قال الله تعالى ( وَ ما مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اللَّـهُ الشَّاكِرِينَ)
محمد ( صل الله عليه وآله وسلم) ... مولد الرسالة الخاتمة وسؤال النظام الذي لا يموت
بقلمي
في ذكرى مولد رسول الله محمد صلى الله عليه وآله، تتجدد في النفس أسئلة تتجاوز حدود المناسبة وطقوسها، لتصل إلى معنى أعمق يتعلق بالإنسان والحياة والنظام والرسالة.
فالمولد النبوي ليس مجرد ذكرى ليوم ولد فيه رجل عظيم، وإنما ذكرى ولادة الرسالة الخاتمة، وولادة مرحلة جديدة في تاريخ الإنسان، مرحلة اكتملت فيها حلقات النبوة برسول سيكون خاتم الأنبياء والمرسلين.
ومن هنا يحق لنا أن نسأل:
ماذا جاء به محمد ( صل الله عليه وآله وسلم) ؟
وكيف كان هذا المشروع الإلهي الذي حمله؟
وكيف أراد الله له أن يستمر بعد رحيل خاتم أنبيائه؟
وهل يمكن أن يستقيم نظام عظيم من دون قيادة تحفظه، ومن دون مرجعية تمنع اختطافه من أيدي الأهواء والمصالح؟
هذه الأسئلة هي التي تقودنا إلى التأمل في معنى المولد، لا باعتباره حادثة تاريخية فحسب، وإنما باعتباره بداية رسالة ستبقى إلى قيام الساعة.
أولاً: الإنسان والنظام
لو تأملنا حياتنا اليومية، لوجدنا حقيقة تكاد لا تحتاج إلى برهان طويل:
حيث توجد جماعة، توجد حاجة إلى نظام.
فالأسرة تحتاج إلى من يدير شؤونها.
والمدرسة تحتاج إلى إدارة.
والمؤسسة تحتاج إلى مدير.
والجيش يحتاج إلى قائد.
والدولة تحتاج إلى مؤسسات وقوانين ومرجعية.
وليس المقصود أن تكون السلطة مطلقة في يد فرد، وإنما المقصود أن وجود أي منظومة مستقرة يحتاج إلى مرجعية تنظّم العلاقة بين أفرادها، وتحدد المسؤوليات، وتحسم التعارض عندما تتعدد الإرادات.
فالناس قد يتفقون ما دامت المصالح متقاربة، لكن الاختلاف يبدأ عندما تتعارض المصالح والرغبات والتصورات.
وهنا يظهر دور النظام.
النظام يقول:
هذا حق.
وهذا باطل.
هذا واجب.
وهذا ممنوع.
وهذا هو الطريق.
وهذه هي حدود المسؤولية.
لكن النظام نفسه يحتاج إلى من يحميه ويطبقه.
ومن هنا تظهر العلاقة الملازمة:
لا يكفي وجود النظام من دون قيادة، ولا تكفي القيادة من دون نظام.
ثانياً: الإنسان لا يلغي النظام إذا اكتشف نقصه
وهناك ملاحظة أخرى شديدة الأهمية.
عندما يكتشف الإنسان خللاً في قانون أو نقصاً في تعليمات أو قصوراً في نظام، فإنه لا يستنتج عادة أن النظام نفسه غير ضروري.
بل يفعل العكس.
يقول:
نحتاج إلى نظام أفضل.
ولهذا تعيد الدول صياغة قوانينها، وتراجع المؤسسات لوائحها، وتطور المجتمعات أنظمتها.
فالتطور لا يعني الفوضى.
بل يعني في كثير من الأحيان:
تطوير النظام حتى يصبح أكثر قدرة على تحقيق الغاية التي وضع من أجلها.
وهذا يكشف لنا أن الحاجة إلى النظام ليست مرتبطة بمستوى معين من الحضارة، بل هي ملازمة للاجتماع الإنساني نفسه.
ثالثاً: إذا كان هذا في حياتنا الصغيرة، فكيف بالوجود الكبير؟
إذا كان الإنسان يحتاج إلى نظام لإدارة أسرة صغيرة، أو مؤسسة محدودة، أو دولة، فإن العقل يتوقف أمام سؤال أكبر:
ماذا عن هذا الوجود الهائل الذي نعيش فيه؟
السماء والأرض.
الليل والنهار.
الحياة والموت.
الإنسان والحيوان والنبات.
القوانين التي تحكم المادة والطبيعة.
العلاقات المتشابكة التي تجعل الكون يعمل ضمن سنن ثابتة.
إن القرآن يوجه العقل إلى التأمل في هذا النظام، لا إلى اعتباره فوضى بلا غاية.
قال تعالى:
﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾.
فالذي له الخلق، له الأمر.
والذي خلق الإنسان، أعلم بما يصلح له.
ومن هنا تنتقل القضية من مجرد «إدارة» إلى حكمة الخالق في تنظيم حياة المخلوق.
رابعاً: النظام الإلهي
إذا كان الإنسان يحتاج إلى قوانين لتنظيم حياته، فكيف إذا كان القانون الذي نتحدث عنه هو قانون الله؟
هنا يصبح الأمر أكثر خطورة.
فالإنسان قد يضع قانوناً لمؤسسة، ثم يغيره لأنه اكتشف أنه غير مناسب.
أما التشريع الإلهي، فمصدره ليس الإنسان.
