ما الذي يتركه الوالدان في داخل أبنائهما؟

تقليص
X
  •  
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • يازهراء
    مشرفة قسم المجتمع

    • 23-05-2010
    • 1984

    #1

    ما الذي يتركه الوالدان في داخل أبنائهما؟


    بسم الله الرحمن الرحيم
    اللهم صل على محمد وآل محمد
    الطفل لا يتعلم من والديه ما يقولانه له فقط، بل يتعلم أيضًا كيف ينظر إلى نفسه، وكيف يفكر، وكيف يتعامل مع الناس، وكيف يواجه الفشل، وما الذي يراه مهمًا في الحياة.
    والأبناء عندما يكبرون قد يبتعدون عن والديهم، ويدخلون المدرسة والمجتمع، ويخالطون الأصدقاء، ويتعرضون لمئات الأفكار والصور والكلمات يوميًا، لكن ما زُرع في داخلهم في سنوات التربية يبقى حاضرًا، وقد يظهر عند الاختيار، أو الخوف، أو الغضب، أو الفشل، أو مواجهة الفتن.
    ولهذا فإن من أعظم مسؤوليات الأب والأم أن يقدما لأبنائهما تلقينًا واعيًا متكررًا للقيم والمبادئ التي يريدان أن يعيشا بها.
    أولًا: ما المقصود بالتلقين؟
    التلقين هو أن يكرر الوالدان على أبنائهما المعاني الصحيحة والكلمات والقيم والتوجيهات حتى تصبح مألوفة لعقولهم وقلوبهم، ثم تتحول مع الوقت إلى قناعات وسلوك.
    مثل أن يسمع الابن باستمرار:
    "أنت تستطيع أن تقول لا عندما يكون الشيء خطأ."
    "لا تجعل رأي الناس هو الذي يحدد قيمتك."
    "الله يراك حتى عندما لا يراك أحد."
    "إذا أخطأت، اعترف بخطئك وأصلحه."
    "القوة ليست في رفع الصوت، القوة أن تملك نفسك."
    "نحن في هذا البيت لا نظلم أحدًا حتى لو أخطأ في حقنا."
    هذه الكلمات قد تبدو بسيطة، لكنها عندما تتكرر في الوقت المناسب، وتراها أمامها مطبقة في سلوك الوالدين، تصبح جزءًا من البناء الداخلي للطفل.
    ثانيًا: لماذا يحتاج الأبناء الكبار إلى التلقين أكثر مما نظن؟
    قد يظن بعض الوالدين:
    "ابني كبر، لم يعد يحتاج إلى أن أقول له هذه الأشياء."
    لكن الحقيقة أن مرحلة الكبر ليست نهاية التوجيه، وإنما تتغير طريقة التوجيه.
    فالطفل الصغير يحتاج إلى أن تقول له:
    "لا تفعل هذا."
    أما الابن الأكبر فيحتاج أن تقول له:
    "لماذا لا ينبغي أن تفعله؟ وكيف تتصرف إذا ضغط عليك الآخرون؟"
    لأن الابن أو البنت عندما يكبران تبدأ أمامهما أسئلة أكبر:
    من أنا؟
    ما قيمتي؟
    ماذا أفعل إذا خالفني أصدقائي؟
    هل أبحث عن إعجاب الناس؟
    ماذا أفعل إذا أخطأت؟
    كيف أتعامل مع الغضب؟
    كيف أختار صديقي؟
    كيف أتعامل مع الجنس الآخر؟
    هل أتنازل عن مبادئي حتى أكون محبوبًا؟
    ماذا أفعل عندما لا يراني أحد؟
    هل أستطيع أن أرفض شيئًا خاطئًا رغم ضغط الآخرين؟
    وهنا تظهر قيمة التلقين السابق.
    ثالثًا: التلقين يصنع "الصوت الداخلي"
    هذه من أهم النقاط نفسيًا.
    كل إنسان يكبر وفي داخله نوع من الحوار مع نفسه.
    عندما يفشل، ماذا يقول لنفسه؟
    عندما يخطئ، ماذا يقول؟
    عندما يخاف، ماذا يقول؟
    عندما يتعرض لضغط أصدقائه، ماذا يقول؟
    وهنا يمكن أن يكون صوت الوالدين قد تحول مع الوقت إلى صوت داخلي.
    إذا كان الطفل يسمع:
    "أنت فاشل، أنت لا تفهم، أنت دائمًا تخطئ"
    فقد يتحول هذا الكلام إلى صوت داخلي يقول له عند كل فشل:
    "أنا لا أستطيع... أنا فاشل."
    أما إذا كان يسمع:
    "قد تخطئ، لكن الخطأ لا يجعلك إنسانًا سيئًا. تعلم وأصلح خطأك وحاول مرة أخرى."
    فقد يصبح هذا المعنى جزءًا من طريقته في مواجهة الحياة.
    وهنا نفهم أن الوالدين لا يربيان السلوك فقط، بل يساهمان في تشكيل الطريقة التي يتحدث بها الإنسان مع نفسه.
