نحو بناء الذات 4 (اللذة والكمال):

تقليص
X
  •  
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • يازهراء
    مشرفة قسم المجتمع

    • 23-05-2010
    • 1986

    #1

    نحو بناء الذات 4 (اللذة والكمال):

    بسم الله الرحمن الرحيم
    اللهم صلِّ على محمد وآل محمد

    إنَّ اللذة ليست هدفًا بحد ذاتها، وإنما هي علامة تدل على أن الإنسان قد حقق شيئًا ينسجم مع طبيعته. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو:
    هل كل ما يمنحنا لذة يقودنا إلى الكمال؟
    والجواب بكل وضوح: لا.
    فليست كل لذة دليلًا على الخير، وليست كل متعة طريقًا إلى السعادة. فهناك لذات مؤقتة تنتهي بسرعة، وهناك لذات أعمق ترتبط بنمو الإنسان وتكامله.
    ولهذا لا بد من التمييز بين نوعين من اللذة:
    أولًا: اللذة المؤقتة
    وهي اللذة المرتبطة بالحواس، مثل:
    الطعام.
    النوم.
    المال.
    الترفيه.
    وهذه اللذات ليست محرمة في ذاتها، بل هي جزء من طبيعة الإنسان، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول من وسيلة إلى غاية، ومن نعمة إلى هدف يسعى الإنسان وراءه طوال حياته.
    فهي لذات محدودة وقصيرة الأمد، وإذا بالغ الإنسان في طلبها وجعلها محور حياته، فقد يخسر آخرته ويأتي يوم القيامة صفر اليدين.
    وقد وصف القرآن هذه الشهوات بقوله تعالى:
    ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ... ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران: 14].
    وتأمل في كلمة «متاع»؛ فالمتاع شيء يُنتفع به مدة محدودة ثم ينتهي، ولذلك كانت الشهوات مرتبطة بالزوال لا بالبقاء.
    ثانيًا: اللذة الحقيقية
    وهي اللذة الناتجة عن تحقيق الكمال، مثل:
    لذة العبادة.
    لذة العلم.
    لذة العطاء.
    لذة التقرب إلى الله.
    وهذه اللذات لا تنتهي بانتهاء اللحظة، بل تترك أثرًا عميقًا في النفس، وتمنح الإنسان شعورًا بالرضا والسكينة.
    ولعل أبسط مثال على ذلك:
    تخيل طفلًا يحب الحلوى، فيشعر بلذة كبيرة عند تناولها، لكنه بعد دقائق ينسى تلك اللذة ويبحث عن المزيد.
    وفي المقابل، هناك طالب يجتهد سنوات طويلة حتى يحقق هدفًا كبيرًا، فيشعر بسعادة مختلفة تمامًا؛ لأنها مرتبطة بالإنجاز والنمو وتحقيق الذات.
    ومن هنا ندرك أن كل إنسان يبحث عن السعادة، لكن كثيرًا من الناس يخلطون بين السعادة واللذة.
    فاللذة قد تكون لحظية، أما السعادة فهي حالة أعمق وأكثر ثباتًا.
    ولهذا نجد أشخاصًا يملكون المال والشهرة وكل أسباب الرفاهية، ومع ذلك يشعرون بالفراغ؛ لأن القلب لا يكتفي بالشبع المادي، بل يحتاج إلى غذاء آخر.
    إن راحة الجسد تتحقق بالطعام والنوم، أما راحة الروح فلا تتحقق إلا بالاتصال بمصدر الكمال، وهو الله سبحانه وتعالى.
    ولهذا قال تعالى:
    ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28].
    فالطمأنينة ليست في كثرة ما نملك، بل في قوة صلتنا بالله.
    وقد تحدث القرآن عن فلسفة البحث عن اللذة العاجلة، فقال تعالى:
    ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء: 18].
    فاللذة المنفصلة عن الكمال هي لذة عاجلة تخدع الحواس، لكنها تترك الروح فارغة.
    وفي المقابل، يحدثنا القرآن عن الحياة الحقيقية، فيقول:
    ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: 64].
    وكلمة «الحيوان» هنا لا تعني ما يتبادر إلى الذهن، وإنما تعني الحياة الكاملة الحقيقية التي لا نقص فيها ولا زوال.
    ومن هنا نفهم أن طريق الكمال هو طريق السعادة.
    والكمال في القرآن لا يعني العصمة أو الوصول إلى مرحلة لا يخطئ فيها الإنسان، بل يعني التزكية والترقي المستمر نحو الله.
    ولهذا قال تعالى:
    ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: 9-10].
    فالفلاح هو السعادة الحقيقية الناتجة عن تزكية النفس وتطهيرها من اللذات الخادعة.
    وعندما يربط الإنسان لذته بالطاعة والتقرب إلى الله، تتحول اللذة من عبء يورث الندم إلى سكينة دائمة.
    قال تعالى:
    ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: 97].
    والحياة الطيبة لا تعني حياة خالية من البلاء أو الألم، وإنما تعني حياة ممتلئة بالمعنى والأنس بالله والرضا بقضائه.
    ولذلك لا تجعل السؤال في حياتك:
    ما الذي يمنحني لذة الآن؟
    بل اجعل السؤال:
    ما الذي يقربني من الكمال ويمنحني سعادة حقيقية في حياتي الأبدية؟
    وما أجمل أن يتحول سؤال الإنسان من:
    ما الذي يمتعني الآن؟
    إلى:
    ما الذي يبقيني قريبًا من الله، حتى لو كان في هذه اللحظة من حياتي وجع أو ألم أو حرمان أو فقد؟
    فاللذة التي تنفصل عن الكمال قد تخدع الإنسان، أما اللذة المرتبطة بالله فهي التي تمنح القلب الطمأنينة، وتصنع السعادة التي لا تزول.
المحتوى السابق تم حفظه تلقائيا. استعادة أو إلغاء.
حفظ-تلقائي
Smile :) Embarrassment :o Big Grin :D Wink ;) Stick Out Tongue :p Mad :mad: Confused :confused: Frown :( Roll Eyes (Sarcastic) :rolleyes: Cool :cool: EEK! :eek:
يعمل...