أدب الدعاء .. قراءة في صحائف آل محمد (عليهم السلام)
علي حسين الخبازاليوم, 10:13 3مقالات✏️ تعديل

حجم الخط:أ-أأ+
أدب الدعاء .. قراءة في صحائف آل محمد (عليهم السلام)
علي حسين الخباز
هناك كتب قريبة من النفس، تحمل البهجة الروحية، وتقدّم المعنى الأقرب إلى المثقف الذي يعي مسؤولية القراءة. وأنا سعيد فعلاً بأنني أمتلك مجموعة من القراءات في النموذج السردي لأدب الدعاء، ذلك الأدب الذي يتوافر على فضاءات قابلة لتعدد المقاربات، ويدعو إلى الغوص في عوالمه الإبداعية وما تمتلكه من شمولية في التلقي.
ولإضاءة جوانب هذا الأدب، لا بد من استيعاب فضاءات الروح وما تحمله من فكر ورؤى وإبداع متألق. وهذا ما وجدته في كتاب «أدب الدعاء.. قراءات في صحائف آل محمد» للأستاذ المساعد الدكتور علي مجيد البديري، الذي تناول فيه مجموعة من أدعية الأئمة المعصومين (عليهم السلام)، رابطاً بينها من خلال اشتراكها في استيعاب التجربة الإيمانية، والتوجه إلى العالم الروحي، والاهتمام بالقضايا الإنسانية.
دعاء الصديقة الزهراء وأبعاد التجربة الإيمانية
توقف الباحث عند أسلوبية دعاء الصديقة فاطمة الزهراء (عليها السلام) لشيعتها، متناولاً أبعاده المعرفية، ومتتبعاً المنجز الدعائي بوصفه مناخاً تواصلياً يضيء جوانبه الموضوعية والفنية.
ويحقق المعصوم من خلال هذا التواصل أبعاداً معرفية عدة، من شأنها ترسيخ قيم أخلاقية وعقائدية وثقافية في نفس المدعو له. ويرى الباحث أن أدب الدعاء يمثل مفردة مهمة من مفردات حياة المعصوم ومواقفه.
وأرى أن الأدب الدعائي يمكن أن يُعدّ نوعاً من أدب السيرة الذاتية المتوارية؛ إذ يستطيع المتلقي أن يستشف من خلاله معاناة المرسل وبعض مضامين حياته. فثمة واقعية وجدانية تكشف عن جوانب من التجربة الشخصية، كما في قولها (عليها السلام): «وبكاء ولدي في مفارقتي».
ومن خصائص الأدب الدعائي لسيدة نساء العالمين (عليها السلام) شمولية الرعاية لجميع الموالين. ويرى الدكتور البديري أن الارتباط العميق بين الموالي وأهل البيت (عليهم السلام) تحيطه رعاية الله سبحانه وتعالى وتحفظه من الزوال، وأن هناك بعداً روحياً يصل بهذه التجليات إلى مستوى الانتماء الحقيقي.
كما تظهر في الدعاء أنساق أسلوبية مثّلت البعد العقدي، وتضمنت مفاهيم التوحيد والنبوة والإمامة والعدل والمعاد والشفاعة. وتبرز في تلك السطور سطوة الطلب التي تحيل الموضوع إلى معنى شمولي أوسع، كما في عبارة: «شفاعة أمة محمد صداق فاطمة (عليها السلام)»، وهي صورة اختزلت كثيراً من التفاصيل ومثّلت مختلف أطياف الأمة الإسلامية، لاتصال هذا البعد بمفهوم الشفاعة.
وتناول الدكتور علي مجيد البديري مسألة في غاية الأهمية، متوقفاً عند دلالة اللام المتصلة بياء المتكلم، ليؤكد عدم تعارض حقيقة الشفاعة مع عقيدة التوحيد. ثم اتسع جوهر النص ليشمل البعد الأخلاقي، ويؤكد أن الانتماء الحقيقي إلى الولاية يمثل منطقة جذب وتأثير عالية القيمة، تنعكس إيحاءاتها على فكر المؤمن وسلوكه.
وهناك أبعاد وحقائق أخرى، من بينها البعد الثقافي؛ إذ ركزت القراءة على أهمية الوعي بمضامين الأدعية الشريفة الواردة عن الصديقة الزهراء (عليها السلام)، وعدم الاكتفاء بتلاوتها بعيداً عن معانيها التربوية والمعرفية.
