من العزاء الحسيني إلى الثورات العلوية.. ذاكرة الاحتجاج بعد واقعة الطف

تقليص
X
  •  
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • علي حسين الخباز
    مشرف الساحة الادبية

    • 20-09-2010
    • 9210

    #1

    من العزاء الحسيني إلى الثورات العلوية.. ذاكرة الاحتجاج بعد واقعة الطف

    من العزاء الحسيني إلى الثورات العلوية.. ذاكرة الاحتجاج بعد واقعة الطف

    كتب : كاظم نصار
    في : 2026/09/05 كنت قد بحثت أولًا عن السؤال الآتي: متى استقرت لدينا طقوس العزاء العاشورائي؟ ومتى أصبحت تُمارَس علنًا من دون خوف أو قمع أو منع؟

    ووجدت أن الدولة البويهية كانت من أهم المراحل التي تحولت فيها مراسم عاشوراء في بغداد إلى ممارسة علنية واسعة تحظى برعاية السلطة؛ ففي سنة 352هـ أمر معز الدولة البويهي بإغلاق الأسواق والدكاكين في يوم عاشوراء، وإظهار مظاهر الحزن والنياحة على الإمام الحسين عليه السلام. وهذا لا يعني أن العزاء الحسيني بدأ في ذلك التاريخ، فقد عرفت المجالس والرثاء قبل ذلك، ولكنه مثّل انتقالًا بارزًا من المجالس الخاصة والمحدودة إلى الفضاء العام.

    ثم أصبحت مراسم عاشوراء في الدولة الفاطمية بمصر ذات حضور واسع أيضًا، وشهدت القاهرة تعطيل الأسواق وإقامة مظاهر الحزن والنياحة، وتحولت في مراحل لاحقة إلى طقوس ذات طابع رسمي عُرفت من بينها مراسم «سماط الحزن».

    وكان العزاء قبل ذلك يُمارَس بأشكال مختلفة في البيوت والمجالس والأماكن الخاصة، ولا سيما في الفترات التي كان فيها إظهار الولاء لأهل البيت عليهم السلام محفوفًا بالخوف أو التضييق.

    وأظن أن من أبرز الحركات السياسية المبكرة التي اقترنت بالعزاء العلني عند قبر الإمام الحسين عليه السلام حركة التوابين، التي انطلقت من الكوفة سنة 65هـ بقيادة سليمان بن صرد الخزاعي.

    فقد تجمع التوابون، وتوجهوا إلى كربلاء، وازدحموا عند قبر الإمام الحسين عليه السلام وبكوا وندموا على خذلانه، ثم توجهوا بعد ذلك إلى قتال الجيش الأموي، وانتهت حركتهم بمعركة عين الوردة، حيث استشهد سليمان بن صرد وعدد كبير من أصحابه. وتشير بعض المصادر إلى أن سليمان كان قد تجاوز التسعين من عمره عند استشهاده.

    كنت أبحث في طقوس العزاء، لكن الطريق قادتني إلى سؤال آخر:

    ماذا حدث بعد استشهاد الإمام الحسين عليه السلام على مستوى الحراك السياسي والثوري؟

    وما جعلني أستمر في البحث وكتابة هذه الحلقات أن عددًا كبيرًا من الأصدقاء شجعوني على الاستمرار، وأكدوا أن كثيرًا من المعلومات التي تتناولها هذه المقالات لم يكونوا يعرفون تفاصيلها من قبل.

    وخاصة أن تاريخ الحركات العلوية ومواقف أهل البيت عليهم السلام منها تعرض، في أزمنة مختلفة، لتعدد السرديات والتفسيرات، وكانت السلطات الأموية والعباسية طرفًا في صناعة جانب من الرواية السياسية السائدة.

    كما لاحظت، وأنا أتابع الروايات، أن مواقف الأئمة المعصومين عليهم السلام من عدد من الثورات لم تكن واحدة، وأنها تحتاج في كل واقعة إلى دراسة مستقلة؛ لأن نسبة التأييد أو الرفض إلى الإمام المعصوم لا ينبغي أن تقوم على الظن وحده، بل على نص تاريخي أو روائي معتبر.