قال تعالى:
﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾.
ومن هنا جاءت الرسالات.
فالنبي لا يأتي ليقدم رأياً شخصياً في الحياة، وإنما يأتي حاملاً عن الله منهجاً وهداية وتشريعاً.
ويقوم النبي ببيان هذا المنهج وتجسيده في الواقع، حتى لا يبقى الدين فكرة مجردة.
ولهذا كان الأنبياء قادة رسالات، لا مجرد ناقلين لنصوص.
خامساً: النبي مؤسس النظام ومجسّد الرسالة
النبي في مشروعه الرسالي يجمع بين أمور كثيرة:
يبلغ.
ويبين.
ويربي.
ويقيم العدل.
وينظم المجتمع.
ويحمي الرسالة.
ويواجه الانحراف.
ولهذا فإن رحيله ليس كرحيل أي إنسان عادي.
فبرحيله يغيب الشخص الذي كان الناس يرجعون إليه في فهم الرسالة وتطبيقها.
وهنا يظهر السؤال الذي لا يمكن تجاهله:
إذا كان رحيل النبي يترك فراغاً في القيادة، فمن يحفظ النظام بعده؟
سادساً: أخطر لحظة في حياة المشروع
كل مشروع كبير يواجه امتحانه الحقيقي بعد غياب مؤسسه.
فالمؤسس يعرف لماذا وضع القاعدة، وكيف ينبغي أن تطبق، وما الغاية منها.
أما بعد غيابه، فقد تظهر قراءات متعددة.
وقد تتعارض المصالح.
وقد تدخل السياسة.
وقد تتنافس الجماعات.
وقد يصبح النص الواحد محلاً لتفسيرات متعددة.
وهنا تظهر ظاهرة خطيرة:
أن يبقى النص موجوداً، لكن يتغير موقعه في حياة الناس.
قد لا يرفضه الإنسان صراحة، وإنما يؤوله.
وقد لا يعارضه مباشرة، وإنما يبحث عن معنى آخر له.
وقد لا يترك النظام، وإنما يعيد تشكيله بما يتناسب مع الظروف والمصالح.
ومن هنا يمكن أن يكون التأويل أحياناً أخطر من الرفض الصريح؛ لأن الرفض ظاهر، أما التأويل الذي يخدم المصلحة فقد يبقي النص حاضراً في اللسان وغائباً في القرار.
سابعاً: التاريخ شاهد على مشكلة ما بعد الأنبياء
القرآن الكريم لا يقدم تاريخ الأنبياء لمجرد القصص، وإنما يقدم سنناً.
فنجد في تاريخ بني إسرائيل نماذج متعددة للصراع والاختلاف بعد الأنبياء.
ونجد كيف يمكن للجماعة التي عرفت الرسالة أن تختلف حول تطبيقها.
ونجد كيف يستطيع الإنسان أن يضع رغباته وتصوراته أمام النص.
وفي قصة طالوت مثلاً، يظهر بوضوح أن الاختيار الذي جاء في سياق إلهي لم يكن بمنأى عن اعتراض البشر ومقاييسهم الخاصة.
وفي قصة موسى عليه السلام تظهر خطورة غياب القائد، وكيف يمكن أن تنشأ الفتنة في فترة الغياب.
ثم جاءت رسالة عيسى عليه السلام، وبعده وقع اختلاف كبير في فهم الرسالة وتحديد طبيعتها ومضمونها.
والقرآن نفسه يلفت النظر إلى هذه الظاهرة:
﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾.
فوجود العلم لا يمنع الاختلاف إذا دخلت الأهواء والمصالح.
ثامناً: وهنا تأتي خصوصية محمد ( صل الله عليه وآله وسلم)
إذا كان تاريخ الرسالات يكشف لنا خطورة ما بعد رحيل النبي، فإن الرسالة المحمدية تتميز بخصوصية لا يمكن تجاهلها:
محمد ( صل الله عليه وآله وسلم) هو خاتم النبيين.
قال تعالى:
﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَٰكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾.
الخاتمية تعني أن باب النبوة قد اكتمل.
فلا نبي بعده يأتي ليصحح للأمة انحرافها.
ولا رسول بعده يعيد ترتيب ما اختلفت فيه.
ولا رسالة جديدة تأتي لتستدرك ما وقع فيه الناس.
ومن هنا تبرز أهمية السؤال بصورة أكبر:
إذا كانت هذه هي الرسالة الأخيرة، فهل يُعقل أن تكون حماية النظام الذي جاء به أقل أهمية من حماية الأنظمة البشرية الصغيرة؟
بل لعل الأمر على العكس تماماً:
كلما كانت الرسالة خاتمة، ازدادت مسؤولية حفظها.
تاسعاً: هل النص وحده يكفي؟
قد يقول قائل:
لدينا القرآن، ولدينا سنة رسول الله، فلماذا نحتاج إلى أكثر من ذلك؟
والجواب أن وجود النص شيء، وقدرة الناس على الالتزام به شيء آخر.
فالقرآن موجود، لكن الناس اختلفوا في فهمه.
والحديث موجود، لكن الناس اختلفوا في تفسيره.
والتشريع موجود، لكن الناس اختلفوا في تطبيقه.
إذن المشكلة ليست دائماً في غياب النص.
أحياناً تكون المشكلة في من يفسر النص، ومن يطبقه، ومن يملك حق تحديد المراد منه عند الاختلاف.