دعاء عرفة وفاعلية التأمل
تجلت في دعاء عرفة قدرات إبداعية وخصوصية واضحة في التفكر والتأمل. وسعت قراءة الدكتور البديري إلى تفعيل هذا البعد، الذي أطلق عليه اسم «المكوّن التواصلي»، متأملةً أعماق النص ودقة بنائه والعلاقات التي تربط عناصره وفق معطياته الداخلية.
واعتمد الباحث قدرات تحليلية تتابع مكونات الدعاء، من دون إرغام النص على الخضوع لمرجعيات مستوردة؛ لما يمتلكه من قدرة ذاتية على الارتقاء بالإنسان في سلّم المدارك، وتعريفه بضرورة النجاة من مزالق الانجراف وراء المتطلبات المادية.
نجد الباحث تارةً يدخل إلى العوالم الداخلية للنص، وتارةً أخرى يتجه إلى عوالمه الخارجية. ويستشهد برأي العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي، الذي يرى أن سعي الإنسان إلى اتباع ما يريده الله الخالق منه ينسجم مع ما يهديه إليه نظام الوجود؛ فما يريده الله للإنسان من الدين هو نفسه ما تريده الفطرة ويقود إليه نظام الوجود.
وسعى الباحث إلى إثارة أسئلة ترصد طبيعة العلاقة الشخصية مع الله، وتبحث في العوالم الغيبية بوسائل فلسفية متعددة، متناولةً قضايا الجزاء والموت والإدراك وطرائق الاستدلال على وجود الخالق.
الصحيفة السجادية.. الثقافة بوصفها دعاء
اختارت القراءة النقدية الصحيفة السجادية، متناولةً إياها تحت عنوان «الثقافة بوصفها دعاء». ومن المعروف أن للدعاء أثراً عظيماً في طمأنينة القلب وانشراح الصدر والشعور بالسعادة.
وقد ورد عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) ما يبين مكانة الدعاء في حياة المؤمن وأهميته في السلوك اليومي، ومن ذلك: «الدعاء مخ العبادة»، و**«لا يهلك مع الدعاء أحد»**. كما ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام): «الدعاء هو العبادة».
ويرى المؤلف أن الشروع في هذا السلوك لا يتحقق من دون التوفيق الإلهي، وأن الإمام السجاد (عليه السلام) كان يتعامل مع الدعاء بوصفه ممارسة حياتية فاعلة، لا مجرد نص يصوغه أو كلمات يرددها.
فالثقافة تتوسل الدعاء طريقاً لبناء الإنسان، ولا سيما حين تقترن بالعمل؛ لأن الثقافة، وفق هذا المفهوم، تمتلك معنى تربوياً وتنموياً ينمّي قدرات الإنسان ويوسّع حضوره في العالم الاجتماعي.
والدخول في الحصن الإلهي مشروط باستعانة العبد بالله تعالى واستظهاره به في مواجهة الشيطان، بما يترك أثره في المسعى السلوكي. فالثقافة الإلهية تمتلك عمقاً إنسانياً يثبت ركيزة الولاء لله تبارك وتعالى، ويجعلها عماداً لوعي المؤمن وعلامة فارقة في شخصيته. ويبقى هذا الأمر مرهوناً بسعي الإنسان وإخلاصه، بما يمثل استعداداً روحياً لتلقي الفيض الإلهي.
ويدعو خطاب الصحيفة السجادية إلى ثقافة مثالية تقوّي صلة الإنسان بالله وبالمجتمع؛ لأنه يستشعر من خلالها معنى الانتماء إلى ثقافة ربانية، ويعي حقوق الآخرين، فتغدو علاقاته أكثر احتراماً للإنسان وكرامته؛ لأنها تُبنى بين يدي الله تعالى.
وتتضمن الصحيفة أيضاً رؤية كونية من خلال الأدعية الواردة عند رؤية الهلال والسحاب والبرق وسماع صوت الرعد، وهي أدعية تعكس جمالية التأمل في ظواهر الكون.
وقد منحتنا القراءة الواعية للدكتور علي البديري رؤى منفتحة على الوجوه المعنوية للدعاء؛ فهو يراه ساحة تُختبر فيها القدرة على التأمل والتفكر، وتجليات روحية تستمد يقظتها من جوهر العبادة.
