لقد عاشت سنوات قليلة...
لكنها ملأت تلك السنوات بالعبادة، والرحمة، والعلم، والبر، وخدمة الرسالة.
أما نحن، فقد نعيش سبعين أو ثمانين سنة...
لكن السؤال الذي سنُسأل عنه ليس:
كم سنة عشنا؟
بل:
ماذا صنعنا في هذه السنين؟
فلنجعل من الزهراء عليها السلام قدوةً لا في مكانتها التي اختصها الله بها، فذلك مقام لا يبلغه أحد، وإنما في روحها، وإحساسها بالمسؤولية، واستثمارها لكل يوم من عمرها في طاعة الله وخدمة من حولها.