وهنا يظهر السؤال الحقيقي:
من يحفظ النظام الإلهي من أن يتحول إلى نظام بشري تحكمه المصالح؟
عاشراً: الإنسان يريد قائداً على مستوى تصوره
وهذه من أخطر مشكلات التاريخ.
فالإنسان قد لا يرفض فكرة القيادة من حيث المبدأ، لكنه يريد قائداً ينسجم مع تصوره.
يريد شخصاً يحقق مصالح جماعته.
أو يحفظ نفوذ قبيلته.
أو يتفق مع اتجاهه السياسي.
أو لا يصطدم بمصالحه الاقتصادية والاجتماعية.
ثم يبحث بعد ذلك عن النص الذي يبرر اختياره.
وهنا يحدث انقلاب خطير:
بدلاً من أن يكون السؤال:
ماذا يريد الله؟
يصبح السؤال:
كيف نجعل ما نريده نحن منسجماً مع إرادة الله؟
والفارق بين السؤالين كبير جداً.
الأول يجعل الإنسان تابعاً للحق.
والثاني يجعل الحق تابعاً لرغبة الإنسان.
الحادي عشر: من يملك حق استمرار النظام؟
إذا كان الله هو الذي وضع التشريع، والنبي هو الذي بلّغه وطبقه، فإن السؤال عن استمرار القيادة بعد النبي لا يمكن أن يكون مجرد سؤال سياسي.
إنه سؤال عن استمرار النظام نفسه.
وهنا ينبغي ألا نستعجل الأسماء.
لا نريد أن نبدأ بالسؤال:
من هو؟
بل نبدأ بالسؤال:
هل هناك حاجة إلى مرجعية بعد النبي؟
إذا كان العقل والتجربة والتاريخ يقولون إن الحاجة موجودة، انتقلنا إلى سؤال آخر:
هل ترك الله هذه المسألة للناس، أم جعل لها توجيهاً؟
ثم بعد ذلك فقط يأتي البحث في النصوص.
وهكذا:
نثبت العرش، ثم ننقش.
أي نثبت القاعدة أولاً، ثم نبحث في الأشخاص والنصوص والتاريخ.
الثاني عشر: الشورى بين حقيقتها وحدود الاستدلال بها
لا شك أن الشورى قيمة قرآنية عظيمة، قال تعالى:
﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾.
لكن وجود الشورى كقيمة لا يعني تلقائياً أن كل مسألة في النظام الديني أصبحت من اختصاص التصويت البشري.
فالسؤال المنهجي هو:
هل جعل الله تعيين المرجعية الدينية بعد النبي أمراً شورائياً؟
هذا يحتاج إلى دليل.
ولا يكفي أن نستخرج من الآية معنى لم تنص عليه صراحة ثم نجعله قاعدة تأسيسية لنظام الخلافة.
وهنا ينبغي العودة إلى التاريخ نفسه:
عندما وقعت أول أزمة سياسية بعد رحيل رسول الله ( صل الله عليه وآله وسلم) ، ما النصوص التي احتج بها المجتمعون؟
وما الأساس الذي بنوا عليه موقفهم؟
وهل كانت آية الشورى هي الدليل الذي أسسوا به شرعية اختيار القيادة؟
هذه أسئلة تاريخية ينبغي أن تُبحث في مصادرها، لا أن تُفترض إجاباتها.
الثالث عشر: عندما يتقدم رأي الإنسان على النص
إن الخطر الحقيقي لا يبدأ عندما يختلف شخصان في فهم نص.
فالاختلاف في الفهم قد يكون طبيعياً.
لكن الخطر يبدأ عندما يصبح الرأي مقدماً على النص، ثم يتحول النص إلى أداة لتبرير الرأي.
وهنا تبدأ الانقسامات.
ثم تتشكل المذاهب السياسية.
ثم تتصارع السلطات.
ثم يصبح الدين أحياناً غطاءً لصراع بشري على النفوذ.
والأمة التي كان ينبغي أن تكون واحدة في أصلها تتحول إلى جماعات متنازعة، لكل جماعة تفسيرها ومصلحتها وقراءتها.
وهذا لا يعني أن كل اختلاف سببه واحد، ولا أن التاريخ يمكن اختزاله في حادثة واحدة؛ ولكن ينبغي أن نسأل بصدق:
كم من اختلاف كان يمكن تجنبه لو بقي النص هو الحاكم، لا الرأي الذي نبحث له عن نص يؤيده؟
الرابع عشر: ماذا بقي من مشروع النبي؟
اليوم، ونحن نحتفل بمولد رسول الله ( صل الله عليه وآله وسلم) ، ينبغي ألا يكون السؤال فقط:
كيف نحتفل بمولده؟
بل:
ماذا بقي من مشروعه في حياتنا؟
هل بقي العدل؟
هل بقيت الرحمة؟
هل بقيت وحدة الأمة؟
هل بقي تقديم الحق على المصلحة؟
هل بقي احترام النص عندما يتعارض مع أهوائنا؟
هل ما زلنا نبحث عن مراد الله، أم نبحث عن الله ليبارك مرادنا؟
هذه الأسئلة هي جوهر الاحتفال الحقيقي بالمولد.