ومن هنا لا يمكن فصل التأمل في الدعاء عن ذات المعصوم، لأن دعاءه يعبّر عن ذاته، ويستحضر حياته وخصوصية مواقفه. وبذلك يشكّل الدعاء واقعاً متكاملاً بمحاوره النفسية والفكرية والمعيشية، وإن كان الاستدلال البحثي قد ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك.
وتلك يقظة باحث يدرك أن الصحيفة السجادية لا يمكن حصرها في الظروف السياسية والواقع المعاش، وإنما هي ممارسة عبادية مهمة في حياة المعصوم. غير أننا نرى أن تبدل الفضاءات والظروف يفتح المجال لمناقشة قضايا نفسية واجتماعية أكثر دقة، ويسمح بالبحث في جوانب أشد تخصصاً في المعارف الإلهية.
فالخطاب الدعائي يحرص على بناء علاقة روحية فائقة مع الموجودات، وعلى رؤية الله بالقلب، كما يتجلى في قول أمير المؤمنين علي (عليه السلام): «ويلك، ما كنت أعبد رباً لم أره».
أدبية التصوير العرفاني
يرى المؤلف، في دراسته لأدبية التصوير العرفاني، أن المناجاة تمثل أحد أنماط فن القول، وأنها فضاء عبادي أُنسي من فضاءات العرفان، وخطاب سري يتوجه به المناجي إلى الله سبحانه وتعالى.
وهذه الخصوصية تجعل من المناجاة نصاً إبداعياً يمتلك خصائص ومزايا جمالية، ويستثمر الإمكانات اللغوية والأسلوبية والبلاغية. ويُنظر إلى التصوير العرفاني على أنه نمط من أنماط التصوير الفني الذي يزاوج بين التصوير الذهني والتصوير اللغوي، ويعبّر عن الحياة الروحية للعارف وأحواله الجوانية.
ونصل من ذلك إلى أن التصوير في المناجاة أداة ووسيلة، وليس غاية في ذاته، وهو رأي مهم. أما الرأي الثاني الذي استوقفنا، فهو سعي المناجاة إلى تحقيق استجابة نفسية ووجدانية مباشرة، لا تقوم دائماً على إعمال الفكر وطول التدبر، وإنما على ميل قلبي يستمد خصائصه من البعد الروحي، ويؤكد وجود الله بمعرفة حدسية جوانية، والتسليم بوجود مبدأ روحي وقيم دينية وأخلاقية تمثل الهدف والغاية.
وتبرز في عرفانية الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) تجربته القاسية ومعاناته في السجن؛ فقد استطاع أن يحوّل القيد والحبس إلى حركة عبادية دائمة. وكلما كانت الدوافع أقرب إلى نور الفطرة وأكثر تحرراً من الحجب، حتى حجب النور، كانت أشد ارتباطاً بمبدأ أنور.
وكانت للإمام الكاظم (عليه السلام) كلمات تتصل بجوهر الحقائق وتنسجم مع حقيقة الإنسان، وهي سمة مشتركة لدى أهل البيت جميعاً (صلوات الله عليهم).
وتأخذ الحقيقة الغيبية للذات الإلهية المقدسة مساحة واسعة في فضاء المناجاة، إلى جانب تصوير الذات بجميع حالاتها. وتبقى اللغة وعاءً ضيقاً لا يستطيع استيعاب التجربة العرفانية الخاصة بكل أبعادها.
وتصور المناجاة الذات الإنسانية وهي تقرّ بالذنب دائماً وتحتاج إلى لطف المولى وعنايته، ثم تصور الآخر الإيجابي بملامح الصالحين من العباد، والآخر السلبي بابتعاده عن طريق الحق وتمثيله للشر. وقد عانى الأئمة (عليهم السلام) من هذا النمط السلبي، وهو ما انعكس في تكرار المناجاة ومضامينها.
جماليات الإحالة والبعد السياسي
يتناول الباحث جماليات الإحالة في المناجاة، بوصفها أحد مظاهر الترابط الداخلي بين مكونات النص. فهناك إحالة نصية وإحالة مقامية، وما يرتبط بمفهوم «التغريض»، حيث تمارس كلمة التوحيد فعلها التوجيهي في تأويل النص.
