مفردات قيّمة من القرآن الكريم، ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾

تقليص
X
  •  
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • الاشتر
    مشرف قسم المنوع

    • 27-02-2022
    • 2879

    #1

    مفردات قيّمة من القرآن الكريم، ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾

    بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
    اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد


    قال الله تعالى: ﴿فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا[1].

    مسايرة ورفقة بأمر رباني بين نبي وولي هما موسى والخضر (عليهما السلام) الغرض منها اكتساب العلم الباطني، إلى أن وجدا غلامًا يافعًا، فأمسك الخضر فجأةً بذلك الغلام وقتله وتركه ملقى على الأرض، فلم يحتمل نبيّ الله موسى هذا الموقف وصاح قائلًا: ما الذي تفعله؟ لماذا سلبت الحياة من طفلٍ بريء لم يرتكب أيّ ذنب أو جرم؟ لقد ارتكبت عملًا قبيحًا جدًّا!
    ﴿حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ﴾، قتله فور لقاءه دون حوار، وحسب الظاهر دون معرفة مسبقة عن حاله، وهذا أمر وأدهى من خرق السفينة فانه يخلّف الغرق وقد يمنعه مانع من سدّ الخرق كما فعل، ولكنما القتل واقع لا يجبر بشيء، فانبرى موسى نبرة أشد من الأولى ناسيا وعده هنا وكان أحرى إذ يرى نكرا بعد ما رأى إمرا ﴿قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا﴾.
    ترى وكيف عرف أن الغلام نفس زكية، أو أن قتله كان بغير نفس‌؟ أكانت زكية حيث الغلام لائح في غير البالغ، وهو نفس زكية على أية حال حيث كونه مرفوع القلم حتى وأن قتل نفسا فالدية إذا على العاقلة دونه، ولكن فرض الدية على العاقلة لا يجعل القاتل غير البالغ زكيا وغير قاتل، وإن لم يجز قتله حيث القلم عنه مرفوع! أو أنه كان بالغا والغلام من بلغ حدّ الغلومة والشبق بالغا وسواه، وقد نتبلّغ بلوغه هنا من ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾، اللائح في تجويز قتله بنفس، ومن ثم الجواب في تجوز قتله بكفره المرهق، فهو تأكيد لكونها زكية، وأصل البراءة حكم من ظاهر الشرع يحكم بهذه وتلك، إلاّ ما خرج بدليل، ولا دليل على خلافه حاضرا في هذه اللقيا، وموسى (عليه السلام) رسول وامام يحكم بظاهر الشرع.
    لذا برر الخضر (عليه السلام) فعله بقوله: ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا
    [2]، والكفر المرهق الطاغي مما يفرض القتل فإنه فتنة وفساد كبير ﴿...وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ...[3]، فإنها قتل لنفوس مؤمنة لإيمانها! وكيف عرف موسى أنه نفس زكية دون معرفة عنه مسبقة، وأنه لم يقتل نفسا أو لم يأت بما يهدر دمه‌؟ علّه لأنها كانت لقياه الاولى، والأصل في كل نفس كونها زكية غير كافرة، وأنها لم تقتل نفسا، أو أنها زكية عن قتل الغير إن كانت اللقيا في ارض كافرة، وقد ورد عن إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ((سمعته يقول: بينما العالم يمشى مع موسى إذ هم بغلام يلعب قال فوكزه العالم فقتله، قال له موسى: ﴿قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا﴾، قال: فادخل العالم يده فاقتلع كتفه فإذا عليه مكتوب: كافر مطبوع))[4].
    وفي مقام بيان تفسير فعله وسببه قال الخضر: اعلم أنّ قتلي لهذا الغلام لم يكن عن لغو وعبث؛ فلو كبُر هذا الغلام وبلغ سنّ الرشد والتكامل، فإنّه سينحرف بأبويه المؤمنَين الموحّدين عن الطريق، وسيجرّهما نحو الكفر والطغيان، أي إنّه بسبب ميول‌ الغلام الإلحاديّة والمضادّة للتوحيد، وبسبب إظهاره للفسق والفجور، فإنّ الوالدين سيقعان تحت تأثير العواطف الأبويّة، فينحرفان شيئًا فشيئًا عن الصراط المستقيم ويستجيبان لرغبات ابنهما، وبدلًا عن نهيه وطرده، سيبدآن بدورهما بالانحراف التدريجيّ نحو رغباته وأفكاره وطبائعه، إلى أن يبلغ بهما الحدّ إلى أن يدوسا فجأةً على جميع المعتقدات والمباني الدينيّة والشرعيّة، ويستبدلا التوحيد والإيمان بالكفر والشرك، ولهذا أردنا قتله، وسيُعطيهما الله تعالى بدلًا عنه ولدًا أصلح وأطهر تقرّ به أعينهما ويجلب لهما البركة وخير الدنيا والآخرة.

    ففي هذه الآية الشريفة، يُعلن الحقّ تعالى بشكل واضح وصريح أنّ العلاقة الأبويّة ستُفضي في المستقبل إلى حدوث تغيير في عقائد الأبوين وإيمانهما، ملقيةً بهما في أتون الكفر والشرك.

    [1] سورة الكهف، الآية: 74.
    [2] سورة الكهف، الآية: 80.
    [3] سورة البقرة، الآية: 217.
    [4] بحار الأنوار، ج 13، ص 310.

المحتوى السابق تم حفظه تلقائيا. استعادة أو إلغاء.
حفظ-تلقائي
Smile :) Embarrassment :o Big Grin :D Wink ;) Stick Out Tongue :p Mad :mad: Confused :confused: Frown :( Roll Eyes (Sarcastic) :rolleyes: Cool :cool: EEK! :eek:
يعمل...