حل شبهة التعارض بين عصمة النبي (ص) من الناس ، وبين قتله مسموماً بيد الناس .
بسم الله الرحمن الرحيم .
اللهم صل على محمد وآل محمد .
أعظم الله لنا ولكم الأجر بذكرى استشهاد الصادق الأمين خاتم النبيين المحمود الأحمد المصطفى الأمجد أبي القاسم محمد (ص) مسموماً مظلوما ...
تقرير الشبهة : قال الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه الحكيم : { وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ } 1 والتي تعني أنَّه لا يستطيع أحدٌ مِن البشر التأثير على النبيّ (صلّى الله عليه وآله) بأيَّةِ طريقةٍ من الطُّرق ، ثمّ يأتي الشيعةُ ويقولون : (النبيُّ ماتَ مسموماً) ، فأين ذهبت العصمة من الناس إذاً ؟
جواب الشبهة : بسم الله الرحمن الرحيم ، يُشير السائل في كلامه هذا إلى أنّه يرى وجود تناقضٍ أو تعارض بين العصمة المذكورة في آية التبليغ ، وبين القول بوفاة النبيّ الأكرم محمد (صلّى الله عليه وآله) مسموماً ، وأنّ هذا التناقض هو أحد معتقدات الشيعة وأقوالهم ، وللردّ على ذلك لابدّ من البحث في جهتين:
الجهة الأولى : في بيان المعنى المراد من العصمة المذكورة في قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ } .
وقد روى الفريقان نزول الآية في شأن بيعة أمير المؤمنين (ع) في غدير خمّ 2 ... فإنّ المراد بالعصمة في الآية هو الحفظ ، فمعنى قوله تعالى : { وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ } أي : ( والله يحفظك من الناس ) ، وعلى هذا المعنى أجمع علماء التفسير من الفريقين بلا خلاف فيه .
وإنّما اختلفوا في متعلّق العصمة ، فهل يُراد بها عصمته من القتل والسمِّ ونحوهما ، كما قال علماء العامّة 3 ، أو يُراد به عصمته ممّا يخافه من إعلان الرفض والتكذيب والاتّهام بالمحاباة والانحياز لابن عمّه عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) فيما لو بلّغ بولايته ، كما هو مشهور مذهبنا وصريح روايات الأئمّة (عليهم السلام) ، بل وروايات بعض الصحابة في كتب الفريقين.
فمن ذلك : ما روي بسند صحيح ينتهي إلى زرارة والفضيل بن يسار وبكير بن أعين ومحمّد بن مسلم وبريد بن معاوية وأبي الجارود جميعاً عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال : ( أمر الله عزّ وجلّ رسوله بولاية علي وأنزل عليه : { إِنَّما وَلِيُّكُمُ الله ورَسُولُه والَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم راكعون } ، وفرض ولاية أولي الأمر ، فلم يدروا ما هي ، فأمر الله محمّداً (صلّى الله عليه وآله) أنْ يفسّر لهم الولاية كما فسّر لهم الصلاة والزكاة والصوم والحجّ ، فلمّا أتاه ذلك من الله ضاق بذلك صدر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وتخوّف أنْ يرتّدوا عن دينهم وأنْ يكذّبوه ، فضاق صدره وراجع ربّه عزّ وجلّ ، فأوحى الله عزّ وجلّ إليه : { يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَه والله يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ } . 4
ومنها : ما روي عن الباقر (عليه السلام) أيضاً أنه قال : ( وكان كمال الدين بولاية عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) ، فقال عند ذلك رسول الله (صلّى الله عليه وآله): أمّتي حديثو عهدٍ بالجاهليّة ، ومتى أخبرتهم بهذا في ابن عمّي يقول قائل ، ويقول قائل ... ) . 5
ومنها : ما روي عن ابن عباس وجابر بن عبد الله قالا : ( أمر الله محمّداً أن ينصِّب عليّاً للناس ليخبرهم بولايته ، فتخوّف رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنْ يقولوا : حابى ابن عمّه ، وأن يطعنوا في ذلك عليه ، فأوحى الله إليه : { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ.. } ، فقام رسول الله بولايته يوم غدير خمّ ) . 6
وبعد كلّ هذا ، بات من الواضح أنّ موضوع العصمة المذكورة في الآية أجنبيٌّ عن مسألة موته (صلّى الله عليه وآله) مسموماً ، ولا نربط بينهما نحن الشيعة ؛ لأنّ مشهور مذهبنا أنّ خوفه (صلّى الله عليه وآله) إنّما كان على الدعوة ومستقبلها ، بأنْ يكذّبه قومه فيهجرون الإسلام بالكلّية . ( منقول وبتصرف وتعديل كثير ) .
****************************************
1 - سورة المائدة ، الآية 67 .
2 - انظر : تفسير الأمثل ، آية الله الشيخ ناصر مكارم الشيرازي ، ج 4 ، ص 85 ... موسوعة الغدير ، للعلامة الأميني ، ج 1 ، ص 214 ... شواهد التنزيل ، للحاكم الحسكاني ، ج 1 ، ص 249 .
3 - انظر : تفسير الرازيّ ، ج 12 ، ص 50 ... تفسير القرطبيّ ، ج 6 ،ص 244 ... تفسير الكشاف ، للزمخشري ، ج 1 ، ص 631 .
4 - الكافي ، الكليني ، ج 1 ، ص 289 .
5 - الكافي ، الكليني ، ج 1 ، ص 290 .