وتقف ثقافة التوحيد في مقابل ثقافة الكفر وأنساقها السائدة في المجتمع، بما تتضمنه من عقائد منحرفة، ومن خلال هذه المقابلة يمكن رؤية ملامح البعد السياسي.
فقراءة أي نص تعني إعادة فتحه على مرجعياته الواقعية والتخييلية، والكشف عما يمتلكه من مستويات التميز والارتقاء. ويرتبط التفويض الإلهي، في رؤية الباحث، بحياة الإنسان المؤمن ارتباطاً وثيقاً.
ويتمثل البعد الأول في تفويض الخالق جلّ وعلا لأهل البيت (عليهم السلام)، وهي عقيدة تؤسس للوعي الإنساني ولا تتقاطع مع معنى العبودية لله، بل تجسّد معناها الحقيقي.
وقد عدّ الإمام الكاظم (عليه السلام) الولاية متممة ومكملة للأعمال الصالحة والزكية، وسبباً في قبول ثوابها، لأنها تمثل سعي الإنسان إلى تحقيق القرب من الله تعالى وبلوغ رضاه، مع استنفاد كل طاقته الممكنة في هذا السبيل.
إن أغلب تجليات الدعاء المعرفية تتجسد في نصوص ذات أبعاد فكرية وأخلاقية كبيرة، تتوجه إلى الداعي فتثري وعيه وثقافته، وتزيد من فاعلية حضوره الإيجابي في الحياة.
وينفرد الدعاء والمناجاة عن بقية أنواع النثر الفني بخصوصية كونهما موجّهين إلى الخالق تبارك وتعالى، ولذلك فإن معاينة النص الدعائي برؤى مغايرة تجعل القراءة أكثر تأملاً وعمقاً.
الاستهلال في النص الدعائي
يرى الدكتور البديري أن الجزء الافتتاحي من متن الدعاء يمثل أحد أهم مكونات التأثير بين خارج النص وداخله، وأن إقبال الداعي وتفاعله يبقيان مرهونين بقوة الاستهلال وتأثيره.
ولذلك لا بد للاستهلال من أن يكون توليدياً وفاعلاً، وأن تكون كلماته مشحونة بالمعرفة والإحالة والتأويل. كما يرى الباحث أن صيغ الاستهلال تتنوع بحسب المتطلبات والمواقف الحياتية، ومنها: الاستخارة، والسفر في طلب الرزق، وطلب التوبة، والمناجاة لكشف الظلم، وطلب الحوائج.
وقد اتسمت المرحلة التي عاشها الإمام محمد الجواد (عليه السلام) بالتضييق عليه ومراقبته، وهو ما انعكس في قوله:
«اللهم إن ظلم عبادك قد تمكن في بلادك حتى أمات العدل».
وتعتمد البنية الداخلية للاستهلال على ثراء الخارج، كما أسهمت بعض الظواهر الأسلوبية في توثيق صلته ببنية النص، ومن أبرزها:
السجع.
الازدواج، كما في قوله: «أفقرني بجودك إليك، وأغنني عمّن يطلب ما لديك».
التكرار.
كما ينطوي مفهوم الصلاة على محمد وأهل بيته الأطهار (عليهم السلام) على معاني الرفعة والرحمة والدرجة العالية. وقد أدّى السياق التاريخي والثقافي الذي عاش فيه الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) دوراً في توجيهه نحو رسم هذه الكيفية المقدسة للصلاة.
ويرى الباحث أن العبادة الشكلية وحدها لا تكفي، بل يجب أن تقترن بالطاعة، وأن تكون هذه الطاعة لمن نصبه الله تعالى؛ لأن طاعته طاعة لله، ومعصيته معصية لله. ولا يملك أحد حق الطاعة المطلقة إلا بأمر الله جلّ وعلا.
ويتناول الكتاب أيضاً معنى القراءة في دعاء الافتتاح، موضحاً أن لما وراء الغيب حضوراً فاعلاً ومؤثراً في عملية القراءة. فدخول الفيض الغيبي في قراءة النص الدعائي يبقى مرهوناً بثقافة المتلقي ووعيه وقدرته على استنطاق النص واكتشاف طبقاته الدلالية.
لقد استطاع الدكتور علي مجيد البديري أن يرصد آفاق التأمل الفاعلة في أدب الدعاء، وأن يفتح أمام القارئ نوافذ متعددة لرؤية أبعاده الأدبية والروحية والمعرفية. ندعو له بالتوفيق في مسيرته العلمية والثقافية.
