التلقين من الوالدين من أقوى وسائل بناء الإنسان

تقليص
X
  •  
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • يازهراء
    مشرفة قسم المجتمع

    • 23-05-2010
    • 1984

    #1

    التلقين من الوالدين من أقوى وسائل بناء الإنسان

    بسم الله الرحمن الرحيم
    اللهم صل على محمد وآل محمد
    التلقين من الوالدين ليس مجرد تكرار كلمات على مسامع الطفل؛ بل هو من أقوى وسائل بناء الإنسان من الداخل، خصوصًا عندما يكبر الابن أو البنت ويبدأ بتكوين شخصيته وقناعاته ونظرته إلى نفسه وإلى الحياة

    ماذا عن البنت والولد؟
    المبدأ الأساسي واحد، لكن يمكن أن يحتاج كل منهما إلى توجيهات تناسب التحديات التي قد يواجهها.
    البنت تحتاج أن تسمع:
    أن قيمتها ليست في جمالها فقط.
    أنها ليست مطالبة بأن تكشف نفسها أو تتنازل عن حدودها حتى تحصل على القبول.
    أن الحياء ليس ضعفًا.
    أن تستطيع قول "لا".
    أن تختار من يحترمها، لا من يجعلها تركض وراء اهتمامه.
    أن جمالها نعمة، لكنه ليس هويتها كلها.
    وأن عقلها ودينها وأخلاقها وكرامتها أهم من إعجاب الناس بها.
    والولد يحتاج أن يسمع:
    أن الرجولة ليست في القسوة والصراخ.
    أن القوة الحقيقية هي ضبط النفس وتحمل المسؤولية.
    أن احترام المرأة لا ينقص من رجولته.
    أن الاعتذار ليس ضعفًا.
    أن العمل وخدمة الأسرة وتحمل المسؤولية جزء من الرجولة.
    أن السيطرة على الغضب قوة.
    أن الإنسان لا يصبح عظيمًا بإخضاع الآخرين، بل بقدرته على ضبط نفسه والقيام بواجبه.
    التلقين لا يعني المحاضرات الطويلة
    وهذه نقطة تربوية مهمة جدًا.
    الطفل لا يحتاج إلى محاضرة كل يوم.
    بل يحتاج إلى جملة قصيرة في الوقت المناسب.
    حدث موقف بينه وبين صديقه؟
    بدل محاضرة طويلة، قل:
    "تذكر: الصديق الذي يحترمك لا يضغط عليك لتفعل شيئًا تخجل منه."
    أخطأ؟
    "الخطأ لا يخيفنا، الذي نخاف منه هو أن نعرف الخطأ ونصر عليه."
    نجح؟
    "اجعل نجاحك سببًا للتواضع، وليس للتكبر."
    غضب؟
    "خذ وقتك حتى تهدأ، ثم تكلم."
    رأى شيئًا خاطئًا على الهاتف؟
    "ليس كل ما تستطيع الوصول إليه تستحق أن تراه."
    هكذا يدخل التوجيه إلى الحياة اليومية بدل أن يكون درسًا منفصلًا عنها.
    التلقين لا ينجح إذا خالفه سلوك الوالدين
    هذه ربما أهم قاعدة:
    الأبناء يتعلمون ما يرونه أكثر مما يسمعونه.
    إذا قلت لابنك:
    "لا تكذب."
    ثم رآك تكذب، فسيتعلم الكذب لا الصدق.
    إذا قلت:
    "احترم الناس."
    ثم رآك تهين الآخرين، فسيتعلم الإهانة.
    إذا قلت:
    "تحكم بغضبك."
    ثم رأى غضبك يسيطر عليك، فقد تصبح كلماتك أقل تأثيرًا.
    لذلك يمكن القول:
    التلقين يعطي الكلمة، والقدوة تعطيها المصداقية.
    لا تجعل التلقين كله أوامر وتحذيرات
    من الخطأ أن يكون معظم كلام الوالدين:
    لا تفعل.
    لا تذهب.
    لا تتكلم.
    لا تلبس.
    لا تصاحب.
    لا تخطئ.
    لا...
    مع الوقت قد يصبح الطفل إما خائفًا، أو عنيدًا، أو معتادًا على تجاهل الكلام.
    لذلك اجعل التلقين أيضًا مليئًا بالبناء:
    كن شجاعًا.
    كن رحيمًا.
    كن مبادرًا.
    تعلم.
    ساعد.
    تحمل المسؤولية.
    فكر قبل أن تختار.
    اسأل عندما لا تعرف.
    أصلح خطأك.
    احفظ كرامتك وكرامة الآخرين.
    فالتربية ليست فقط منع الشر، بل بناء الخير.
    التلقين في المنظور الإسلامي
    الإسلام لم يترك التربية للصدفة، بل اهتم ببناء الإنسان من الداخل.
    ومن أجمل الأمثلة القرآنية وصايا لقمان لابنه في سورة لقمان؛ فلم يبدأ معه بمجرد الأوامر السلوكية، بل بنى عنده أساس العقيدة، ثم العبادة، ثم الأخلاق، ثم طريقة التعامل مع الناس.
    قال تعالى:
    ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾
    ثم قال:
    ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ﴾
    ثم انتقل إلى الأخلاق والسلوك:
    ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾
    فتأمل جمال التربية هنا:
    عقيدة → عبادة → مسؤولية → صبر → تواضع → أخلاق → سلوك.
    وهذا يبين أن التربية الإيمانية ليست معلومات يحفظها الطفل فقط، وإنما معانٍ تتشكل بها شخصيته.