الخامس عشر: حال الأمة اليوم
إن ما وصلت إليه الأمة الإسلامية اليوم من تشتت وصراعات وحروب وانقسامات، ومن اختلافات عميقة في المواقف تجاه قضاياها الكبرى، وصولاً إلى أن تختار بعض الأنظمة علاقات التطبيع مع إسرائيل، ينبغي أن يدفعنا إلى مراجعة أعمق من مجرد إدانة الأحداث.
فالأمة الضعيفة لا تبدأ ضعفها يوم تسقط في المعركة.
بل يبدأ ضعفها عندما تفقد وحدتها في المرجعية والقيم والغاية.
وعندما تصبح المصالح الخاصة أقوى من المصلحة العامة.
وعندما يتحول الدين من مرجع يحكم السياسة إلى أداة تستعملها السياسة لتبرير نفسها.
وحينها يمكن أن يصل الأمر إلى أن يقف المسلم في مواجهة المسلم، وأن تصبح القوة بديلاً عن الحق، والمصلحة بديلاً عن المبادئ.
ولذلك فإن علاج حاضر الأمة لا يبدأ فقط من السياسة، وإنما يبدأ من سؤال أعمق:
هل ما زلنا نحتكم إلى النظام الذي جاء به رسول الله ( صل الله عليه وآله وسلم) ؟
السادس عشر: المولد ليس احتفالاً بالماضي فقط
إن مولد رسول الله (صل الله عليه وآله وسلم) ليس مناسبة لنستعيد صورة الماضي ثم نعود إلى حاضرنا كما كنا.
إنه فرصة لمراجعة الذات.
فمحمد ( صل الله عليه وآله وسلم) لم يأتِ ليكون جزءاً من التاريخ فقط، وإنما جاء برسالة تمتد إلى الإنسان في كل زمان.
والاحتفال بمولده ينبغي أن يعيدنا إلى رسالته.
إلى القرآن.
إلى العدل.
إلى الرحمة.
إلى المسؤولية.
إلى وحدة الأمة.
وإلى السؤال الكبير الذي لا ينبغي أن نخاف منه:
كيف نحفظ النظام الذي جاء به خاتم الأنبياء من أن يتحول إلى مجرد شعارات؟
خاتمة
في ذكرى مولد رسول الله محمد صلى الله عليه وآله، نعود إلى البداية.
الإنسان يحتاج إلى النظام.
والنظام يحتاج إلى قيادة.
والقيادة تحتاج إلى مرجعية.
وكلما كان النظام أعظم وأشمل، كانت الحاجة إلى حماية نظامه أعظم.
فإذا كان النظام من الله، والتشريع من الله، والرسول من الله، فإن حفظ هذا النظام بعد رحيل الرسول ليس قضية هامشية.
ومحمد (صل الله عليه وآله وسلم) لم يكن نبياً عادياً في سلسلة النبوات؛ بل كان خاتم النبيين.
ولهذا فإن رحيله لم يكن إيذاناً بانتهاء الحاجة إلى الهداية، وإنما كان إيذاناً بانتهاء النبوة وبدء امتحان الأمة في حفظ الرسالة الأخيرة.
وهنا كانت المسؤولية الكبرى:
أن يبقى النص حاكماً على الإنسان، لا أن يصبح الإنسان حاكماً على النص.
وأن يبقى الحق فوق المصلحة.
وأن تبقى الرسالة فوق السلطة.
وأن يبقى الدين فوق رغبات الجماعات.
وأن لا نبحث عن تأويل يجعل النص موافقاً لما اخترناه، وإنما نبحث عن مراد الله ثم نخضع له.
فإذا كان ما أصاب الأمة اليوم من تشتت واقتتال وارتهان سياسي وتباين حاد في المواقف تجاه قضاياها الكبرى، ومنها التطبيع مع العدو، يستحق منا وقفة صادقة، فإن علينا ألا نكتفي بلعن النتائج، بل أن نعود إلى البدايات.
أين تركنا النص؟
متى قدمنا رأي الإنسان على حكم الله؟
متى أصبح الاجتهاد البشري بديلاً عن المرجعية التي أرادها الله؟
هذه ليست أسئلة للتاريخ وحده.
إنها أسئلة الحاضر.
وإذا أردنا أن نستعيد شيئاً من قوة هذه الأمة، فلا بد أن نستعيد أولاً ميزانها:
الله قبل الهوى.
والحق قبل المصلحة.
والنص قبل التأويل المصلحي.
والرسالة قبل السلطة.
فالنبي (صل الله عليه وآله وسلم) جاء ليحرر الإنسان من عبادة الإنسان، لا ليترك الإنسان بعده عبداً لمصالح الإنسان.
وفي مولده الشريف، فلنجعل احتفالنا به عهداً جديداً مع رسالته:
أن نقرأ قبل أن نحكم.
وأن نفهم قبل أن نخاصم.
وأن نبحث عن مراد الله قبل مراد أنفسنا.
وأن نجعل الحق قائداً لنا، لا تابعاً لنا.
سلام عليك يا رسول الله محمد...
سلام عليك يوم ولدت، ويوم بعثت، ويوم أديت الأمانة، ويوم نصرت الحق، ويوم مضيت إلى ربك، ويوم تبعث حياً.
السلام عليك يا خاتم النبيين، ورحمة الله وبركاته.
وكل عام والأمة الإسلامية أقرب إلى رسالة نبيها، وأقرب إلى وحدتها، وأقرب إلى العدل والرحمة والحق.
