بحوث تفسير الأمثل
《بحث في سورة الفاتحة: الآية 5》{إِيَّاكَ نَعبُدُ وَ إِيَّاكَ نَستَعِينُ}
1- هو المستعان وحده
تقدم المفعول علی الفاعل يفيد الحصر- كما يذكر أصحاب اللغة- و تقدم «إيّاك» علی «نعبد» يدلّ علی الحصر، أي أننا نعبدك دون سواك، و نتيجة هذا الحصر، هو توحيد العبادة و توحيد الأفعال.
نعم، نحن محتاجون إلی عونه حتی في العبودية و الطاعة، و لذلك ينبغي أن نستعين به في ذلك أيضا، كي لا تتسرب إلی أنفسنا أوهام العجب و الرياء و أمثالها من الانحرافات التي تجهض عبوديتنا.
بعبارة اخری:
حين نقول {إِيَّاكَ نَعبُدُ} فان هذه الجملة يشم منها رائحة الاستقلالية، لذلك نتبعها مباشرة بعبارة {إِيَّاكَ نَستَعِينُ}، كي نجسّم حالة الأمر بين الأمرين (لا جبر و لا تفويض)، في عباداتنا، و من ثمّ في كل أعمالنا.
2- استعمال صيغ الجمع في تعبير الآيات
كلمة «نعبد» و «نستعين» بصيغة الجمع تشير إلی أن العبادة- خاصة الصلاة- تقوم علی أساس الجمع و الجماعة. و علی العبد أن يستشعر وجوده ضمن الجمع و الجماعة، حتی حين يقف متضرّعا بين يدي اللّه، فما بالك في المجالات الاخری! و هذا الاتجاه في العبادة يعني رفض الإسلام لكل ألوان الفردية و الانعزال.
الصلاة خاصة- ابتداء من اذانها و إقامتها حتی تسليمها- تدل علی أن هذه العبادة هي في الأصل ذات جانب اجتماعي، أي أنها ينبغي أن تؤدّی بشكل جماعة، صحيح أن الصلاة فرادی صحيحة في الإسلام، لكن العبادة الفردية ذات طابع فرعي ثانوي.
3- الاستعانة به في كل الأمور يواجه الإنسان في مسيرته التكاملية قوی مضادة داخلية (في نفسه)، و خارجية (في مجتمعه)، و يحتاج في مقاومة هذه القوی المضادة إلی العون و المساعدة، و من هنا يلزم علی الإنسان عند ما ينهض صباحا أن يكرر عبارة
{إِيَّاكَ نَعبُدُ وَ إِيَّاكَ نَستَعِينُ} ليعترف بعبوديته للّه سبحانه، و ليستمد العون منه في مسيرته الطويلة الشاقة. و عند ما يجنّ عليه الليل لا يستسلم للرقاد إلّا بعد تكرار هذه العبارة أيضا. و الإنسان المستعين حقّا، هو الذي تتضاءل أمام عينيه كلّ القوی المتجبّرة المتغطرسة.
و كل الجواذب المادية الخادعة، و ذلك ما لا يكون إلّا حينما يرتفع الإنسان إلی مستوی القول:
{ إِنَّ صَلاتِي وَ نُسُكِي وَ مَحيايَ وَ مَماتِي لِلَّـهِ رَبِّ الْعالَمِينَ} [الأنعام، 162].
عن أَمِیرُ الْمُؤمِنِینَ (علیه السلام) فَقَالَ رَسُولُ اللَّـهِ (صلی الله علیه و آله) لِأَصحَابِهِ قُولُوا: إِیَّاكَ نَعبُدُ أَی نَعبُدُ وَاحِداً لَا نَقُولُ کَمَا قَالَتِ الدَّهرِیَّةُ إِنَّ الْأَشیَاءَ لَا بَدءَ لَهَا وَ هِیَ دَائِمَةٌ وَ لَا کَمَا قَالَتِ الثَّنَوِیَّةُ الَّذِینَ قَالُوا إِنَّ النُّورَ وَ الظُّلْمَةَ هُمَا الْمُدَبِّرَانِ وَ لَا کَمَا قَالَ مُشرِکُو الْعَرَبِ إِنَّ أَوْثَانَنَا آلِهَةٌ فَلَا نُشرِكُ بِكَ شَیئاً وَ لَا نَدَّعِی مِن دُونِكَ إِلَهاً کَمَا یَقُولُ هَؤُلَاءِ الْکُفَّارُ وَ لَا نَقُولُ کَمَا قَالَتِ الْیَهُودُ وَ النَّصَارَی إِنَّ لَكَ وَلَداً تَعَالَیتَ عَن ذَلِكَ.
[تفسير اهل البيت عليهم السلام ج 1، ص 90 - بحار الأنوار، ج 9، ص 265/ الاحتجاج، ج 1، ص 28/تفسير الإمام العسکری، ص 542/تفسير نور الثقلین].
وايضاً عن أَمِیر المُؤمِنِینَ (علیه السلام) فِیمَا یَنبَغِی أَن یَقرَأَ کُلَّ یَومٍ وَ لَیلَةٍ ... اللَّـهُمَّ إِیَّاكَ نَعبُدُ وَ لَا نَعبُدُ سِوَاكَ وَ نَستَعِینُ بِكَ فَکَفَی بِكَ مُعِیناً وَ نَستَکْفِیكَ فَکَفَی بِكَ کَافِیاً وَ أَمِیناً وَ نَعتَصِمُ بِكَ فَکَفَی بِكَ عَاصِماً وَ ضَمِیناً وَ نَحتَرِسُ بِكَ مِنْ أَعدَائِنَا.
[تفسير اهل البيت عليهم السلام ج 1، ص 90 - بحار الأنوار، ج 84، ص 11].