    أجمل ما يمكن أن يلقنه الأب والأم
    يمكن أن تكون في البيت مجموعة مبادئ تتكرر باستمرار حتى تصبح ثقافة أسرية:
    عن الله:
    الله أولى أن نرجع إليه عندما نحتار.
    عن النفس:
    قيمتك لا تتوقف على رأي الناس فيك.
    عن الخطأ:
    إذا أخطأت، اعترف وأصلح ولا تهرب.
    عن الأخلاق:
    افعل الصواب حتى عندما لا يراك أحد.
    عن الناس:
    احترم الإنسان، حتى عندما تختلف معه.
    عن الصداقة:
    اختر من يزيدك خيرًا، لا من يسحبك إلى الخطأ.
    عن الشهوة والفتنة:
    ليس كل ما تشتهيه النفس يصلح أن تتبعه.
    عن الغضب:
    لا تجعل لحظة غضب تهدم شيئًا بنيته سنوات.
    عن الفشل:
    السقوط ليس النهاية؛ المهم أن تنهض وتتعلم.
    عن المسؤولية:
    ما تستطيع القيام به بنفسك لا تنتظر من غيرك أن يقوم به دائمًا.
    عن الدين:
    لا تجعل علاقتك بالله علاقة خوف فقط؛ تعرّف إلى رحمته وحبه وفضله.

    متى يكون التلقين مؤذيًا؟
    التلقين نفسه ليس المشكلة؛ المشكلة في الطريقة والمضمون.
    يصبح مؤذيًا عندما يتحول إلى:
    إهانة متكررة.
    تخويف دائم.
    مقارنة بين الأبناء.
    تهديد مستمر.
    وصف الطفل بأنه "غبي" أو "فاشل".
    إشعاره بأنه لا قيمة له.
    تلقينه أفكارًا سلبية عن نفسه أو الآخرين.
    استخدام الدين لإثارة الرعب فقط.
    تكرار النصائح بطريقة تجعل الابن يشعر بأنه غير موثوق به.
    فبدل أن نقول:
    "أنت دائمًا تكذب."
    نقول:
    "هذا الكلام غير صحيح، وأنا أريد منك أن تتعلم الصدق حتى عندما يكون الاعتراف صعبًا."
    نهاجم السلوك الخاطئ، لا نثبت هوية سيئة في الطفل.
    التلقين عند الأبناء الكبار يجب أن يتحول من "أنا أقول وأنت تنفذ" إلى "أنا أعلّمك كيف تفكر"
    كلما كبر الابن، قلّل الأوامر وزد الحوار.
    لا تقل فقط:
    "لا تصاحب فلانًا."
    بل اسأله:
    "ما الصفات التي تجعل الإنسان صديقًا صالحًا؟ وما الذي يجعلك تعرف أن شخصًا ما يؤثر عليك بطريقة سيئة؟"
    لا تقل فقط:
    "لا تفعل هذا."
    بل:
    "ماذا تتوقع أن تكون نتيجة هذا الاختيار بعد سنة؟"
    بهذه الطريقة لا يصبح الابن تابعًا لرقابة الوالدين، بل يتعلم الرقابة الذاتية.
    وهذه هي الغاية الكبرى من التربية.
    التلقين الجيد يشبه البذور التي تُزرع في العقل والقلب.
    قد يقول الأب جملة وينساها.
    وقد تقول الأم كلمة عابرة ولا تتذكرها.
    لكن الطفل قد يحتفظ بها سنوات.
    ثم يأتي يوم يكون فيه بعيدًا عن والديه، وتعرض عليه فرصة، أو يواجه ضغطًا، أو يقف أمام خطأ لا يراه أحد، فتظهر تلك الكلمات القديمة في داخله:
    "الله يراني."
    "لا أبيع مبدئي من أجل رضا الناس."
    "أستطيع أن أقول لا."
    "إذا أخطأت أصلح خطئي."
    "أنا مسؤول عن اختياراتي."
    "قيمتي ليست في إعجاب الآخرين بي."
    "القوة أن أملك نفسي."
    هنا نعرف أن التلقين لم يكن مجرد كلام.
    لقد أصبح ضميرًا، وبوصلة، وقناعة، وصوتًا داخليًا.
    ولهذا فإن الوالدين لا ينبغي أن يسألا فقط:
    "ماذا نريد أن يفعل أبناؤنا؟"
    بل يسألان:
    "ما الكلمات والقيم التي نريد أن تبقى في داخلهم عندما لا نكون بجانبهم؟"
    فالأب والأم لن يستطيعا مرافقة أبنائهما في كل طريق، لكنهما يستطيعان أن يتركا في داخلهم بوصلة تهديهم عندما يغيبان.
المحتوى السابق تم حفظه تلقائيا. استعادة أو إلغاء.
حفظ-تلقائي
Smile :) Embarrassment :o Big Grin :D Wink ;) Stick Out Tongue :p Mad :mad: Confused :confused: Frown :( Roll Eyes (Sarcastic) :rolleyes: Cool :cool: EEK! :eek:
يعمل...