    ومن منطلق متابعة الحراك السياسي للعلويين وتأثيراته، حاولت أن أدرج في هذه السلسلة أبرز الحركات المعارضة والثورية، فضلًا عن الدول والإمارات التي أنشأها أحفاد البيت العلوي في أجيال لاحقة.

    وفي هذه الحلقة أحاول المرور على بعض الثورات العلوية المتأخرة في العصر العباسي، التي لم تستمر طويلًا ولم تحقق أهدافها السياسية، لكنها كانت، في نهاية المطاف، شكلًا من أشكال الاحتجاج على الظلم والقمع والسجن والمصادرة وغياب العدالة.

    أولًا: حركة محمد بن القاسم في طالقان

    في سنة 219هـ خرج محمد بن القاسم العلوي في منطقة طالقان بخراسان في عهد الخليفة العباسي المعتصم، ودعا إلى «الرضا من آل محمد».

    وقد تمكنت السلطات العباسية من القبض عليه بعد مواجهات، فنُقل إلى بغداد وسُجن، لكنه استطاع الهرب من سجنه. وتختلف الروايات بعد ذلك في مصيره؛ فقيل إنه اختفى حتى توفي بواسط، وقيل إنه اعتُقل مرة أخرى في عهد المتوكل ومات في السجن.

    وكان محمد بن القاسم من ذرية الإمام زين العابدين عليه السلام، وليس حفيده المباشر؛ إذ يرد نسبه في المصادر: محمد بن القاسم بن علي بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب.

    وكان يُعرف بـ«الصوفي» لكثرة لبسه الصوف، ووُصف بأنه فقيه وعابد وزاهد، وكان على رأي الزيدية الجارودية. وقد اعتقد بعض أتباعه أنه لم يمت وأنه سيعود في آخر الزمان، لكن الأدق القول إن طائفة من الزيدية تبنت هذا الاعتقاد، لا أن الجارودية نفسها نشأت بسبب ثورته.

    ثانيًا: خروج أحمد بن عيسى في الري

    وفي سنة 250هـ ظهر في مدينة الري أحمد بن عيسى بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ودعا هو الآخر إلى «الرضا من آل محمد».

    وتذكر المصادر أنه صلى بأهل الري، ثم قاتله محمد بن علي بن طاهر، فانهزم ابن طاهر واتجه إلى قزوين. وكان مع أحمد عدد من العلويين، ومنهم إدريس بن موسى من ذرية الإمام الحسن عليه السلام.

    وهذه الثورات المتأخرة تكشف أن الحراك العلوي لم ينقطع مع الثورات الكبرى المعروفة، بل ظل يظهر في مناطق مختلفة من الدولة العباسية، وإن كان في كثير من الأحيان محدود الإمكانات وقصير العمر.

    ولا أجزم بأنها كانت آخر الثورات العلوية في العصر العباسي؛ لأن الحركات العلوية والزيدية استمرت بعد ذلك في مناطق متعددة، ولذلك فالأدق القول إنها من الثورات العلوية المتأخرة في القرن الثالث الهجري.

    أما موقف الأئمة محمد الجواد وعلي الهادي والحسن العسكري عليهم السلام من هذه الحركات، فلا أرى من الدقة التاريخية أن نقول إنهم «كانوا يؤيدونها سرًا» من دون نص صريح يثبت ذلك.

    ✦ كتابات في الميزان ✦

    تنطلق هذه المقالة من سؤال عن تحوّل العزاء الحسيني من المجالس المحدودة إلى الممارسة العلنية، لتصل إلى أثر واقعة الطف في الحركات السياسية العلوية اللاحقة. وبين التوابين وثورات القرن الثالث الهجري، يرصد الكاتب استمرار الاحتجاج على السلطة العباسية، ويعيد فتح ملف يحتاج إلى قراءة دقيقة تفصل بين الوقائع التاريخية والاجتهاد في تفسير مواقف الأئمة عليهم السلام.
المحتوى السابق تم حفظه تلقائيا. استعادة أو إلغاء.
حفظ-تلقائي
Smile :) Embarrassment :o Big Grin :D Wink ;) Stick Out Tongue :p Mad :mad: Confused :confused: Frown :( Roll Eyes (Sarcastic) :rolleyes: Cool :cool: EEK! :eek:
يعمل...