محمد ( صل الله عليه وآله وسلم) ... مولد الرسالة الخاتمة وسؤال النظام الذي لا يموت
بقلمي
في ذكرى مولد رسول الله محمد صلى الله عليه وآله، تتجدد في النفس أسئلة تتجاوز حدود المناسبة وطقوسها، لتصل إلى معنى أعمق يتعلق بالإنسان والحياة والنظام والرسالة.
فالمولد النبوي ليس مجرد ذكرى ليوم ولد فيه رجل عظيم، وإنما ذكرى ولادة الرسالة الخاتمة، وولادة مرحلة جديدة في تاريخ الإنسان، مرحلة اكتملت فيها حلقات النبوة برسول سيكون خاتم الأنبياء والمرسلين.
ومن هنا يحق لنا أن نسأل:
ماذا جاء به محمد ( صل الله عليه وآله وسلم) ؟
وكيف كان هذا المشروع الإلهي الذي حمله؟
وكيف أراد الله له أن يستمر بعد رحيل خاتم أنبيائه؟
وهل يمكن أن يستقيم نظام عظيم من دون قيادة تحفظه، ومن دون مرجعية تمنع اختطافه من أيدي الأهواء والمصالح؟
هذه الأسئلة هي التي تقودنا إلى التأمل في معنى المولد، لا باعتباره حادثة تاريخية فحسب، وإنما باعتباره بداية رسالة ستبقى إلى قيام الساعة.
أولاً: الإنسان والنظام
لو تأملنا حياتنا اليومية، لوجدنا حقيقة تكاد لا تحتاج إلى برهان طويل:
حيث توجد جماعة، توجد حاجة إلى نظام.
فالأسرة تحتاج إلى من يدير شؤونها.
والمدرسة تحتاج إلى إدارة.
والمؤسسة تحتاج إلى مدير.
والجيش يحتاج إلى قائد.
والدولة تحتاج إلى مؤسسات وقوانين ومرجعية.
وليس المقصود أن تكون السلطة مطلقة في يد فرد، وإنما المقصود أن وجود أي منظومة مستقرة يحتاج إلى مرجعية تنظّم العلاقة بين أفرادها، وتحدد المسؤوليات، وتحسم التعارض عندما تتعدد الإرادات.
فالناس قد يتفقون ما دامت المصالح متقاربة، لكن الاختلاف يبدأ عندما تتعارض المصالح والرغبات والتصورات.
وهنا يظهر دور النظام.
النظام يقول:
هذا حق.
وهذا باطل.
هذا واجب.
وهذا ممنوع.
وهذا هو الطريق.
وهذه هي حدود المسؤولية.
لكن النظام نفسه يحتاج إلى من يحميه ويطبقه.
ومن هنا تظهر العلاقة الملازمة:
لا يكفي وجود النظام من دون قيادة، ولا تكفي القيادة من دون نظام.
ثانياً: الإنسان لا يلغي النظام إذا اكتشف نقصه
وهناك ملاحظة أخرى شديدة الأهمية.
عندما يكتشف الإنسان خللاً في قانون أو نقصاً في تعليمات أو قصوراً في نظام، فإنه لا يستنتج عادة أن النظام نفسه غير ضروري.
بل يفعل العكس.
يقول:
نحتاج إلى نظام أفضل.
ولهذا تعيد الدول صياغة قوانينها، وتراجع المؤسسات لوائحها، وتطور المجتمعات أنظمتها.
فالتطور لا يعني الفوضى.
بل يعني في كثير من الأحيان:
تطوير النظام حتى يصبح أكثر قدرة على تحقيق الغاية التي وضع من أجلها.
وهذا يكشف لنا أن الحاجة إلى النظام ليست مرتبطة بمستوى معين من الحضارة، بل هي ملازمة للاجتماع الإنساني نفسه.
ثالثاً: إذا كان هذا في حياتنا الصغيرة، فكيف بالوجود الكبير؟
إذا كان الإنسان يحتاج إلى نظام لإدارة أسرة صغيرة، أو مؤسسة محدودة، أو دولة، فإن العقل يتوقف أمام سؤال أكبر:
ماذا عن هذا الوجود الهائل الذي نعيش فيه؟
السماء والأرض.
الليل والنهار.
الحياة والموت.
الإنسان والحيوان والنبات.
القوانين التي تحكم المادة والطبيعة.
العلاقات المتشابكة التي تجعل الكون يعمل ضمن سنن ثابتة.
إن القرآن يوجه العقل إلى التأمل في هذا النظام، لا إلى اعتباره فوضى بلا غاية.
قال تعالى:
﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾.
فالذي له الخلق، له الأمر.
والذي خلق الإنسان، أعلم بما يصلح له.
ومن هنا تنتقل القضية من مجرد «إدارة» إلى حكمة الخالق في تنظيم حياة المخلوق.
رابعاً: النظام الإلهي
إذا كان الإنسان يحتاج إلى قوانين لتنظيم حياته، فكيف إذا كان القانون الذي نتحدث عنه هو قانون الله؟
هنا يصبح الأمر أكثر خطورة.
فالإنسان قد يضع قانوناً لمؤسسة، ثم يغيره لأنه اكتشف أنه غير مناسب.
أما التشريع الإلهي، فمصدره ليس الإنسان.
قال تعالى:
﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾.
