مفردات قيّمة من القرآن الكريم، ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ﴾

تقليص
X
  •  
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • الاشتر
    مشرف قسم المنوع

    • 27-02-2022
    • 2869

    #1

    مفردات قيّمة من القرآن الكريم، ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ﴾

    بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
    اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد


    قال الله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ۚ وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا[1].

    من أروع ما صور الله تعالى به يوم الحساب في هذه الآية الشريفة التي تقرع القلوب وتهز المشاعر وترتجف بها الأبدان، نعم ذلك اليوم هو يوم الخزي والخجل.
    وذلك الموقف هو موقف الحياء والذلّة والمسكنة.
    ومثل الإنسان في هذه الدنيا كمثل طائر الحجل الذي يدفن رأسه في الثلج لئلّا يراه الصيّاد.
    فهو يتخيّل في كلّ قبيح يرتكبه أنّ الله لا يراه، وأنّه إذا تغافل فإنّ عالم الوجود سيغفل عنه.
    فهو يتصوّر هذا العالم عالماً جاهلًا أعمى، ويظنّ بأنّ عالم المادّة والطبع عالم بلا شعور.
    فهو لا يرى الملائكة مهيمنين على هذا العالم، فلذلك يخيّل إليه أنّ ما يراه هو الحقيقة، غافلًا عن أنّ هذا لا يعدو مجرّد تصوّر ووهم، وأنّ العالم عالم حيّ.
    ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى
    [2]، لقد كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقرأ هذه الآية فيكرّرها، لأنّه يرى حقيقة الأمر ويعلمها، إذ كان ينظر بعين البصيرة فيرى أنّ جميع موجودات عالم الملك تخضع لقيموميّة موجودات عالم الملكوت، وأنّ عالم البدن والطبع محكومٌ لعالم الغيب وخاضع له، وأنّ البدن خاضع للنفس، وأنّ جميع العالم خاضع لتلك الروح الكلّيّة والولاية العامّة المهيمنة على جميع الموجودات، وعلى هذا الأساس، فإذا ما تغافل المرء مع كلّ هذه الخصوصيّات فإنّه سيبتلى غداً بالحسرة الشديدة والندم العميق، ويتعالى صراخه قائلًا: ﴿يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللهِ[3].
    لقد كنت غافلًا في محضر الله تعالى، ولقد كان لي المقام الفلانيّ فلم أبلغ المقصود، فكنت خائناً لربّي الذي أوجدني ورعاني في كلّ جانب والخالق الذي ربّاني وتعاهدني.
    لقد بلغنا مقام الكمال والعلم والقدرة، فنظرنا إلى الدنيا باستصغار، وألهينا أنفسنا بالشهوات والغفلة حتّى انقضى العمر وغادرنا هذا العالم بأيدٍ صفرات خالية، وذاك هو موقف الندم.
    إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) إمامنا؛ ومعنى الإمام أنّه قدوتنا الذي نتبعه ونقتفي أثره.
    ومن لوازم الإمامة أن يجعل المأموم أعماله وفق حركات الإمام وسكناته، وإلّا لما صدق للائتمام من معنى، ولو أمّ امرؤ جماعة فركع الإمام ووقف المأموم، ثمّ سجد الإمام فقرأ المأموم الحمد والسورة، ثمّ قنت الإمام فسجد المأموم، ثمّ نهض الإمام فجلس المأموم، لما دُعي ذلك ائتماماً. بل الائتمام [بعد حصول النيّة الصادقة والقصد] عبارة عن المتابعة والاقتداء في جميع الأعمال والأفعال والأقوال.
    وأمير المؤمنين (عليه السلام) هو إمامنا بلا ريب، إلّا أنّه ينبغي أن نرى مدى ائتمامنا به.
    أنأتمّ به في جميع الحالات واللحظات؟ أينحصر ائتمامنا به في الأفعال الخارجيّة أم في الخواطر الذهنيّة، أم في المعاني والامور الوجدانيّة القلبيّة؟ أكنّا مستعدّين لتطهير أنفسنا وتزكيتها كما فعل؟ وهو القائل: -
    النفسُ تبكي على الدنيا وقد علمت *** أن السعادةَ فيها تركُ ما فيها
    لا دارَ للمرءِ بعد الموتِ يسكنُها
    *** إلا التي كانَ قبلَ الموتِ بانيها
    فإن بناها بخيرٍ طابَ مسكنُهُ
    ***وإن بناها بشرٍّ خابَ بانيها
    أموالُنا لذوي الميراثِ نجمعُها
    *** ودورُنا لخرابِ الدهرِ نبنيها
    لا تركننَّ إلى الدنيا وما فيها
    *** فالموتُ لا شكَّ يفنينا ويفنيها
    والنفسُ تعلمُ أني لا أُصادقُها
    *** ولستُ أرشدُ إلا حين أعصيها
    وأعملُ لدارٍ غداً رضوانُ خازنُها
    *** والجارُ أحمدُ والرحمنُ ناشيها
    والخلاصة فإنّ عالم التكوين التحقّق الخارجيّ يقظ، وأنّ وليّ مركز الفعل الإلهيّ حيّ، وعلى الإنسان أن يتحرّك باستمرار على مسار الصراط المستقيم وسبيل العدالة، فأفعاله الخارجيّة وأفكاره الذهنيّة وخواطره القلبيّة في صراط هدى الحقّ، وعلى الإنسان أن يجسّد الحقّ بتمام معنى الكلمة وأن يجتنب الباطل، وإلّا فسيأتي يوم تلزمه فيه الحسرة والندم.
    يوم الجزاء الذي تأتي فيه الملائكة بأعمال الإنسان فتعرضها عليه، فيتعالى صراخه: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَمُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ﴾.


    [1] سورة الكهف، الآية: 49.
    [2] سورة القيامة، الآية: 36.
    [3] سورة الزمر، الآية: 56.

المحتوى السابق تم حفظه تلقائيا. استعادة أو إلغاء.
حفظ-تلقائي
Smile :) Embarrassment :o Big Grin :D Wink ;) Stick Out Tongue :p Mad :mad: Confused :confused: Frown :( Roll Eyes (Sarcastic) :rolleyes: Cool :cool: EEK! :eek:
يعمل...