عندما بكت النجف...
وتعانقت الدموع مع كربلاء
......
ليست كل الجنازات سواء، وليست كل النعوش تُحمل على الأكتاف. فهناك نعوش تحملها العقيدة قبل الأيدي، وتشيعها القلوب قبل الجموع، وتكتب سيرتها دموع المحبين قبل أن تكتبها أقلام المؤرخين.
وفي هذا المشهد الأدبي المتخيَّل، لو أن جثمان السيد الشهيد علي الخامنئي وعائلته الذين استشهدوا معه قد حط رحاله في أرض النجف الأشرف، لما كان العراق أمام تشييع رجل، بل أمام لحظةٍ تاريخية يستعيد فيها الوجدان الجمعي معاني الوفاء والثبات.
منذ أن لامست الطائرة أرض النجف، لم يعد المكان مطاراً، بل أصبح بوابةً للحزن. كانت الوجوه شاحبة من شدة اللوعة، والعيون تفيض بالدموع، والأيدي تمتد نحو النعش وكأنها تخشى أن تفوّت آخر لحظة من ملامسة رجلٍ رأى فيه محبوه رمزاً للصمود ورفض الإذعان.
لم تعد أجهزة التنظيم قادرة إلا على مواكبة بحرٍ بشريٍّ هادر، لأن العاطفة كانت أقوى من كل الحواجز، والمحبة كانت أوسع من كل الخطط. كان النعش ينتقل من كتفٍ إلى كتف، ومن يدٍ إلى يد، حتى بدا وكأنه يسبح فوق أمواجٍ من البشر، تحملها قلوبٌ أخلصت قبل أن تحملها الأجساد.
ولم تكن الهتافات مجرد كلمات، بل كانت عهداً يتجدد، ورسالةً تؤكد أن المبادئ لا تُدفن مع أصحابها، بل تولد من جديد كلما ودّعت الأمة أحد رجالها.
وبين تلك الملايين، وقف طفلٌ عراقي لم يبلغ السابعة من عمره. لم يحمل رايةً، ولم يلقِ خطاباً، ولم يعرف شيئاً من حسابات السياسة وصراعات الدول. لكنه خلع قميصه الصغير، ورماه فوق النعش، ثم بقي ينظر إليه بعينين يغمرهما البكاء.
في تلك اللحظة، صمتت الخطب، وسكتت الشعارات، وتكلمت الفطرة.
أيُّ جامعةٍ تستطيع أن تزرع في قلب طفلٍ هذا المعنى؟ وأيُّ كتابٍ يعلّم البراءة كيف تعبّر عن الوفاء بهذه الصورة؟
إنها مدرسة القيم حين تتحول إلى وجدان، ومدرسة المحبة حين تصبح سلوكاً فطرياً لا يحتاج إلى شرح.
ثم يواصل الموكب مسيره نحو كربلاء... المدينة التي لا تعرف كيف تستقبل الشهداء إلا بالدموع. هناك، عند مرقد الإمام الحسين وأخيه أبي الفضل العباس عليهما السلام، يمتزج الحاضر بالماضي، وكأن الزمن يعود بذاكرته إلى الطف، حيث انتصر الدم على السيف، والمبدأ على القوة.
وفي تلك الأجواء، تتردد في القلوب قبل الأسماع الكلمة الخالدة التي أطلقها الإمام الحسين عليه السلام: «مثلي لا يبايع مثله». كلمةٌ تجاوزت حدود الزمان، وأصبحت رمزاً لرفض الخضوع، وعنواناً للثبات على المبدأ مهما بلغت التضحيات.
إن هذه العبارة، في الوجدان الإسلامي، ليست مجرد موقف تاريخي، بل مبدأ أخلاقي يستحضره المؤمنون كلما رأوا إنساناً يتمسك بما يعتقده حقاً رغم الضغوط والتهديدات.
ولذلك، فإن أعظم ما يمكن أن يهز عروش القوة ليس السلاح، بل الإنسان الذي لا يبيع قناعته، ولا يستبدل كرامته بالأمان، ولا يجعل المبادئ سلعةً في أسواق المصالح.
قد تمتلك القوى الكبرى المال والإعلام والجيوش، وقد تستطيع أن تغيّر خرائط السياسة، لكنها تعجز عن أن تنتزع من القلوب حباً وُلد عن قناعة، أو أن تفرض احتراماً لم تصنعه المواقف.
ولهذا، فإن التاريخ لا يقف طويلاً عند عدد من حضروا التشييع، بل يقف عند تلك الصور التي تبقى خالدة؛ أمٌّ تضم النعش وهي تبكي بحرقة، وشيخٌ يتوكأ على عصاه ليحظى بلمسة وداع، وشابٌّ يهتف حتى يخفت صوته، وطفلٌ يرمي قميصه الصغير فوق النعش، وكأنه يقدم للعالم كله درساً في أن المحبة الصادقة لا تحتاج إلى لغة.
هكذا تكتب الشعوب تاريخها... لا بالحبر، بل بالدموع.
وهكذا يخلد الرجال... لا لأنهم عاشوا طويلاً، بل لأنهم عاشوا ثابتين على ما آمنوا به.
ويبقى الوفاء هو اللغة الوحيدة التي لا تعرف الموت، لأن القلوب التي تعاهدت على المبادئ لا تشيع أصحابها إلى القبور، بل تحمل رسالتهم معها، جيلاً بعد جيل.