    رابعًا: التلقين يبني الثقة بالنفس
    الثقة بالنفس لا تعني أن نقول للطفل دائمًا:
    "أنت الأفضل."
    بل أن نعلمه قيمًا أكثر عمقًا:
    قيمتك ليست مرتبطة بدرجاتك فقط.
    لا تحتاج إلى إرضاء الجميع حتى تكون محبوبًا.
    تستطيع الاعتذار عندما تخطئ.
    تستطيع رفض الخطأ حتى لو فعله الآخرون.
    تستطيع أن تتعلم ما لا تعرفه.
    الفشل لا يعني أنك عاجز.
    لا تجعل مقارنة نفسك بالآخرين تحطمك.
    فالابن الذي يتلقى هذه المعاني باستمرار، يصبح أكثر قدرة على الوقوف أمام ضغط المجتمع؛ لأنه لا يبحث عن قيمته بالكامل في الخارج.
    خامسًا: التلقين يحمي الأبناء من ضغط الأصدقاء والمجتمع
    الابن أو البنت قد يسمع من الأصدقاء:
    "الجميع يفعل ذلك!"
    وقد يرى على الإنترنت شيئًا أصبح منتشرًا، فيظن أن انتشاره يعني أنه صحيح.
    وهنا يأتي دور التلقين السابق.
    إذا كان الوالدان قد علّما الطفل:
    "ليس كل شيء منتشر صحيحًا، وليس كل شيء يفعله الناس مناسبًا لنا."
    فإن هذه الجملة قد تعمل داخله عندما يتعرض للضغط.
    وإذا لقناه:
    "الصديق الحقيقي لا يجعلك تخجل من مبادئك."
    فقد تساعده هذه الفكرة على تقييم صداقاته.
    لذلك التلقين ليس محاولة لعزل الابن عن المجتمع، وإنما إعطاؤه بوصلة داخلية يستطيع بها أن يتحرك في المجتمع دون أن يضيع فيه.
    سادسًا: التلقين الديني... أن نزرع الله في القلب لا الخوف فقط
    وهنا نقطة مهمة جدًا.
    التربية الدينية لا ينبغي أن تكون قائمة على:
    "الله سيعاقبك!"
    في كل موقف.
    نريد أن يتعرف الطفل على الله بوصفه ربًا رحيمًا، قريبًا، عليمًا، حكيمًا، يحب الخير لعباده، ويحاسبهم بعدل.
    فنلقنه:
    "الله يراك ويعرف تعبك."
    "إذا أخطأت، فباب التوبة مفتوح."
    "لا تفعل الخير فقط لأن الناس يرونك؛ افعله لأن الله يراك."
    "عندما لا تعرف ماذا تفعل، ارجع إلى الله."
    "لا تجعل ذنبًا واحدًا يجعلك تظن أنك لا تستطيع العودة إلى الله."
    وهكذا يصبح الدين علاقة وحياة ومعنى، لا مجرد قائمة أوامر ونواهٍ.
    سابعًا: التلقين الأخلاقي يصنع إنسانًا أمينًا حتى في الخفاء
    من أجمل ما يمكن أن يلقنه الأبوان لأبنائهما:
    "الأخلاق تظهر عندما لا يوجد أحد يراقبك."
    علّم ابنك:
    لا تأخذ ما ليس لك.
    لا تكذب لتنجو من موقف.
    لا تفضح سر صديقك.
    لا تسخر من شخص ضعيف.
    لا تستغل حاجة الآخرين.
    اعتذر عندما تخطئ.
    أعط كل إنسان حقه.
    لا تظلم حتى عندما تستطيع الظلم.
    كن أمينًا في المال والكلام والعمل.
    لا تجعل غياب الرقابة سببًا للخيانة.
    وهذا يربي الضمير.
    والضمير أقوى من ألف مراقب عندما يُبنى بطريقة صحيحة.
    ثامنًا: التلقين العاطفي مهم جدًا
    كثير من الأبناء يكبرون وهم يعرفون كيف يدرسون ويعملون، لكنهم لا يعرفون كيف يتعاملون مع مشاعرهم.
    لذلك يحتاج الابن إلى أن يسمع:
    "من الطبيعي أن تغضب، لكن ليس من حقك أن تؤذي."
    "من الطبيعي أن تحزن، ولا يعني حزنك أنك ضعيف."
    "إذا كنت متضايقًا، تحدث بدل أن تكتم كل شيء."
    "لا تتخذ قرارًا كبيرًا وأنت غاضب."
    "ليس كل شعور يجب أن يتحول إلى تصرف."
    هذه الجمل تعلم الطفل شيئًا بالغ الأهمية:
    المشاعر موجودة، لكن الإنسان يستطيع أن يديرها ولا يصبح أسيرًا لها.
المحتوى السابق تم حفظه تلقائيا. استعادة أو إلغاء.
حفظ-تلقائي
Smile :) Embarrassment :o Big Grin :D Wink ;) Stick Out Tongue :p Mad :mad: Confused :confused: Frown :( Roll Eyes (Sarcastic) :rolleyes: Cool :cool: EEK! :eek:
يعمل...