ومن هنا جاءت الرسالات.
فالنبي لا يأتي ليقدم رأياً شخصياً في الحياة، وإنما يأتي حاملاً عن الله منهجاً وهداية وتشريعاً.
ويقوم النبي ببيان هذا المنهج وتجسيده في الواقع، حتى لا يبقى الدين فكرة مجردة.
ولهذا كان الأنبياء قادة رسالات، لا مجرد ناقلين لنصوص.
خامساً: النبي مؤسس النظام ومجسّد الرسالة
النبي في مشروعه الرسالي يجمع بين أمور كثيرة:
يبلغ.
ويبين.
ويربي.
ويقيم العدل.
وينظم المجتمع.
ويحمي الرسالة.
ويواجه الانحراف.
ولهذا فإن رحيله ليس كرحيل أي إنسان عادي.
فبرحيله يغيب الشخص الذي كان الناس يرجعون إليه في فهم الرسالة وتطبيقها.
وهنا يظهر السؤال الذي لا يمكن تجاهله:
إذا كان رحيل النبي يترك فراغاً في القيادة، فمن يحفظ النظام بعده؟
سادساً: أخطر لحظة في حياة المشروع
كل مشروع كبير يواجه امتحانه الحقيقي بعد غياب مؤسسه.
فالمؤسس يعرف لماذا وضع القاعدة، وكيف ينبغي أن تطبق، وما الغاية منها.
أما بعد غيابه، فقد تظهر قراءات متعددة.
وقد تتعارض المصالح.
وقد تدخل السياسة.
وقد تتنافس الجماعات.
وقد يصبح النص الواحد محلاً لتفسيرات متعددة.
وهنا تظهر ظاهرة خطيرة:
أن يبقى النص موجوداً، لكن يتغير موقعه في حياة الناس.
قد لا يرفضه الإنسان صراحة، وإنما يؤوله.
وقد لا يعارضه مباشرة، وإنما يبحث عن معنى آخر له.
وقد لا يترك النظام، وإنما يعيد تشكيله بما يتناسب مع الظروف والمصالح.
ومن هنا يمكن أن يكون التأويل أحياناً أخطر من الرفض الصريح؛ لأن الرفض ظاهر، أما التأويل الذي يخدم المصلحة فقد يبقي النص حاضراً في اللسان وغائباً في القرار.
سابعاً: التاريخ شاهد على مشكلة ما بعد الأنبياء
القرآن الكريم لا يقدم تاريخ الأنبياء لمجرد القصص، وإنما يقدم سنناً.
فنجد في تاريخ بني إسرائيل نماذج متعددة للصراع والاختلاف بعد الأنبياء.
ونجد كيف يمكن للجماعة التي عرفت الرسالة أن تختلف حول تطبيقها.
ونجد كيف يستطيع الإنسان أن يضع رغباته وتصوراته أمام النص.
وفي قصة طالوت مثلاً، يظهر بوضوح أن الاختيار الذي جاء في سياق إلهي لم يكن بمنأى عن اعتراض البشر ومقاييسهم الخاصة.
وفي قصة موسى عليه السلام تظهر خطورة غياب القائد، وكيف يمكن أن تنشأ الفتنة في فترة الغياب.
ثم جاءت رسالة عيسى عليه السلام، وبعده وقع اختلاف كبير في فهم الرسالة وتحديد طبيعتها ومضمونها.
والقرآن نفسه يلفت النظر إلى هذه الظاهرة:
﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾.
فوجود العلم لا يمنع الاختلاف إذا دخلت الأهواء والمصالح.
ثامناً: وهنا تأتي خصوصية محمد ( صل الله عليه وآله وسلم)
إذا كان تاريخ الرسالات يكشف لنا خطورة ما بعد رحيل النبي، فإن الرسالة المحمدية تتميز بخصوصية لا يمكن تجاهلها:
محمد ( صل الله عليه وآله وسلم) هو خاتم النبيين.
قال تعالى:
﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَٰكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾.
الخاتمية تعني أن باب النبوة قد اكتمل.
فلا نبي بعده يأتي ليصحح للأمة انحرافها.
ولا رسول بعده يعيد ترتيب ما اختلفت فيه.
ولا رسالة جديدة تأتي لتستدرك ما وقع فيه الناس.
ومن هنا تبرز أهمية السؤال بصورة أكبر:
إذا كانت هذه هي الرسالة الأخيرة، فهل يُعقل أن تكون حماية النظام الذي جاء به أقل أهمية من حماية الأنظمة البشرية الصغيرة؟
بل لعل الأمر على العكس تماماً:
كلما كانت الرسالة خاتمة، ازدادت مسؤولية حفظها.
تاسعاً: هل النص وحده يكفي؟
قد يقول قائل:
لدينا القرآن، ولدينا سنة رسول الله، فلماذا نحتاج إلى أكثر من ذلك؟
والجواب أن وجود النص شيء، وقدرة الناس على الالتزام به شيء آخر.
فالقرآن موجود، لكن الناس اختلفوا في فهمه.
والحديث موجود، لكن الناس اختلفوا في تفسيره.
والتشريع موجود، لكن الناس اختلفوا في تطبيقه.
إذن المشكلة ليست دائماً في غياب النص.
أحياناً تكون المشكلة في من يفسر النص، ومن يطبقه، ومن يملك حق تحديد المراد منه عند الاختلاف.