6 - شواهد التنزيل ، للحاكم الحسكاني ، ج 1 ، ص 256 .
بسم الله الرحمن الرحيم .
اللهم صل على محمد وآل محمد .
أعظم الله لنا ولكم الأجر بذكرى استشهاد الصادق الأمين خاتم النبيين المحمود الأحمد المصطفى الأمجد أبي القاسم محمد (ص) مسموماً مظلوما ...
تقرير الشبهة : قال الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه الحكيم : { وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ } 1 والتي تعني أنَّه لا يستطيع أحدٌ مِن البشر التأثير على النبيّ (صلّى الله عليه وآله) بأيَّةِ طريقةٍ من الطُّرق ، ثمّ يأتي الشيعةُ ويقولون : (النبيُّ ماتَ مسموماً) ، فأين ذهبت العصمة من الناس إذاً ؟
جواب الشبهة : بسم الله الرحمن الرحيم ، يُشير السائل في كلامه هذا إلى أنّه يرى وجود تناقضٍ أو تعارض بين العصمة المذكورة في آية التبليغ ، وبين القول بوفاة النبيّ الأكرم محمد (صلّى الله عليه وآله) مسموماً ، وأنّ هذا التناقض هو أحد معتقدات الشيعة وأقوالهم ، وللردّ على ذلك لابدّ من البحث في جهتين:
الجهة الأولى : في بيان المعنى المراد من العصمة المذكورة في قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ } .
وقد روى الفريقان نزول الآية في شأن بيعة أمير المؤمنين (ع) في غدير خمّ 2 ... فإنّ المراد بالعصمة في الآية هو الحفظ ، فمعنى قوله تعالى : { وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ } أي : ( والله يحفظك من الناس ) ، وعلى هذا المعنى أجمع علماء التفسير من الفريقين بلا خلاف فيه .
وإنّما اختلفوا في متعلّق العصمة ، فهل يُراد بها عصمته من القتل والسمِّ ونحوهما ، كما قال علماء العامّة 3 ، أو يُراد به عصمته ممّا يخافه من إعلان الرفض والتكذيب والاتّهام بالمحاباة والانحياز لابن عمّه عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) فيما لو بلّغ بولايته ، كما هو مشهور مذهبنا وصريح روايات الأئمّة (عليهم السلام) ، بل وروايات بعض الصحابة في كتب الفريقين.
فمن ذلك : ما روي بسند صحيح ينتهي إلى زرارة والفضيل بن يسار وبكير بن أعين ومحمّد بن مسلم وبريد بن معاوية وأبي الجارود جميعاً عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال : ( أمر الله عزّ وجلّ رسوله بولاية علي وأنزل عليه : { إِنَّما وَلِيُّكُمُ الله ورَسُولُه والَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم راكعون } ، وفرض ولاية أولي الأمر ، فلم يدروا ما هي ، فأمر الله محمّداً (صلّى الله عليه وآله) أنْ يفسّر لهم الولاية كما فسّر لهم الصلاة والزكاة والصوم والحجّ ، فلمّا أتاه ذلك من الله ضاق بذلك صدر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وتخوّف أنْ يرتّدوا عن دينهم وأنْ يكذّبوه ، فضاق صدره وراجع ربّه عزّ وجلّ ، فأوحى الله عزّ وجلّ إليه : { يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَه والله يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ } . 4
ومنها : ما روي عن الباقر (عليه السلام) أيضاً أنه قال : ( وكان كمال الدين بولاية عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) ، فقال عند ذلك رسول الله (صلّى الله عليه وآله): أمّتي حديثو عهدٍ بالجاهليّة ، ومتى أخبرتهم بهذا في ابن عمّي يقول قائل ، ويقول قائل ... ) . 5
ومنها : ما روي عن ابن عباس وجابر بن عبد الله قالا : ( أمر الله محمّداً أن ينصِّب عليّاً للناس ليخبرهم بولايته ، فتخوّف رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنْ يقولوا : حابى ابن عمّه ، وأن يطعنوا في ذلك عليه ، فأوحى الله إليه : { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ.. } ، فقام رسول الله بولايته يوم غدير خمّ ) . 6
وبعد كلّ هذا ، بات من الواضح أنّ موضوع العصمة المذكورة في الآية أجنبيٌّ عن مسألة موته (صلّى الله عليه وآله) مسموماً ، ولا نربط بينهما نحن الشيعة ؛ لأنّ مشهور مذهبنا أنّ خوفه (صلّى الله عليه وآله) إنّما كان على الدعوة ومستقبلها ، بأنْ يكذّبه قومه فيهجرون الإسلام بالكلّية . ( منقول وبتصرف وتعديل كثير ) .
****************************************
1 - سورة المائدة ، الآية 67 .
2 - انظر : تفسير الأمثل ، آية الله الشيخ ناصر مكارم الشيرازي ، ج 4 ، ص 85 ... موسوعة الغدير ، للعلامة الأميني ، ج 1 ، ص 214 ... شواهد التنزيل ، للحاكم الحسكاني ، ج 1 ، ص 249 .
3 - انظر : تفسير الرازيّ ، ج 12 ، ص 50 ... تفسير القرطبيّ ، ج 6 ،ص 244 ... تفسير الكشاف ، للزمخشري ، ج 1 ، ص 631 .
4 - الكافي ، الكليني ، ج 1 ، ص 289 .
5 - الكافي ، الكليني ، ج 1 ، ص 290 .
6 - شواهد التنزيل ، للحاكم الحسكاني ، ج 1 ، ص 256 .
