بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وآل محمد.
لو سألت شابًا اليوم:
كم بقي من عمرك؟
سيقول: إن شاء الله العمر طويل.
وهنا تبدأ المشكلة...
نحن نتعامل مع العمر وكأنه شيء لا ينتهي.
فنؤجل...
ونؤجل...
ونؤجل.
سأتوب لاحقًا...
سأقرأ عندما أكبر...
سأطلب العلم بعد الجامعة...
سأحفظ القرآن عندما أرتاح...
وسنوات الشباب تمضي...
تعالوا نحسبها بطريقة أخرى
هناك إنسان عاش خمسًا وعشرين سنة فقط.
نعم...
خمسة وعشرون عامًا.
لكن اسمه بقي حيًا بعد أكثر من ألف ومئتي سنة.
إنه الإمام الجواد عليه السلام.
فإذا كان العمر هو معيار العظمة...
فكيف بقي ذكره إلى اليوم؟
ليست القضية كم عشت...
بل كيف عشت.
بعض الناس يعيش ثمانين سنة...
ولا يترك خلفه إلا صورًا في الهاتف.
وبعض الناس يعيش سنوات قليلة...
لكن يترك علمًا...
وأخلاقًا...
وأناسًا اهتدوا بسببه.
ولهذا يقول الله تعالى:
﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾.
الإمام الجواد عليه السلام... شاب يحمل أمة
كان عمره صغيرًا جدًا عندما تسلّم الإمامة.
وكان بعض الناس يتساءلون:
كيف يقود الأمة وهو بهذا العمر؟
لكن الأيام أثبتت أن القيمة ليست بعدد السنين...
بل بما يضعه الله في الإنسان من علم وإيمان وإخلاص.
وأصبح العلماء يأتون إليه...
ويناظرونه...
ويرجعون إلى علمه.
شباب اليوم...
ليسوا أقل ذكاء.
وليسوا أقل قدرة.
لكنهم يعيشون حربًا لم يعرفها السابقون.
حرب على الوقت.
حرب على الانتباه.
حرب على التركيز.
أخطر لص في هذا الزمان
ليس الذي يسرق المال.
بل الذي يسرق العمر.
الهاتف يسرق أعمارنا ساعة ثم ساعة.
مقطع مدته ثلاثون ثانية...
ثم آخر...
ثم آخر...
ثم إشعار...
ثم تعليق...
ثم لعبة...
ثم فيديو...
ثم يدخل الإنسان لينظر إلى شيء واحد...
فيخرج بعد ساعتين.
ولذلك يشعر كثير من الشباب أنهم مشغولون دائمًا...
لكنهم لا يعرفون بماذا!
إنه انشغال بلا إنجاز.
وحركة بلا أثر.
وتعب بلا ثمرة.
لو عاد الإمام الجواد عليه السلام بيننا
تخيلوا...
لو رأى شابًا أمضى خمس ساعات يتنقل بين المقاطع القصيرة...
ثم قال له:
ماذا تعلمت؟
ماذا حفظت؟
من الذي انتفع بك؟
ما الذي تغير في شخصيتك؟
ربما لن يجد جوابًا.
ليس لأنه سيئ...
بل لأنه لم ينتبه كيف سُرق عمره.
الفرق بين الاستثمار والاستهلاك
الإمام الجواد عليه السلام كان يستثمر كل لحظة.
أما ثقافة اليوم فتدفعنا إلى الاستهلاك.
نستهلك المقاطع.
نستهلك الأخبار.
نستهلك الضحك.
نستهلك الترفيه.
لكن...
متى نبني أنفسنا شخصياتنا مجتمعنا أسرنا؟
متى نصنع؟
متى نترك أثرًا؟
الشباب ليس مرحلة للانتظار
يظن بعض الشباب أن هذه السنوات خُلقت للمتعة فقط.
وأن المسؤولية تأتي بعد الثلاثين.
لكن تاريخ أهل البيت عليهم السلام يقول شيئًا آخر.
الإمام الجواد...
والإمام الحسن...
والإمام الحسين...
والسيدة الزهراء...
كلهم يعلموننا أن الشباب هو أجمل وقت للبناء.
فالإنسان في شبابه يحفظ أسرع...
ويتعلم أسرع...
ويتغير أسرع...
ويستطيع أن يصنع نفسه قبل أن تصنعه العادات.
لا أحد يطلب منك أن تصبح الإمام الجواد عليه السلام.
فهذا مقام اختصه الله به.
لكن المطلوب أن تتعلم منه سؤالًا واحدًا:
ما الرسالة التي أعيش من أجلها؟
إذا استيقظت كل صباح وليس لك هدف...
فسيصنع الهاتف هدفك.
وستصنع الخوارزميات يومك.
وسيقرر الآخرون كيف تقضي شبابك.
أما إذا كان لك مشروع...
ولو صغيرًا...
فستبدأ أنت بقيادة وقتك.
مشروع العمر
ليس مطلوبًا أن تؤلف كتابًا.
ولا أن تصبح مشهورًا.
ابدأ بمشروع يناسبك:
ختمة قرآن.
حفظ حديث كل أسبوع.
قراءة كتاب كل شهر.
خدمة والديك.
تعليم طفل.
تعلم مهارة.
إصلاح خلق واحد في نفسك.
هذه المشاريع الصغيرة...
إذا استمرت...
صنعت إنسانًا كبيرًا.
الإمام الجواد عليه السلام لا يقول لنا:
انظروا كم كان عمري.
بل يقول لنا بلسان حاله:
انظروا ماذا فعلت بعمري.
فالعبرة ليست بعدد السنوات...
بل بما امتلأت به السنوات.
قد يعيش الإنسان عمرًا طويلًا...
ولا يبقى منه شيء.
وقد يعيش عمرًا قصيرًا...
فتبقى آثاره إلى قيام الساعة.
فلنسأل أنفسنا كل ليلة:
هل اقتربت اليوم من أن أكون إنسانًا أنفع لله وللناس؟
فإذا كان الجواب نعم...
فقد ربحت يومًا من عمرك.
وإذا كان الجواب لا...
فالغد فرصة جديدة.
نسأل الله تعالى أن يبارك في أعمار شبابنا، وأن يوقظ فيهم هممًا عالية، وأن يجعلهم ممن إذا قصرت أعمارهم عظمت آثارهم، كما كانت آثار الإمام الجواد عليه السلام عظيمةً رغم قصر عمره
المشكلة أن شباب اليوم الوقت لم يعد يشعرهم بقيمته.
قبل مئة عام كان الإنسان يرى غروب الشمس فيدرك أن يومًا من عمره قد مضى. أما اليوم فقد تمضي ست ساعات أمام شاشة صغيرة، ثم يتعجب: أين ذهب الوقت؟
أخطر ما فعلته الشاشات أنها سرقت الوقت و سرقت الإحساس بمرور الوقت. ولهذا كان الإمام الجواد عليه السلام، بعمره القصير، أغنى منا بالزمن؛ لأنه كان يعيش كل ساعة بوعي ورسالة، بينما قد نعيش ساعات طويلة دون أن نشعر أنها كانت جزءًا من أعمارنا التي لن تعود.

تعليق