وهنا يظهر السؤال الحقيقي:
من يحفظ النظام الإلهي من أن يتحول إلى نظام بشري تحكمه المصالح؟
عاشراً: الإنسان يريد قائداً على مستوى تصوره
وهذه من أخطر مشكلات التاريخ.
فالإنسان قد لا يرفض فكرة القيادة من حيث المبدأ، لكنه يريد قائداً ينسجم مع تصوره.
يريد شخصاً يحقق مصالح جماعته.
أو يحفظ نفوذ قبيلته.
أو يتفق مع اتجاهه السياسي.
أو لا يصطدم بمصالحه الاقتصادية والاجتماعية.
ثم يبحث بعد ذلك عن النص الذي يبرر اختياره.
وهنا يحدث انقلاب خطير:
بدلاً من أن يكون السؤال:
ماذا يريد الله؟
يصبح السؤال:
كيف نجعل ما نريده نحن منسجماً مع إرادة الله؟
والفارق بين السؤالين كبير جداً.
الأول يجعل الإنسان تابعاً للحق.
والثاني يجعل الحق تابعاً لرغبة الإنسان.
الحادي عشر: من يملك حق استمرار النظام؟
إذا كان الله هو الذي وضع التشريع، والنبي هو الذي بلّغه وطبقه، فإن السؤال عن استمرار القيادة بعد النبي لا يمكن أن يكون مجرد سؤال سياسي.
إنه سؤال عن استمرار النظام نفسه.
وهنا ينبغي ألا نستعجل الأسماء.
لا نريد أن نبدأ بالسؤال:
من هو؟
بل نبدأ بالسؤال:
هل هناك حاجة إلى مرجعية بعد النبي؟
إذا كان العقل والتجربة والتاريخ يقولون إن الحاجة موجودة، انتقلنا إلى سؤال آخر:
هل ترك الله هذه المسألة للناس، أم جعل لها توجيهاً؟
ثم بعد ذلك فقط يأتي البحث في النصوص.
وهكذا:
نثبت العرش، ثم ننقش.
أي نثبت القاعدة أولاً، ثم نبحث في الأشخاص والنصوص والتاريخ.
الثاني عشر: الشورى بين حقيقتها وحدود الاستدلال بها
لا شك أن الشورى قيمة قرآنية عظيمة، قال تعالى:
﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾.
لكن وجود الشورى كقيمة لا يعني تلقائياً أن كل مسألة في النظام الديني أصبحت من اختصاص التصويت البشري.
فالسؤال المنهجي هو:
هل جعل الله تعيين المرجعية الدينية بعد النبي أمراً شورائياً؟
هذا يحتاج إلى دليل.
ولا يكفي أن نستخرج من الآية معنى لم تنص عليه صراحة ثم نجعله قاعدة تأسيسية لنظام الخلافة.
وهنا ينبغي العودة إلى التاريخ نفسه:
عندما وقعت أول أزمة سياسية بعد رحيل رسول الله ( صل الله عليه وآله وسلم) ، ما النصوص التي احتج بها المجتمعون؟
وما الأساس الذي بنوا عليه موقفهم؟
وهل كانت آية الشورى هي الدليل الذي أسسوا به شرعية اختيار القيادة؟
هذه أسئلة تاريخية ينبغي أن تُبحث في مصادرها، لا أن تُفترض إجاباتها.
الثالث عشر: عندما يتقدم رأي الإنسان على النص
إن الخطر الحقيقي لا يبدأ عندما يختلف شخصان في فهم نص.
فالاختلاف في الفهم قد يكون طبيعياً.
لكن الخطر يبدأ عندما يصبح الرأي مقدماً على النص، ثم يتحول النص إلى أداة لتبرير الرأي.
وهنا تبدأ الانقسامات.
ثم تتشكل المذاهب السياسية.
ثم تتصارع السلطات.
ثم يصبح الدين أحياناً غطاءً لصراع بشري على النفوذ.
والأمة التي كان ينبغي أن تكون واحدة في أصلها تتحول إلى جماعات متنازعة، لكل جماعة تفسيرها ومصلحتها وقراءتها.
وهذا لا يعني أن كل اختلاف سببه واحد، ولا أن التاريخ يمكن اختزاله في حادثة واحدة؛ ولكن ينبغي أن نسأل بصدق:
كم من اختلاف كان يمكن تجنبه لو بقي النص هو الحاكم، لا الرأي الذي نبحث له عن نص يؤيده؟
الرابع عشر: ماذا بقي من مشروع النبي؟
اليوم، ونحن نحتفل بمولد رسول الله ( صل الله عليه وآله وسلم) ، ينبغي ألا يكون السؤال فقط:
كيف نحتفل بمولده؟
بل:
ماذا بقي من مشروعه في حياتنا؟
هل بقي العدل؟
هل بقيت الرحمة؟
هل بقيت وحدة الأمة؟
هل بقي تقديم الحق على المصلحة؟
هل بقي احترام النص عندما يتعارض مع أهوائنا؟
هل ما زلنا نبحث عن مراد الله، أم نبحث عن الله ليبارك مرادنا؟
هذه الأسئلة هي جوهر الاحتفال الحقيقي بالمولد.