علي حسين الخبازاليوم, 10:13 3مقالات✏️ تعديل
حجم الخط:أ-أأ+
أدب الدعاء .. قراءة في صحائف آل محمد (عليهم السلام)
علي حسين الخباز
هناك كتب قريبة من النفس، تحمل البهجة الروحية، وتقدّم المعنى الأقرب إلى المثقف الذي يعي مسؤولية القراءة. وأنا سعيد فعلاً بأنني أمتلك مجموعة من القراءات في النموذج السردي لأدب الدعاء، ذلك الأدب الذي يتوافر على فضاءات قابلة لتعدد المقاربات، ويدعو إلى الغوص في عوالمه الإبداعية وما تمتلكه من شمولية في التلقي.
ولإضاءة جوانب هذا الأدب، لا بد من استيعاب فضاءات الروح وما تحمله من فكر ورؤى وإبداع متألق. وهذا ما وجدته في كتاب «أدب الدعاء.. قراءات في صحائف آل محمد» للأستاذ المساعد الدكتور علي مجيد البديري، الذي تناول فيه مجموعة من أدعية الأئمة المعصومين (عليهم السلام)، رابطاً بينها من خلال اشتراكها في استيعاب التجربة الإيمانية، والتوجه إلى العالم الروحي، والاهتمام بالقضايا الإنسانية.
دعاء الصديقة الزهراء وأبعاد التجربة الإيمانية
توقف الباحث عند أسلوبية دعاء الصديقة فاطمة الزهراء (عليها السلام) لشيعتها، متناولاً أبعاده المعرفية، ومتتبعاً المنجز الدعائي بوصفه مناخاً تواصلياً يضيء جوانبه الموضوعية والفنية.
ويحقق المعصوم من خلال هذا التواصل أبعاداً معرفية عدة، من شأنها ترسيخ قيم أخلاقية وعقائدية وثقافية في نفس المدعو له. ويرى الباحث أن أدب الدعاء يمثل مفردة مهمة من مفردات حياة المعصوم ومواقفه.
وأرى أن الأدب الدعائي يمكن أن يُعدّ نوعاً من أدب السيرة الذاتية المتوارية؛ إذ يستطيع المتلقي أن يستشف من خلاله معاناة المرسل وبعض مضامين حياته. فثمة واقعية وجدانية تكشف عن جوانب من التجربة الشخصية، كما في قولها (عليها السلام): «وبكاء ولدي في مفارقتي».
ومن خصائص الأدب الدعائي لسيدة نساء العالمين (عليها السلام) شمولية الرعاية لجميع الموالين. ويرى الدكتور البديري أن الارتباط العميق بين الموالي وأهل البيت (عليهم السلام) تحيطه رعاية الله سبحانه وتعالى وتحفظه من الزوال، وأن هناك بعداً روحياً يصل بهذه التجليات إلى مستوى الانتماء الحقيقي.
كما تظهر في الدعاء أنساق أسلوبية مثّلت البعد العقدي، وتضمنت مفاهيم التوحيد والنبوة والإمامة والعدل والمعاد والشفاعة. وتبرز في تلك السطور سطوة الطلب التي تحيل الموضوع إلى معنى شمولي أوسع، كما في عبارة: «شفاعة أمة محمد صداق فاطمة (عليها السلام)»، وهي صورة اختزلت كثيراً من التفاصيل ومثّلت مختلف أطياف الأمة الإسلامية، لاتصال هذا البعد بمفهوم الشفاعة.
وتناول الدكتور علي مجيد البديري مسألة في غاية الأهمية، متوقفاً عند دلالة اللام المتصلة بياء المتكلم، ليؤكد عدم تعارض حقيقة الشفاعة مع عقيدة التوحيد. ثم اتسع جوهر النص ليشمل البعد الأخلاقي، ويؤكد أن الانتماء الحقيقي إلى الولاية يمثل منطقة جذب وتأثير عالية القيمة، تنعكس إيحاءاتها على فكر المؤمن وسلوكه.
وهناك أبعاد وحقائق أخرى، من بينها البعد الثقافي؛ إذ ركزت القراءة على أهمية الوعي بمضامين الأدعية الشريفة الواردة عن الصديقة الزهراء (عليها السلام)، وعدم الاكتفاء بتلاوتها بعيداً عن معانيها التربوية والمعرفية.
