بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
قال الله تعالى: ﴿فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ ۖ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾[1].
بعد احداث إغراق السفينة وقتل الغلام واعتراضات نبي الله موسى على الولي الخضر (عليهما السلام) تابعا سيرهما إلى أن دخلا قرية يتسم أهلها بالبخل، لا يعرف موسى لماذا ذهبا الى هذه القرية بالتحديد، ولا يعرف لماذا يبيتان فيها، وقد نفذ ما معهما من الطعام، فاستطعما أهل القرية فأبوا أن يضيفوهما، ومما لاريب فيه، إنّ موسى وصاحبه لم يكونا ممن يلقي بكلّه على الناس ولكن يتّضح أنّ زادهم وأموالهم قد نفذت في تلك السفرة، لذا فقد رغبا أن يضيفهما أهل تلك المدينة [ويحتمل أنّ الرجل العالم تعمد طرح هذا الاقتراح كي يعطي موسى درسًا بليغًا آخر].
وذكر المفسرون نقلاً عن ابن عباس أنّ المقصود بهذه المدينة هو (أنطاكية).
وذكر آخرون: إن المقصود منها هو مدينه (أيله) التي تسمي اليوم ميناء (أيلات) الذي يقع على البحر الأحمر قرب خليج العقبة، أما البعض الثالث فيرى بأنها مدينة (الناصرة) الواقعة شمال فلسطين.
وقيل عن (مجمع البحرين): إنه كنايه عن محل التقاء خليج العقبة وخليج السويس، يتضح أن مدينه (الناصرة) أو ميناء (أيله) أقرب إلى هذا المكان من أنطاكية.
المهم في الأمر، أننا نستنتج من خلال ما جرى لموسى والخضر (عليهما السلام) من أهل هذه المدينة أنهم كانوا لئاما دنيئي الهمة، لذا نقرأ في رواية عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قوله في وصف أهل هذه المدينة (كانوا أهل قرية لئام).
﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾، فنسبة الإرادة إلى الجدار مجاز، ومعنى المجاز خلاف المعنى الحقيقيّ، فإرادة الجدار هنا إرادة لا كإرادة الإنسان، بل جاءت بمعنى إشرافه على السقوط، وهذه الكلمة يعبّر بها في كثير من الموارد التي يكون فيها الفعل على وشك التحقّق والوقوع.
تدانى أن يسقط، فاستعيرت الإرادة للمدانة والمشارفة، كما استعير الهمّ والعزم وأمثال ذلك أيضا لذلك، كما يقال: عزم السراج أن يطفأ، وطلب أن يطفأ، وإذا كان القول والإباء، والعزم والعزّة، والنطق والشكاية، والصدق والكذب، والسكوت والتمرّد والطواعية، وغير ذلك مستعارة للجماد ولسائر ما لا يعقل، فما بال الإرادة؟ و «انقضّ» انفعل، مطاوع: قضضته إذا كسرته، ومنه انقضاض الطير والكوكب لهويّه، أو افعلّ من النقض.
﴿فَأَقَامَهُ﴾، بعمارته أو بعمود عمده به.
وقيل: مسحه بيده فقام. وقيل: نقضه وبناه. وقيل: كان طول الجدار في السماء مائة ذراع.
ولمّا بخلوا عليهما بالطعام، وجاء عليهما المساء، وأوى الاثنان الى خلاء فيه جدار يريد أن ينقض، جدار يتهاوى ويكاد يهم بالسقوط وفوجئ موسى بأن الرجل العابد ينهض ليقضي الليل كله في إصلاح الجدار وبنائه من جديد ويندهش موسى من تصرف رفيقه ومعلمه، إن القرية بخيلة، لا يستحق من فيها هذا العمل المجاني.
لذا فقد نسي موسى (عليه السلام) عهدة مره أخرى، وعجب موسى من ذلك وبدأ بالاعتراض، إلا أن اعتراضه هذه المرة بدا خفيفًا فقال: ﴿قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾، أي: طلبت على عملك جعلا، تحريضا على أخذ الجعل، لينتعشا به، وليسدا جوعتهما، أو تعريضا بأنّه فضول، لما في ﴿لَوْ﴾، من النفي، كأنّه لمّا رأى الحرمان ومساس الحاجة، واشتغاله بما لا يعنيه، لم يتمالك نفسه.
وفي الواقع فإن موسى يعتقد بأن قيام الإنسان بالتضحية في سبيل أناس سيئين عمل مجافٍ لروح العدالة، بعبارة أخرى إن الجميل جيد وحسن بشرط أن يكون في محلّه.
صحيح أن الجزاء الجميل في مقابل العمل القبيح هو من صفات الناس الإلهيين إلا إن ذلك لا ينبغي أن يكون سببًا في دفع المسيئين للقيام بالمزيد من الإعمال السيئة.
فعندما ﴿قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾، انتهى الأمر بهذه العبارة.
فقال الخضر لموسى: ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾[2]، لقد كشفت الآيات اللاحقة عن الحكمة فيما فعله العبد الصالح ذو العلم اللدني.
[1] سورة الكهف، الآية: 77.
[2] سورة الكهف، الآية: 78.