الخامس عشر: حال الأمة اليوم
إن ما وصلت إليه الأمة الإسلامية اليوم من تشتت وصراعات وحروب وانقسامات، ومن اختلافات عميقة في المواقف تجاه قضاياها الكبرى، وصولاً إلى أن تختار بعض الأنظمة علاقات التطبيع مع إسرائيل، ينبغي أن يدفعنا إلى مراجعة أعمق من مجرد إدانة الأحداث.
فالأمة الضعيفة لا تبدأ ضعفها يوم تسقط في المعركة.
بل يبدأ ضعفها عندما تفقد وحدتها في المرجعية والقيم والغاية.
وعندما تصبح المصالح الخاصة أقوى من المصلحة العامة.
وعندما يتحول الدين من مرجع يحكم السياسة إلى أداة تستعملها السياسة لتبرير نفسها.
وحينها يمكن أن يصل الأمر إلى أن يقف المسلم في مواجهة المسلم، وأن تصبح القوة بديلاً عن الحق، والمصلحة بديلاً عن المبادئ.
ولذلك فإن علاج حاضر الأمة لا يبدأ فقط من السياسة، وإنما يبدأ من سؤال أعمق:
هل ما زلنا نحتكم إلى النظام الذي جاء به رسول الله ( صل الله عليه وآله وسلم) ؟
السادس عشر: المولد ليس احتفالاً بالماضي فقط
إن مولد رسول الله (صل الله عليه وآله وسلم) ليس مناسبة لنستعيد صورة الماضي ثم نعود إلى حاضرنا كما كنا.
إنه فرصة لمراجعة الذات.
فمحمد ( صل الله عليه وآله وسلم) لم يأتِ ليكون جزءاً من التاريخ فقط، وإنما جاء برسالة تمتد إلى الإنسان في كل زمان.
والاحتفال بمولده ينبغي أن يعيدنا إلى رسالته.
إلى القرآن.
إلى العدل.
إلى الرحمة.
إلى المسؤولية.
إلى وحدة الأمة.
وإلى السؤال الكبير الذي لا ينبغي أن نخاف منه:
كيف نحفظ النظام الذي جاء به خاتم الأنبياء من أن يتحول إلى مجرد شعارات؟
خاتمة
في ذكرى مولد رسول الله محمد صلى الله عليه وآله، نعود إلى البداية.
الإنسان يحتاج إلى النظام.
والنظام يحتاج إلى قيادة.
والقيادة تحتاج إلى مرجعية.
وكلما كان النظام أعظم وأشمل، كانت الحاجة إلى حماية نظامه أعظم.
فإذا كان النظام من الله، والتشريع من الله، والرسول من الله، فإن حفظ هذا النظام بعد رحيل الرسول ليس قضية هامشية.
ومحمد (صل الله عليه وآله وسلم) لم يكن نبياً عادياً في سلسلة النبوات؛ بل كان خاتم النبيين.
ولهذا فإن رحيله لم يكن إيذاناً بانتهاء الحاجة إلى الهداية، وإنما كان إيذاناً بانتهاء النبوة وبدء امتحان الأمة في حفظ الرسالة الأخيرة.
وهنا كانت المسؤولية الكبرى:
أن يبقى النص حاكماً على الإنسان، لا أن يصبح الإنسان حاكماً على النص.
وأن يبقى الحق فوق المصلحة.
وأن تبقى الرسالة فوق السلطة.
وأن يبقى الدين فوق رغبات الجماعات.
وأن لا نبحث عن تأويل يجعل النص موافقاً لما اخترناه، وإنما نبحث عن مراد الله ثم نخضع له.
فإذا كان ما أصاب الأمة اليوم من تشتت واقتتال وارتهان سياسي وتباين حاد في المواقف تجاه قضاياها الكبرى، ومنها التطبيع مع العدو، يستحق منا وقفة صادقة، فإن علينا ألا نكتفي بلعن النتائج، بل أن نعود إلى البدايات.
أين تركنا النص؟
متى قدمنا رأي الإنسان على حكم الله؟
متى أصبح الاجتهاد البشري بديلاً عن المرجعية التي أرادها الله؟
هذه ليست أسئلة للتاريخ وحده.
إنها أسئلة الحاضر.
وإذا أردنا أن نستعيد شيئاً من قوة هذه الأمة، فلا بد أن نستعيد أولاً ميزانها:
الله قبل الهوى.
والحق قبل المصلحة.
والنص قبل التأويل المصلحي.
والرسالة قبل السلطة.
فالنبي (صل الله عليه وآله وسلم) جاء ليحرر الإنسان من عبادة الإنسان، لا ليترك الإنسان بعده عبداً لمصالح الإنسان.
وفي مولده الشريف، فلنجعل احتفالنا به عهداً جديداً مع رسالته:
أن نقرأ قبل أن نحكم.
وأن نفهم قبل أن نخاصم.
وأن نبحث عن مراد الله قبل مراد أنفسنا.
وأن نجعل الحق قائداً لنا، لا تابعاً لنا.
سلام عليك يا رسول الله محمد...
سلام عليك يوم ولدت، ويوم بعثت، ويوم أديت الأمانة، ويوم نصرت الحق، ويوم مضيت إلى ربك، ويوم تبعث حياً.
السلام عليك يا خاتم النبيين، ورحمة الله وبركاته.
وكل عام والأمة الإسلامية أقرب إلى رسالة نبيها، وأقرب إلى وحدتها، وأقرب إلى العدل والرحمة والحق.
