﴿وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ﴾

تقليص
X
  •  
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • يازهراء
    مشرفة قسم المجتمع

    • 23-05-2010
    • 1957

    #1

    ﴿وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ﴾

    بسم الله الرحمن الرحيم
    اللهم صل على محمد وآل محمد
    قال تعالى:
    ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [الأنعام: 59].

    كم مرةً شعر الإنسان أنه ضائع؟ كم مرةً ظن أنه نُسي في زحام هذا الكون الهائل؟ كم مرةً نظر إلى السماء المليئة بالمجرات والنجوم، ثم نظر إلى نفسه وقال: أنا مجرد ذرة... فهل يراني الله؟ هل يسمعني؟ هل يعلم بما في قلبي؟
    هذه الآية جاءت لتنتشل الإنسان من هذا الشعور القاتل، ولتقول له: أنت لست منسيًا... بل أنت في علم الله منذ أن كنت نطفةً لم تُرَ، وجنينًا في ظلمات الرحم، وحتى بعد أن تعود ترابًا.
    الله يعلمك لأنه ربك... وربوبية الله لا يغيب عنها شيء.
    انظروا إلى التعبير القرآني المدهش:
    ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾
    قال: ورقة...
    ورقة واحدة...
    في غابةٍ لا يعلم عدد أشجارها إلا الله...
    تهوي في ليلةٍ مظلمة...
    في مكانٍ لا يراه أحد...
    لا يسمع سقوطها إنسان...
    لكن الله يعلم لحظة انفصالها، وزمان سقوطها، ومكان استقرارها.
    فإذا كان يعلم ورقةً لا عقل لها...
    أفلا يعلم دمعةً خرجت من عين عبدٍ مكسور؟
    أفلا يعلم تنهيدة أمٍّ تدعو لولدها في جوف الليل؟
    أفلا يعلم قلبًا يخفي ألمه عن الناس جميعًا؟
    سبحان من لا تضيع عنده الآهات.
    ثم يرتقي القرآن أكثر...
    ﴿وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ﴾
    حتى الحبة الصغيرة المدفونة تحت طبقات التراب...
    لا يراها أحد...
    لكن الله يعلمها.
    وروى أهل البيت عليهم السلام في تفسيرٍ باطني لهذه الآية أن هذه التعابير تشير أيضًا إلى أطوار خلق الإنسان في ظلمات الأرحام؛ فكل مرحلة من مراحل تكوينه معلومة عند الله، محفوظة في علمه، قبل أن تراه عين أو تعرفه أم.
    أي إلهٍ هذا...
    الذي يبدأ رعايتك قبل أن يولد اسمك؟
    إذا كان الله قد اختص نفسه بمفاتح الغيب، فإنه سبحانه أكرم نبيه وآله الطاهرين بعلمٍ عظيمٍ أطلعهم عليه بإذنه، ليكونوا هداةً للخلق.
    فالقرآن يحدثنا عن أنبياء أوتوا شيئًا من العلم.
    فعيسى عليه السلام قال:
    ﴿وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾.
    وسليمان عليه السلام أُعطي من الملك والعلم ما أُعطي.
    والخضر عَلَّمَهُ الله علمًا.
    لكنها كلها مراتب من العلم يمنحها الله لمن يشاء.
    أما رسول الله صلى الله عليه وآله، وأهل بيته عليهم السلام، فقد دلّت النصوص والروايات على أنهم ورثة الكتاب، وأمناء الوحي، وخزّان العلم الإلهي الذي أذن الله لهم أن يحملوه.
    قال تعالى:
    ﴿قُلْ كَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾.
    وقال سبحانه:
    ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ﴾.
    ولذلك كان الناس يرجعون إليهم كلما استعصت عليهم الحقائق، لأنهم معدن الحكمة، وباب مدينة علم رسول الله صلى الله عليه وآله.
    لكن...
    لماذا يثير القرآن هذه المعاني العظيمة؟
    لأنه يعلم أن الإنسان سيأتي يومًا يواجه أسئلةً تهز قلبه.
    واليوم كثير من شبابنا يسأل:
    كيف يستطيع الله أن يدبر هذا الكون كله؟
    كيف يحصي مليارات البشر؟
    كيف يسمع دعاء الجميع في وقتٍ واحد؟
    أسئلة قد تبدو كبيرة...
    لكنها في الحقيقة نشأت لأن الإنسان يقيس قدرة الله بقدرته هو.
    وهنا يقع الخطأ.
    فالإنسان اليوم صنع أجهزةً تحفظ مليارات الصور، وتحصي مليارات البيانات، وتنجز ملايين العمليات في لحظة واحدة.
    فإذا كان هذا من صنع مخلوقٍ ضعيف...
    فكيف بخالق العقل، وخالق المادة، وخالق قوانين الكون؟
    إن الذي خلق القدرة...
    أيعجز عن القدرة؟
    إن الذي خلق العلم...
    أيفوته شيء من العلم؟
    ولهذا قال تعالى:
    ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾.
    أي أن خلق البشر جميعًا، وإحيائهم جميعًا، بالنسبة إلى قدرة الله، لا يشكل مشقةً ولا زيادةً في الجهد، لأن قدرته ليست كقدرة المخلوقين.
    أيها الأحبة...
    حين يدخل الشك قلب شاب...
    لا يكون أول ما يحتاجه التوبيخ...
    بل الاحتواء.
    ولا يحتاج إلى من يسخر من أسئلته...
    بل إلى من يسمعه.
    كم من شابٍ ضاع لأنه لم يجد أبًا يصغي إليه...
    وكم من فتاةٍ انكسرت لأنها خافت أن تسأل.
    فلنكن قريبين من أبنائنا.
    لنفتح لهم صدورنا قبل أن يفتحوا قلوبهم لغيرنا.
    فإن السؤال إذا وجد عالمًا أمينًا صار يقينًا...
    وإذا وجد جاهلًا صار فتنة.
    وأختم بهذه البشارة...
    إذا كان الله يعلم سقوط ورقة...
    فهو يعلم دمعتك.
    وإذا كان يعلم حبةً في ظلمات الأرض...
    فهو يعلم حاجتك التي لم تخبر بها أحدًا.
    وإذا كان يعلم ما في البر والبحر...
    فهو يعلم ما في صدرك.
    فلا تيأس...
    ولا تظن أن دعاءك ضاع...
    ولا تقل: لقد نسيني الله.
    بل قل كما قال يعقوب عليه السلام:
    ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾.
    لأن الذي عنده مفاتح الغيب...
    هو نفسه الذي بيده مفاتح الفرج.
    نسأل الله تعالى أن يملأ قلوبنا يقينًا به، وأن يرزقنا معرفة محمدٍ وآل محمد، وأن يجعلنا من المتمسكين بهديهم، إنه سميع مجيب.
المحتوى السابق تم حفظه تلقائيا. استعادة أو إلغاء.
حفظ-تلقائي
Smile :) Embarrassment :o Big Grin :D Wink ;) Stick Out Tongue :p Mad :mad: Confused :confused: Frown :( Roll Eyes (Sarcastic) :rolleyes: Cool :cool: EEK! :eek:
يعمل...