مفردات قيّمة من القرآن الكريم، ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ﴾

تقليص
X
  •  
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • الاشتر
    مشرف قسم المنوع

    • 27-02-2022
    • 2873

    #1

    مفردات قيّمة من القرآن الكريم، ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ﴾

    بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
    اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد


    قال الله تعالى: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا[1].

    يطلب موسى من الخضر (عليهما السلام) أن يسمح له بمرافقته ومجالسته ليعلّمه من ذلك العلم الذي وهبه الله له، ليكون ذلك باعثًا على تكامله ورُقيّه، وفتح آفاق جديدة من المعرفة أمامه فيما يتعلّق باختلاف المقادير وتفاوت ظهور إرادة الله ومشيئته، هذا على الرغم من أنّ موسى كان من الأنبياء أولي العزم، وصاحب كتاب وشريعة، ومأمورًا بالتبليغ، وهذا الأمر دليل على أنّ ملاك الحقّانية والواقعية في نظام الخلقة والتربية والتزكية الربوبيّ إنّما هو حيثية الانكشاف والانطباق على «نفس الأمر» النابع من مصدر العلم، ومبدأ العلم الربوبيّ الأزليّ، والجاري والمفاض في قوالب عالم الإمكان ومظاهر عالم الكثرة؛ وليس لأحد أيّة قدرة أو قوّة من عند نفسه بحيث يتسنّى له أن يقدّم شيئًا في هذا الميدان، سواء كان المطلوب منه نبيًا أو غير نبيّ، وسواء كان الطالب من الأنبياء أو إنسانًا عاديًا، بلا فرق في ذلك.
    ومن الملفت أنَّ موسى (عليه السلام) كان قد طلب ذلك في الوقت الذي كان فيه من الأنبياء أولي العزم، وكان صاحب شريعة وكتاب، وكان المنفِّذ للشريعة والأحكام الإلهيّة وكان موضع نزول الوحي والملائكة المقرّبين، ومع كلّ هذا كان يطلب من الله الرّشد والصلاح واستكمال العلم والمعرفة، وكان مأمورًا بالتبليغ.
    فهل هذا يعني أن الخضر أعلى درجة ومقامًا من موسى (عليهما السلام)؛ وذلك لأنّه طلب منه التعليم والإرشاد؟
    والجواب: كلّا، ليس الأمر كذلك، فموسى كان من الأنبياء أولي العزم، وكان صاحب كتاب وشريعة، وكان الخضر في ذلك الزمان تابعًا لشريعة موسى ودينه ومنهاجه، فكيف يمكن والحال هذه أن يتصوّر أنَّ الخضر كان أعلى مقامًا من موسى؟! ليس الأمر كذلك.
    ولكن لمّا كان موسى (عليه السلام) صاحب شريعة وكتاب وقانون وتكليف؛ فإنَّ حقيقة وجوده ونفسه وقلبه صارت متّحدةً مع تلك الدرجة من الإرادة والمشيئة الإلهيّة، وليس في نفسه وقلبه وضميره غير ذلك أبدًا، ولا يحضره سواه، وكان يرى تجلّي وظهور الإرادة والمشيئة الإلهيّة في عالم الكثرة مبنيًّا على مجرّد رعاية التكاليف الظاهريّة والأحكام العامة؛ وكان يقوم بإدارة الأمور بين ‌الناس على هذا الأساس.
    كان موسى (عليه السلام) ينظر إلى مقام مشيئة الحقّ وإرادته على أنَّه على منوالٍ واحد، وكان إدراكه مبنيًا على أنَّ تطبيق النظام الاجتماعي والتربية والتدبير يجب أن يكون على أساس المعادلات الظاهريّة المتداولة، والتي لابدَّ أن تكون متوافقةً مع شريعته، وأنَّ كلّ ظاهرة وحادثة خارجة عن هذا الإطار هي مخالفة لإرادة الله ورضاه ومشيئته ويجب منعها، ولو كان فاعلها رجلًا صالحًا ومطيعًا لله، ولو كان من الأنبياء والأولياء.
    ولو كان موسى (عليه السلام) في عصر الإمام الصادق (علية السلام)، وشاهد طاعة هارون المكيّ لأمر الإمام، لاعترض على الإمام بنفس تلك الطريقة؛ عندما قال له (عليه السلام): ((ألق النعل من يدك، واجلس في التنور، فألقى النعل من سبابته ثمّ جلس في التنور))
    [2]، ولم يحترق بنار التنور المسجور.
    فحقيقة المسألة هي أنَّ موسى (عليه السلام) وبواسطة تجلّي بعض أسماء الحقّ وصفاته، يستطيع السير والسلوك في تلك الحدود والآفاق وعوالم الوجود، وأنَّ إدراكه لبقيّة الأسماء والصفات سيكون ناقصًا، لأنَّه فاقد لذلك الشمول وتلك السعة التي تمكّنه من إدراك بقية التجليّات في مظاهر الوجود والشعور بها ولمسها.
    أما الخضر فرغم عدم امتلاكه لسعة موسى وشموليّته، إلّا أنَّه كان متقدّمًا عليه في تجلّي بعض الأسماء والصفات؛ ولذا فإنّ نفسه وقلبه وفكره وتصميمه وإرادته وفعله قد تبلورت وتعيّنت على أساس هذا التجلّي والظهور، وهذا التعيّن لم يستطع موسى (عليه السلام) الوصول إليه والتوافق معه بأيّ وجه من الوجوه؛ ولذا اتخذ موقف الاعتراض والانتقاد وغضب على الخضر بشدّة وقبَّح فعله؛ في الوقت الذي كان يعلم فيه بأنَّه هو ذلك العالم الذي كان قد طلب من الله أن يدلَّه عليه ويوفّقه للتعلّم والرشد والتكامل على يديه.


    [1] سورة الكهف، الآية: 66.
    [2] راجع كتاب المناقب، ج 4، ص 237.

المحتوى السابق تم حفظه تلقائيا. استعادة أو إلغاء.
حفظ-تلقائي
Smile :) Embarrassment :o Big Grin :D Wink ;) Stick Out Tongue :p Mad :mad: Confused :confused: Frown :( Roll Eyes (Sarcastic) :rolleyes: Cool :cool: EEK! :eek:
يعمل...