السلطة ومنهج البطش في التاريخ الإسلامي: من السقيفة إلى حاضر الدولة
المقدمة
منذ السقيفة التي أعقبت وفاة النبي محمد صلى الله عليه وآله، دخل العالم الإسلامي في مرحلة جديدة، تحولت فيها السلطة من مشروع رسالي يقوم على الهداية والعدل، إلى مشروع سياسي قائم على الإقصاء والبطش والقوة. ومنذ تلك اللحظة، استقرّت في الذهنية السياسية السلطوية قاعدة مفادها: أن الحكم لا يُدار بالشورى ولا بالعدل، وإنما بالسيف والتهم الجاهزة: الردة، الخيانة، الفتنة، التآمر، التجسس.
وهكذا تشكّل تاريخ طويل من الدماء والقمع، امتد من العهد الأموي والعباسي، مرورًا بالسلطنات والإمبراطوريات، وصولًا إلى الأنظمة الحديثة.
---
أولاً: السقيفة وبذرة العنف السلطوي
تهديد بيت فاطمة الزهراء عليها السلام: من أبرز الشواهد المبكرة على استخدام العنف في السياسة، تهديد الخليفة الأول والثاني بحرق بيت علي وفاطمة إن لم يبايعوا. هذا الحدث يُعدّ مؤشرًا خطيرًا على أن "شرعية السيف" سبقت "شرعية الشورى".
قضية مالك بن نويرة: والي بني يربوع، الذي قُتل بأمر خالد بن الوليد بتهمة "الردة" رغم إسلامه، ثم جرى التمثيل به، وكان ذلك نموذجًا مبكرًا لتحويل المعارضة السياسية إلى قضية "دينية–عقائدية" مبررة للقتل.
---
ثانياً: الحكم الأموي وتكريس منطق البطش
قتل حجر بن عدي وأصحابه: عُرف حجر بزهده وصلاحه، لكنه عارض سياسة معاوية، فاعتُقل وقُتل مع جماعة من أصحابه، في سابقة خطيرة لقتل الصحابة لمجرد المعارضة.
مأساة كربلاء: قُتل الإمام الحسين بن علي عليه السلام وأهل بيته وأصحابه سنة 61هـ، في أوضح صورة لسياسة السلطة الأموية القائمة على الإبادة الدموية للمعارض، مهما كان موقعه من الدين والنسب.
وقعة الحرة (63هـ): اجتياح جيش يزيد للمدينة المنورة، وقتل المئات من الصحابة وأبنائهم ونساء المدينة، واغتصاب الحرائر، لإخماد أي بادرة معارضة.
---
ثالثاً: الحكم العباسي وتكرار النمط ذاته
قتل الأمويين في دمشق ومصر: حين دخل العباسيون بقوة السيف، أقاموا مجازر بحق بني أمية، في سياسة انتقامية لم تقتصر على الساسة والعسكر بل طالت النساء والأطفال.
قتل أئمة أهل البيت عليهم السلام: استمرت الملاحقات ضد أهل البيت، فمات الإمام جعفر الصادق والإمام موسى الكاظم والإمام الرضا وغيرهم في ظروف مشبوهة بين السجن والسم.
قتل زيد بن علي بن الحسين: ثار على الظلم العباسي، فقُتل وصُلب جسده الطاهر في الكوفة، في صورة أخرى لإغلاق الباب أمام أي معارضة عادلة.
---
رابعاً: العنف المتبادل بين الأسر الحاكمة
الزبيريون والأمويون: لم يختلف الزبيري عن الأموي في البطش، إذ مارس الطرفان سياسة القتل المتبادل والانتقام الدموي.
استمرار "ثقافة السيف": لم تُبنَ دولة على قاعدة التسامح أو الحوار، بل على قاعدة "إما بيعة أو سيف"، وهي القاعدة التي استمرت في الوعي السياسي السلطوي حتى القرون اللاحقة.
---
خامساً: الأنظمة الحديثة وإعادة إنتاج التاريخ
قتل الشيوعيين: كثير من الأنظمة العربية الحديثة لجأت إلى إعدام الشيوعيين بتهم الخيانة والعمالة، مع أن أغلبهم كانوا معارضين سلميين.
قتل الإسلاميين: تكررت المجازر ضد الحركات الإسلامية، من مصر إلى العراق وسوريا.
الحقبة البعثية في العراق: مارس نظام البعث أسوأ صور البطش، إذ قتل الإسلاميين، والشيوعيين، وحتى رفاقه البعثيين أنفسهم في "مجازر القاعة" وغيرها، إلى أن انتهى بسقوط دموي سنة 2003.
---
الخاتمة
يظهر من هذا المسار التاريخي الطويل أن السلطة في التجربة السنيّة السلطوية قد اعتمدت منذ السقيفة على شرعية السيف والبطش، لا على شرعية النص أو الشورى أو إرادة الأمة. لم يسلم من ذلك لا أهل البيت، ولا الصحابة، ولا التيارات الفكرية والسياسية، ولا حتى أبناء المذهب الواحد.
أما في عصرنا الحديث، فما زالت الأنظمة الاستبدادية تسير على نفس النهج، لا ترى في المعارضة إلا خيانة، ولا في النقد إلا فتنة، وتستند دائمًا إلى نفس التهم الجاهزة. وهكذا يستمر التاريخ في إعادة إنتاج ذاته، ما لم يُعاد تعريف السلطة في إطارها الرسالي–الإنساني، القائم على العدل والحرية والكرامة الإنسانية.