وتعانقت الدموع مع كربلاء
......
ليست كل الجنازات سواء، وليست كل النعوش تُحمل على الأكتاف. فهناك نعوش تحملها العقيدة قبل الأيدي، وتشيعها القلوب قبل الجموع، وتكتب سيرتها دموع المحبين قبل أن تكتبها أقلام المؤرخين.
وفي هذا المشهد الأدبي المتخيَّل، لو أن جثمان السيد الشهيد علي الخامنئي وعائلته الذين استشهدوا معه قد حط رحاله في أرض النجف الأشرف، لما كان العراق أمام تشييع رجل، بل أمام لحظةٍ تاريخية يستعيد فيها الوجدان الجمعي معاني الوفاء والثبات.
منذ أن لامست الطائرة أرض النجف، لم يعد المكان مطاراً، بل أصبح بوابةً للحزن. كانت الوجوه شاحبة من شدة اللوعة، والعيون تفيض بالدموع، والأيدي تمتد نحو النعش وكأنها تخشى أن تفوّت آخر لحظة من ملامسة رجلٍ رأى فيه محبوه رمزاً للصمود ورفض الإذعان.
لم تعد أجهزة التنظيم قادرة إلا على مواكبة بحرٍ بشريٍّ هادر، لأن العاطفة كانت أقوى من كل الحواجز، والمحبة كانت أوسع من كل الخطط. كان النعش ينتقل من كتفٍ إلى كتف، ومن يدٍ إلى يد، حتى بدا وكأنه يسبح فوق أمواجٍ من البشر، تحملها قلوبٌ أخلصت قبل أن تحملها الأجساد.
ولم تكن الهتافات مجرد كلمات، بل كانت عهداً يتجدد، ورسالةً تؤكد أن المبادئ لا تُدفن مع أصحابها، بل تولد من جديد كلما ودّعت الأمة أحد رجالها.
وبين تلك الملايين، وقف طفلٌ عراقي لم يبلغ السابعة من عمره. لم يحمل رايةً، ولم يلقِ خطاباً، ولم يعرف شيئاً من حسابات السياسة وصراعات الدول. لكنه خلع قميصه الصغير، ورماه فوق النعش، ثم بقي ينظر إليه بعينين يغمرهما البكاء.
في تلك اللحظة، صمتت الخطب، وسكتت الشعارات، وتكلمت الفطرة.
أيُّ جامعةٍ تستطيع أن تزرع في قلب طفلٍ هذا المعنى؟ وأيُّ كتابٍ يعلّم البراءة كيف تعبّر عن الوفاء بهذه الصورة؟
إنها مدرسة القيم حين تتحول إلى وجدان، ومدرسة المحبة حين تصبح سلوكاً فطرياً لا يحتاج إلى شرح.
ثم يواصل الموكب مسيره نحو كربلاء... المدينة التي لا تعرف كيف تستقبل الشهداء إلا بالدموع. هناك، عند مرقد الإمام الحسين وأخيه أبي الفضل العباس عليهما السلام، يمتزج الحاضر بالماضي، وكأن الزمن يعود بذاكرته إلى الطف، حيث انتصر الدم على السيف، والمبدأ على القوة.
وفي تلك الأجواء، تتردد في القلوب قبل الأسماع الكلمة الخالدة التي أطلقها الإمام الحسين عليه السلام: «مثلي لا يبايع مثله». كلمةٌ تجاوزت حدود الزمان، وأصبحت رمزاً لرفض الخضوع، وعنواناً للثبات على المبدأ مهما بلغت التضحيات.
إن هذه العبارة، في الوجدان الإسلامي، ليست مجرد موقف تاريخي، بل مبدأ أخلاقي يستحضره المؤمنون كلما رأوا إنساناً يتمسك بما يعتقده حقاً رغم الضغوط والتهديدات.
ولذلك، فإن أعظم ما يمكن أن يهز عروش القوة ليس السلاح، بل الإنسان الذي لا يبيع قناعته، ولا يستبدل كرامته بالأمان، ولا يجعل المبادئ سلعةً في أسواق المصالح.
قد تمتلك القوى الكبرى المال والإعلام والجيوش، وقد تستطيع أن تغيّر خرائط السياسة، لكنها تعجز عن أن تنتزع من القلوب حباً وُلد عن قناعة، أو أن تفرض احتراماً لم تصنعه المواقف.
ولهذا، فإن التاريخ لا يقف طويلاً عند عدد من حضروا التشييع، بل يقف عند تلك الصور التي تبقى خالدة؛ أمٌّ تضم النعش وهي تبكي بحرقة، وشيخٌ يتوكأ على عصاه ليحظى بلمسة وداع، وشابٌّ يهتف حتى يخفت صوته، وطفلٌ يرمي قميصه الصغير فوق النعش، وكأنه يقدم للعالم كله درساً في أن المحبة الصادقة لا تحتاج إلى لغة.
هكذا تكتب الشعوب تاريخها... لا بالحبر، بل بالدموع.
وهكذا يخلد الرجال... لا لأنهم عاشوا طويلاً، بل لأنهم عاشوا ثابتين على ما آمنوا به.
ويبقى الوفاء هو اللغة الوحيدة التي لا تعرف الموت، لأن القلوب التي تعاهدت على المبادئ لا تشيع أصحابها إلى القبور، بل تحمل رسالتهم معها، جيلاً بعد جيل.
