بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطاهرين.
الإمام الحسن عليه السلام... سبط رسول الله وأصيل النسب
إذا ذُكر الإمام الحسن المجتبى عليه السلام، فإن أول ما ينبغي أن يُستحضر هو مكانته العظيمة التي منحها الله له، فهو سبط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وريحانته، وابن بضعته فاطمة الزهراء عليها السلام، وثمرة قلب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام. اجتمع له من شرف النسب ما لم يجتمع لغيره؛ فجده خاتم الأنبياء، وأبوه سيد الوصيين، وأمه سيدة نساء العالمين، وهو أحد سيدي شباب أهل الجنة بنص الأحاديث المتواترة.
ومن كان هذا نسبه، لا يُقاس بأحد، ولا يُتهم في دينه أو حكمته أو شجاعته، بل هو الامتداد الطبيعي لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الهداية والقيادة. الإمام الحسن...
أسد الميادين لا رجل المهادنة عن ضعف
من أكبر الأخطاء التاريخية تصوير صلح الإمام الحسن عليه السلام على أنه كان نتيجة ضعف أو خوف، وهذا يخالف الوقائع الثابتة.
فالإمام الحسن عليه السلام تربى في مدرسة أمير المؤمنين، وكان فارساً شجاعاً مقداماً، شهد مع أبيه حروب الجمل وصفين والنهروان، وكان من أبرز قادة جيش الإمام علي عليه السلام، يحمل اللواء، ويقود الكتائب، ويثبت في أشد ساعات القتال. وقد شهد له الأصحاب والأعداء بالشجاعة والإقدام.
فكيف يُقال عن رجل عاش ميادين الحرب، ورباه علي بن أبي طالب عليه السلام، إنه جبن عن مواجهة معاوية؟
إن من يقول ذلك لم يقرأ سيرة الإمام الحسن عليه السلام، ولم يفرق بين الشجاعة العسكرية والحكمة السياسية. فكم من قائد ينتصر بالسيف، وكم من قائد يحفظ الرسالة بالحكمة، وكلاهما شجاعة، ولكن لكل مقام مقال.
لماذا صالح الإمام الحسن معاوية؟
إن صلح الإمام الحسن عليه السلام لم يكن تنازلاً عن الحق، ولا اعترافاً بشرعية معاوية، وإنما كان قراراً اضطرارياً لحفظ الإسلام وحقن دماء المسلمين بعدما وصلت الأمة إلى مرحلة خطيرة.
فقد اتبع معاوية سياسة قاسية لإضعاف حكومة الإمام الحسن، فكان يرسل السرايا إلى أطراف الدولة الإسلامية لترويع الآمنين، وقتل الأبرياء، ونهب الأموال، وهدم الدور، وإثارة الفوضى، ثم يُشاع بين الناس أن هذه الجرائم إنما ارتكبها أتباع الإمام الحسن، ليزعزع ثقة الناس بقيادته ويزرع الفتنة في المجتمع.
وكان هدف معاوية واضحاً: الوصول إلى الحكم ولو كان الثمن دماء المسلمين وأمنهم واستقرارهم.
ومن جهة أخرى، عمل على شراء الذمم بالأموال والمناصب، فاستمال عدداً من ضعاف النفوس داخل جيش الإمام الحسن، حتى صار بعض قادة الجيش يكاتبون معاوية سراً، ويعدونه بتسليم الإمام إليه أو الانسحاب ساعة القتال. بل إن بعضهم فرّ بجيشه، وبعضهم خان الأمانة، حتى أصبح الإمام عليه السلام يقاتل عدواً في الخارج، وعدواً آخر في الداخل.
وفي مثل هذه الظروف، لم يعد استمرار الحرب يؤدي إلى نصر الإسلام، بل إلى إبادة ما بقي من المؤمنين المخلصين، ولذلك اختار الإمام الحسن عليه السلام الصلح ليحفظ الدماء، ويكشف للأمة حقيقة بني أمية، ويمنع القضاء على الصف المؤمن الذي سيحمل رسالة أهل البيت بعده.
لقد كان الصلح انتصاراً للمبدأ، لا هزيمةً في الميدان. ومن أعظم ظلاماته...
خيانة أقرب الناس إليه
ولم تتوقف ظلامات الإمام الحسن عند خيانة بعض القادة والجنود، بل امتدت يد الغدر إلى داخل بيته.
فقد استطاع معاوية أن يغري جعدة بنت الأشعث بالأموال، ووعدها ـ كما تذكر المصادر التاريخية ـ بأن يزوجها من ابنه يزيد إن هي سمّت الإمام الحسن عليه السلام. فرضيت بالدنيا، وباعت دينها، ودسّت السم إلى سبط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
فأي مأساة أعظم من أن يُغدر بالإمام من داخل بيته؟! وأي قلب يتحمل أن تكون يد الزوجة هي الأداة التي امتدت لتنفيذ مؤامرة أعدائه؟
ثم إن معاوية لم يفِ لها بوعده، إذ خشي أن تفعل بابنه ما فعلته بالإمام الحسن، فاكتفى بإعطائها المال، وتركها تواجه عار الخيانة.
والنتيجة
إن الإمام الحسن المجتبى عليه السلام لم يخسر معركة، وإنما أنقذ أمة. ولو قاتل بجيشٍ مزقته الخيانة، وشراء الذمم، وانهيار الولاء، لأُبيد المؤمنون جميعاً، ولما بقي من يحمل راية أهل البيت عليهم السلام.
لقد حمل الإمام علي السيف حين كانت المصلحة في السيف، وحمل الإمام الحسن وثيقة الصلح حين كانت المصلحة في الصلح، وحمل الإمام الحسين السيف مرة أخرى حين أصبحت الثورة هي الطريق الوحيد لإحياء الدين.
فهؤلاء الأئمة عليهم السلام لم تختلف أهدافهم، وإنما اختلفت وسائلهم باختلاف الظروف. كانوا جميعاً يسعون إلى حفظ الإسلام، وإقامة الحجة، وصيانة دين محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
سلامٌ على الإمام الحسن يوم وُلد، ويوم جاهد، ويوم صابر، ويوم استشهد مسموماً مظلوماً، ويوم يُبعث حياً.





تعليق