المقدمة
منذ السقيفة التي أعقبت وفاة النبي محمد صلى الله عليه وآله، دخل العالم الإسلامي في مرحلة جديدة، تحولت فيها السلطة من مشروع رسالي يقوم على الهداية والعدل، إلى مشروع سياسي قائم على الإقصاء والبطش والقوة. ومنذ تلك اللحظة، استقرّت في الذهنية السياسية السلطوية قاعدة مفادها: أن الحكم لا يُدار بالشورى ولا بالعدل، وإنما بالسيف والتهم الجاهزة: الردة، الخيانة، الفتنة، التآمر، التجسس.
وهكذا تشكّل تاريخ طويل من الدماء والقمع، امتد من العهد الأموي والعباسي، مرورًا بالسلطنات والإمبراطوريات، وصولًا إلى الأنظمة الحديثة.
---
أولاً: السقيفة وبذرة العنف السلطوي
تهديد بيت فاطمة الزهراء عليها السلام: من أبرز الشواهد المبكرة على استخدام العنف في السياسة، تهديد الخليفة الأول والثاني بحرق بيت علي وفاطمة إن لم يبايعوا. هذا الحدث يُعدّ مؤشرًا خطيرًا على أن "شرعية السيف" سبقت "شرعية الشورى".
قضية مالك بن نويرة: والي بني يربوع، الذي قُتل بأمر خالد بن الوليد بتهمة "الردة" رغم إسلامه، ثم جرى التمثيل به، وكان ذلك نموذجًا مبكرًا لتحويل المعارضة السياسية إلى قضية "دينية–عقائدية" مبررة للقتل.
---
ثانياً: الحكم الأموي وتكريس منطق البطش
قتل حجر بن عدي وأصحابه: عُرف حجر بزهده وصلاحه، لكنه عارض سياسة معاوية، فاعتُقل وقُتل مع جماعة من أصحابه، في سابقة خطيرة لقتل الصحابة لمجرد المعارضة.
مأساة كربلاء: قُتل الإمام الحسين بن علي عليه السلام وأهل بيته وأصحابه سنة 61هـ، في أوضح صورة لسياسة السلطة الأموية القائمة على الإبادة الدموية للمعارض، مهما كان موقعه من الدين والنسب.
وقعة الحرة (63هـ): اجتياح جيش يزيد للمدينة المنورة، وقتل المئات من الصحابة وأبنائهم ونساء المدينة، واغتصاب الحرائر، لإخماد أي بادرة معارضة.
---
ثالثاً: الحكم العباسي وتكرار النمط ذاته
قتل الأمويين في دمشق ومصر: حين دخل العباسيون بقوة السيف، أقاموا مجازر بحق بني أمية، في سياسة انتقامية لم تقتصر على الساسة والعسكر بل طالت النساء والأطفال.
قتل أئمة أهل البيت عليهم السلام: استمرت الملاحقات ضد أهل البيت، فمات الإمام جعفر الصادق والإمام موسى الكاظم والإمام الرضا وغيرهم في ظروف مشبوهة بين السجن والسم.
قتل زيد بن علي بن الحسين: ثار على الظلم العباسي، فقُتل وصُلب جسده الطاهر في الكوفة، في صورة أخرى لإغلاق الباب أمام أي معارضة عادلة.
---
رابعاً: العنف المتبادل بين الأسر الحاكمة
الزبيريون والأمويون: لم يختلف الزبيري عن الأموي في البطش، إذ مارس الطرفان سياسة القتل المتبادل والانتقام الدموي.
استمرار "ثقافة السيف": لم تُبنَ دولة على قاعدة التسامح أو الحوار، بل على قاعدة "إما بيعة أو سيف"، وهي القاعدة التي استمرت في الوعي السياسي السلطوي حتى القرون اللاحقة.
---
خامساً: الأنظمة الحديثة وإعادة إنتاج التاريخ
قتل الشيوعيين: كثير من الأنظمة العربية الحديثة لجأت إلى إعدام الشيوعيين بتهم الخيانة والعمالة، مع أن أغلبهم كانوا معارضين سلميين.
قتل الإسلاميين: تكررت المجازر ضد الحركات الإسلامية، من مصر إلى العراق وسوريا.
الحقبة البعثية في العراق: مارس نظام البعث أسوأ صور البطش، إذ قتل الإسلاميين، والشيوعيين، وحتى رفاقه البعثيين أنفسهم في "مجازر القاعة" وغيرها، إلى أن انتهى بسقوط دموي سنة 2003.
---
الخاتمة
يظهر من هذا المسار التاريخي الطويل أن السلطة في التجربة السنيّة السلطوية قد اعتمدت منذ السقيفة على شرعية السيف والبطش، لا على شرعية النص أو الشورى أو إرادة الأمة. لم يسلم من ذلك لا أهل البيت، ولا الصحابة، ولا التيارات الفكرية والسياسية، ولا حتى أبناء المذهب الواحد.
أما في عصرنا الحديث، فما زالت الأنظمة الاستبدادية تسير على نفس النهج، لا ترى في المعارضة إلا خيانة، ولا في النقد إلا فتنة، وتستند دائمًا إلى نفس التهم الجاهزة. وهكذا يستمر التاريخ في إعادة إنتاج ذاته، ما لم يُعاد تعريف السلطة في إطارها الرسالي–الإنساني، القائم على العدل والحرية والكرامة الإنسانية.