دعاء عرفة وفاعلية التأمل
تجلت في دعاء عرفة قدرات إبداعية وخصوصية واضحة في التفكر والتأمل. وسعت قراءة الدكتور البديري إلى تفعيل هذا البعد، الذي أطلق عليه اسم «المكوّن التواصلي»، متأملةً أعماق النص ودقة بنائه والعلاقات التي تربط عناصره وفق معطياته الداخلية.
واعتمد الباحث قدرات تحليلية تتابع مكونات الدعاء، من دون إرغام النص على الخضوع لمرجعيات مستوردة؛ لما يمتلكه من قدرة ذاتية على الارتقاء بالإنسان في سلّم المدارك، وتعريفه بضرورة النجاة من مزالق الانجراف وراء المتطلبات المادية.
نجد الباحث تارةً يدخل إلى العوالم الداخلية للنص، وتارةً أخرى يتجه إلى عوالمه الخارجية. ويستشهد برأي العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي، الذي يرى أن سعي الإنسان إلى اتباع ما يريده الله الخالق منه ينسجم مع ما يهديه إليه نظام الوجود؛ فما يريده الله للإنسان من الدين هو نفسه ما تريده الفطرة ويقود إليه نظام الوجود.
وسعى الباحث إلى إثارة أسئلة ترصد طبيعة العلاقة الشخصية مع الله، وتبحث في العوالم الغيبية بوسائل فلسفية متعددة، متناولةً قضايا الجزاء والموت والإدراك وطرائق الاستدلال على وجود الخالق.
الصحيفة السجادية.. الثقافة بوصفها دعاء
اختارت القراءة النقدية الصحيفة السجادية، متناولةً إياها تحت عنوان «الثقافة بوصفها دعاء». ومن المعروف أن للدعاء أثراً عظيماً في طمأنينة القلب وانشراح الصدر والشعور بالسعادة.
وقد ورد عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) ما يبين مكانة الدعاء في حياة المؤمن وأهميته في السلوك اليومي، ومن ذلك: «الدعاء مخ العبادة»، و**«لا يهلك مع الدعاء أحد»**. كما ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام): «الدعاء هو العبادة».
ويرى المؤلف أن الشروع في هذا السلوك لا يتحقق من دون التوفيق الإلهي، وأن الإمام السجاد (عليه السلام) كان يتعامل مع الدعاء بوصفه ممارسة حياتية فاعلة، لا مجرد نص يصوغه أو كلمات يرددها.
فالثقافة تتوسل الدعاء طريقاً لبناء الإنسان، ولا سيما حين تقترن بالعمل؛ لأن الثقافة، وفق هذا المفهوم، تمتلك معنى تربوياً وتنموياً ينمّي قدرات الإنسان ويوسّع حضوره في العالم الاجتماعي.
والدخول في الحصن الإلهي مشروط باستعانة العبد بالله تعالى واستظهاره به في مواجهة الشيطان، بما يترك أثره في المسعى السلوكي. فالثقافة الإلهية تمتلك عمقاً إنسانياً يثبت ركيزة الولاء لله تبارك وتعالى، ويجعلها عماداً لوعي المؤمن وعلامة فارقة في شخصيته. ويبقى هذا الأمر مرهوناً بسعي الإنسان وإخلاصه، بما يمثل استعداداً روحياً لتلقي الفيض الإلهي.
ويدعو خطاب الصحيفة السجادية إلى ثقافة مثالية تقوّي صلة الإنسان بالله وبالمجتمع؛ لأنه يستشعر من خلالها معنى الانتماء إلى ثقافة ربانية، ويعي حقوق الآخرين، فتغدو علاقاته أكثر احتراماً للإنسان وكرامته؛ لأنها تُبنى بين يدي الله تعالى.
وتتضمن الصحيفة أيضاً رؤية كونية من خلال الأدعية الواردة عند رؤية الهلال والسحاب والبرق وسماع صوت الرعد، وهي أدعية تعكس جمالية التأمل في ظواهر الكون.
وقد منحتنا القراءة الواعية للدكتور علي البديري رؤى منفتحة على الوجوه المعنوية للدعاء؛ فهو يراه ساحة تُختبر فيها القدرة على التأمل والتفكر، وتجليات روحية تستمد يقظتها من جوهر العبادة.
