الانتظار الأخير:
كانت رقية طفلةً يكسو وجهَها نورُ البراءة، وتشرق الطمأنينة من عينيها. لم تتجاوز الرابعة من عمرها حين رافقت والدها في سفرٍ طويل، قطعت فيه القوافل مسافاتٍ شاسعة وأيامًا متتابعة. لم تكن تعلم ما الذي ينتظرها، ولا ما تخبئه الأيام من أحداثٍ ستغيّر حياتها إلى الأبد.
كانت تنظر بعينيها الصغيرتين إلى تلك الأرض الغريبة. صحراء واسعة، شمس حارقة، أرض متشققة، ونهرٌ يجري على مقربةٍ منها تحفُّ به نخلات قليلة. لم تكن تشبه أي مكانٍ رأته من قبل. ثم تعود ببصرها إلى والدها، فتشعر بالأمان ما دام بقربها.
حطَّ الركب رحاله في تلك البقعة التي سُمِّيت كربلاء. وما إن مضت الأيام حتى أحاطت الخيول بالمخيم، وتعالت الأصوات، وتبدلت السكينة خوفًا. شعرت رقية برهبةٍ لم تعرفها من قبل، وظلت تنظر إلى وجه أبيها، كأنها تخشى أن يبتعد عنها.
ساور قلبها شعورٌ غامض بأن أمرًا عظيمًا سيقع.
وفي يومٍ اشتعلت فيه الحرب، ارتفعت الصيحات وسالت الدماء. كانت رقية تقف بعيدًا، تحدق في ساحة القتال، تنتظر عودة أبيها. طال الانتظار، ولم يعد. تسارعت أنفاسها، وارتجف قلبها الصغير، كأن حدسًا خفيًا يخبرها أن أباها لن يعود.
ثم هاجمت الخيل الخيام، وعمَّ الخوف أرجاء المكان. عندها أدركت أن المصيبة قد وقعت.
ركضت بين الرمال وهي تصرخ: «يا أبتاه! يا أبتاه!»
حتى وصلت إلى ساحة القتال، فرأت أباها صريعًا على الأرض. لم تستوعب عيناها هول المشهد، فألقت بنفسها عليه وهي تبكي بحرقةٍ وألم.
ومضت الأيام ثقيلةً عليها، وكانت لا تفارقها ذكرى أبيها. كانت تبكي في كل ليلة وتطلبه، وتسأل عنه ببراءة الطفولة ووجع اليتم.
وفي إحدى الليالي، جاء القوم برأس أبيها إليها. وما إن وقع بصرها عليه حتى ضمته إلى صدرها، وأغرقت وجهها بالدموع.
كانت تنادي أباها بحرقةٍ وألم، حتى أنهكها الحزن، وفاضت روحها شوقًا إليه، لتلحق بأبيها بعد أن عجز قلبها الصغير عن احتمال الفراق. وهكذا انتهى انتظار الطفلة؛ فما طال انتظارها في الأرض، حتى لقيت أباها في السماء.
قصة قصيرة //
بقلم: م.م. زهراء رسول تركي
كانت رقية طفلةً يكسو وجهَها نورُ البراءة، وتشرق الطمأنينة من عينيها. لم تتجاوز الرابعة من عمرها حين رافقت والدها في سفرٍ طويل، قطعت فيه القوافل مسافاتٍ شاسعة وأيامًا متتابعة. لم تكن تعلم ما الذي ينتظرها، ولا ما تخبئه الأيام من أحداثٍ ستغيّر حياتها إلى الأبد.
كانت تنظر بعينيها الصغيرتين إلى تلك الأرض الغريبة. صحراء واسعة، شمس حارقة، أرض متشققة، ونهرٌ يجري على مقربةٍ منها تحفُّ به نخلات قليلة. لم تكن تشبه أي مكانٍ رأته من قبل. ثم تعود ببصرها إلى والدها، فتشعر بالأمان ما دام بقربها.
حطَّ الركب رحاله في تلك البقعة التي سُمِّيت كربلاء. وما إن مضت الأيام حتى أحاطت الخيول بالمخيم، وتعالت الأصوات، وتبدلت السكينة خوفًا. شعرت رقية برهبةٍ لم تعرفها من قبل، وظلت تنظر إلى وجه أبيها، كأنها تخشى أن يبتعد عنها.
ساور قلبها شعورٌ غامض بأن أمرًا عظيمًا سيقع.
وفي يومٍ اشتعلت فيه الحرب، ارتفعت الصيحات وسالت الدماء. كانت رقية تقف بعيدًا، تحدق في ساحة القتال، تنتظر عودة أبيها. طال الانتظار، ولم يعد. تسارعت أنفاسها، وارتجف قلبها الصغير، كأن حدسًا خفيًا يخبرها أن أباها لن يعود.
ثم هاجمت الخيل الخيام، وعمَّ الخوف أرجاء المكان. عندها أدركت أن المصيبة قد وقعت.
ركضت بين الرمال وهي تصرخ: «يا أبتاه! يا أبتاه!»
حتى وصلت إلى ساحة القتال، فرأت أباها صريعًا على الأرض. لم تستوعب عيناها هول المشهد، فألقت بنفسها عليه وهي تبكي بحرقةٍ وألم.
ومضت الأيام ثقيلةً عليها، وكانت لا تفارقها ذكرى أبيها. كانت تبكي في كل ليلة وتطلبه، وتسأل عنه ببراءة الطفولة ووجع اليتم.
وفي إحدى الليالي، جاء القوم برأس أبيها إليها. وما إن وقع بصرها عليه حتى ضمته إلى صدرها، وأغرقت وجهها بالدموع.
كانت تنادي أباها بحرقةٍ وألم، حتى أنهكها الحزن، وفاضت روحها شوقًا إليه، لتلحق بأبيها بعد أن عجز قلبها الصغير عن احتمال الفراق. وهكذا انتهى انتظار الطفلة؛ فما طال انتظارها في الأرض، حتى لقيت أباها في السماء.
قصة قصيرة //
بقلم: م.م. زهراء رسول تركي