ومن هنا لا يمكن فصل التأمل في الدعاء عن ذات المعصوم، لأن دعاءه يعبّر عن ذاته، ويستحضر حياته وخصوصية مواقفه. وبذلك يشكّل الدعاء واقعاً متكاملاً بمحاوره النفسية والفكرية والمعيشية، وإن كان الاستدلال البحثي قد ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك.
وتلك يقظة باحث يدرك أن الصحيفة السجادية لا يمكن حصرها في الظروف السياسية والواقع المعاش، وإنما هي ممارسة عبادية مهمة في حياة المعصوم. غير أننا نرى أن تبدل الفضاءات والظروف يفتح المجال لمناقشة قضايا نفسية واجتماعية أكثر دقة، ويسمح بالبحث في جوانب أشد تخصصاً في المعارف الإلهية.
فالخطاب الدعائي يحرص على بناء علاقة روحية فائقة مع الموجودات، وعلى رؤية الله بالقلب، كما يتجلى في قول أمير المؤمنين علي (عليه السلام): «ويلك، ما كنت أعبد رباً لم أره».
أدبية التصوير العرفاني
يرى المؤلف، في دراسته لأدبية التصوير العرفاني، أن المناجاة تمثل أحد أنماط فن القول، وأنها فضاء عبادي أُنسي من فضاءات العرفان، وخطاب سري يتوجه به المناجي إلى الله سبحانه وتعالى.
وهذه الخصوصية تجعل من المناجاة نصاً إبداعياً يمتلك خصائص ومزايا جمالية، ويستثمر الإمكانات اللغوية والأسلوبية والبلاغية. ويُنظر إلى التصوير العرفاني على أنه نمط من أنماط التصوير الفني الذي يزاوج بين التصوير الذهني والتصوير اللغوي، ويعبّر عن الحياة الروحية للعارف وأحواله الجوانية.
ونصل من ذلك إلى أن التصوير في المناجاة أداة ووسيلة، وليس غاية في ذاته، وهو رأي مهم. أما الرأي الثاني الذي استوقفنا، فهو سعي المناجاة إلى تحقيق استجابة نفسية ووجدانية مباشرة، لا تقوم دائماً على إعمال الفكر وطول التدبر، وإنما على ميل قلبي يستمد خصائصه من البعد الروحي، ويؤكد وجود الله بمعرفة حدسية جوانية، والتسليم بوجود مبدأ روحي وقيم دينية وأخلاقية تمثل الهدف والغاية.
وتبرز في عرفانية الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) تجربته القاسية ومعاناته في السجن؛ فقد استطاع أن يحوّل القيد والحبس إلى حركة عبادية دائمة. وكلما كانت الدوافع أقرب إلى نور الفطرة وأكثر تحرراً من الحجب، حتى حجب النور، كانت أشد ارتباطاً بمبدأ أنور.
وكانت للإمام الكاظم (عليه السلام) كلمات تتصل بجوهر الحقائق وتنسجم مع حقيقة الإنسان، وهي سمة مشتركة لدى أهل البيت جميعاً (صلوات الله عليهم).
وتأخذ الحقيقة الغيبية للذات الإلهية المقدسة مساحة واسعة في فضاء المناجاة، إلى جانب تصوير الذات بجميع حالاتها. وتبقى اللغة وعاءً ضيقاً لا يستطيع استيعاب التجربة العرفانية الخاصة بكل أبعادها.
وتصور المناجاة الذات الإنسانية وهي تقرّ بالذنب دائماً وتحتاج إلى لطف المولى وعنايته، ثم تصور الآخر الإيجابي بملامح الصالحين من العباد، والآخر السلبي بابتعاده عن طريق الحق وتمثيله للشر. وقد عانى الأئمة (عليهم السلام) من هذا النمط السلبي، وهو ما انعكس في تكرار المناجاة ومضامينها.
جماليات الإحالة والبعد السياسي
يتناول الباحث جماليات الإحالة في المناجاة، بوصفها أحد مظاهر الترابط الداخلي بين مكونات النص. فهناك إحالة نصية وإحالة مقامية، وما يرتبط بمفهوم «التغريض»، حيث تمارس كلمة التوحيد فعلها التوجيهي في تأويل النص.
وتقف ثقافة التوحيد في مقابل ثقافة الكفر وأنساقها السائدة في المجتمع، بما تتضمنه من عقائد منحرفة، ومن خلال هذه المقابلة يمكن رؤية ملامح البعد السياسي.
فقراءة أي نص تعني إعادة فتحه على مرجعياته الواقعية والتخييلية، والكشف عما يمتلكه من مستويات التميز والارتقاء. ويرتبط التفويض الإلهي، في رؤية الباحث، بحياة الإنسان المؤمن ارتباطاً وثيقاً.
ويتمثل البعد الأول في تفويض الخالق جلّ وعلا لأهل البيت (عليهم السلام)، وهي عقيدة تؤسس للوعي الإنساني ولا تتقاطع مع معنى العبودية لله، بل تجسّد معناها الحقيقي.
وقد عدّ الإمام الكاظم (عليه السلام) الولاية متممة ومكملة للأعمال الصالحة والزكية، وسبباً في قبول ثوابها، لأنها تمثل سعي الإنسان إلى تحقيق القرب من الله تعالى وبلوغ رضاه، مع استنفاد كل طاقته الممكنة في هذا السبيل.
إن أغلب تجليات الدعاء المعرفية تتجسد في نصوص ذات أبعاد فكرية وأخلاقية كبيرة، تتوجه إلى الداعي فتثري وعيه وثقافته، وتزيد من فاعلية حضوره الإيجابي في الحياة.
وينفرد الدعاء والمناجاة عن بقية أنواع النثر الفني بخصوصية كونهما موجّهين إلى الخالق تبارك وتعالى، ولذلك فإن معاينة النص الدعائي برؤى مغايرة تجعل القراءة أكثر تأملاً وعمقاً.
الاستهلال في النص الدعائي
يرى الدكتور البديري أن الجزء الافتتاحي من متن الدعاء يمثل أحد أهم مكونات التأثير بين خارج النص وداخله، وأن إقبال الداعي وتفاعله يبقيان مرهونين بقوة الاستهلال وتأثيره.
ولذلك لا بد للاستهلال من أن يكون توليدياً وفاعلاً، وأن تكون كلماته مشحونة بالمعرفة والإحالة والتأويل. كما يرى الباحث أن صيغ الاستهلال تتنوع بحسب المتطلبات والمواقف الحياتية، ومنها: الاستخارة، والسفر في طلب الرزق، وطلب التوبة، والمناجاة لكشف الظلم، وطلب الحوائج.
وقد اتسمت المرحلة التي عاشها الإمام محمد الجواد (عليه السلام) بالتضييق عليه ومراقبته، وهو ما انعكس في قوله:
«اللهم إن ظلم عبادك قد تمكن في بلادك حتى أمات العدل».
وتعتمد البنية الداخلية للاستهلال على ثراء الخارج، كما أسهمت بعض الظواهر الأسلوبية في توثيق صلته ببنية النص، ومن أبرزها:
السجع.
الازدواج، كما في قوله: «أفقرني بجودك إليك، وأغنني عمّن يطلب ما لديك».
التكرار.
كما ينطوي مفهوم الصلاة على محمد وأهل بيته الأطهار (عليهم السلام) على معاني الرفعة والرحمة والدرجة العالية. وقد أدّى السياق التاريخي والثقافي الذي عاش فيه الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) دوراً في توجيهه نحو رسم هذه الكيفية المقدسة للصلاة.
ويرى الباحث أن العبادة الشكلية وحدها لا تكفي، بل يجب أن تقترن بالطاعة، وأن تكون هذه الطاعة لمن نصبه الله تعالى؛ لأن طاعته طاعة لله، ومعصيته معصية لله. ولا يملك أحد حق الطاعة المطلقة إلا بأمر الله جلّ وعلا.
ويتناول الكتاب أيضاً معنى القراءة في دعاء الافتتاح، موضحاً أن لما وراء الغيب حضوراً فاعلاً ومؤثراً في عملية القراءة. فدخول الفيض الغيبي في قراءة النص الدعائي يبقى مرهوناً بثقافة المتلقي ووعيه وقدرته على استنطاق النص واكتشاف طبقاته الدلالية.
لقد استطاع الدكتور علي مجيد البديري أن يرصد آفاق التأمل الفاعلة في أدب الدعاء، وأن يفتح أمام القارئ نوافذ متعددة لرؤية أبعاده الأدبية والروحية والمعرفية. ندعو له بالتوفيق في مسيرته العلمية والثقافية.
