الطائفية في العراق.. من صناعة الاحتلال إلى أزمة الدولة"
علي حسين الخباز
عنوان كتاب فاعل، قادر على أن يكون سبباً بانثيال العديد من العناوين التي تحتل الذاكرة، واليوم عثرت على كتاب «الطائفية في العراق» للدكتور سعيد السامرائي، جعلني أتأمل في الموقف.
شغلت مسألة الطائفية حيزاً كبيراً من الاهتمام، لكونها وسيلة سيطرة تستعملها الأنظمة الحاكمة لتوطيد سيطرتها على المجتمعات. تذكرت مجموع كتب مرت على الذاكرة.
كتاب «المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات» كتاب للمفكر السوري برهان غليون، صدر عن «دار الطليعة» سنة 1979، والفكرة الرئيسة فيه هي فصل المسألة الطائفية عن المسألة الدينية، وربطها بالعلاقات الاجتماعية والسياسية، ولا سيما ببنية السلطة، ونقض المقولة الشائعة عن أن التعددية المذهبية والإثنية هي إحدى علل المجتمعات العربية، بدلاً من أن يكون هذا التعدد ثروة روحية وفكرية.
يتناول الكاتب مسألة الفتنة النائمة، وكيف استخدمتها النظم السياسية العربية، واستغلتها إلى أبعد حد، في فرض دكتاتوريتها وحرمان الشعوب العربية من الحريات السياسية.
وكتاب «ثقافة الطائفية: الطائفة والتاريخ والعنف في لبنان القرن التاسع عشر تحت الحكم العثماني» للمؤرخ أسامة مقدسي، إصدار «دار الآداب» 2005م. يقوم الكتاب على فكرة أن الطائفية في لبنان ليست دهرية، بل انبثقت بشكل واضح جداً في القرن التاسع عشر. وعليه، فإنها ليست مؤامرة عثمانية، ولا اختراعاً أوروبياً، كما وليست طبيعة لبنانية، وإنما تعكس تحلل النظام الاجتماعي اللبناني التقليدي وسط وجود أوروبي متنامٍ وإصلاحات عثمانية كبرى في الشرق الأوسط.الهوية الطائفية صارت عامة وسياسية، وحلت محل سياسات الوجاهة غير الطائفية، التي كانت السمة المميزة لمجتمع ما قبل الإصلاح. وكتاب «في الدولة الطائفية» للمفكر والكاتب اللبناني مهدي عامل، إصدار عام 1986م كان المفكر الراحل متحمساً لإنجاز كتابه هذا لضرورته التي برزت ملحة بعد استفحال الاقتتال وتعمق الطابع الأهلي والشكل الطائفي للحرب في لبنان.
يناقش الكاتب من خلاله أزمة الطائفية وأزمة النظام السياسي في لبنان، ويقترح لها حلولاً. في خمسة فصول يطرح رؤيته حول العلاقة المؤسسية بين الدولة والطوائف، ودور الدولة في الطائفية وعلاقتها مع الفرد، ويتطرق للنموذج اللبناني على وجه الخصوص، ليصل إلى تاريخ الطائفية والعلاقة بين الطائفية وعلاقات الإنتاج، ويشرح مفهوم الطائفية بحسب رؤية الدولة لها.
وكتاب «المسألة الطائفية، تعدد الهويات في الدولة الواحدة» للكاتب العراقي كاظم شبيب، الصادر عن «دار التنوير» 2011. يرى الكاتب بأنه من الواجب إيجاد حل للمعضلة الطائفية التي تستثمر اليوم سياسياً في ضرب الوحدة الوطنية، وفي إفشال كل بناء ديمقراطي وحداثي في عالمنا العربي والإسلامي، بل إن الطائفية صارت ورقة لضرب الاستقلال بالمعنى السياسي وتحقيق الاكتفاء الذاتي داخلياً.
كما ويدعو الكاتب لتوخي الحذر عند البحث أو الحديث في المسألة الطائفية في يومنا هذا، لأن أيّ بحث إن لم يكن موضوعياً فقد قيمته، وتحول إلى عمل دعوي أو أيديولوجي يسهم في تعميق المشكلة.
وكتاب «المسألة الطائفية وصناعة الأقليات في المشرق العربي»، في هذا الكتاب ثمانية وعشرون بحثاً من البحوث التي قدمت في «المؤتمر السنوي لقضايا الديمقراطية والتحوّل الديمقراطي» الذي عقده المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.يفتتح الكتاب المفكر العربي عزمي بشارة بمحاضرة عنوانها «طروحات حول المسألة الطائفية: إطار نظري»، منطلقاً من أن الطائفية ظاهرة حديثة بمعناها الذي يتميز من العصبية والطوائف التي عرفها الاجتماع العربي ما قبل الحديث.لأصل إلى كتاب «الدولة الطائفية».ظهرت موجة العبث والفوضوية واللامسؤولية، وبمختلف مستوياتها الفنية والفكرية، أدت إلى ترويج مفاهيم خاطئة، ومنها موضوع نشوء الحكومة الطائفية في العراق، وكأن المصطلح وضع نكاية بالشيعة.
فصار علينا أن نبحث في أوليات هذا المصطلح لنجد مكوناته، ومن هو مؤسس هذه الطائفية. يعود بنا المؤلف إلى الوهم الكبير الذي عاشه البريطانيون عندما توقعوا مساندة الشيعة لهم، لكونهم مضطهدين من قبل الحكومة العثمانية التي حاربت الشيعة كثيراً واضطهدتهم بشتى أنواع الاضطهاد.وإذا بالشيعة يثورون معلنين حرب الجهاد، وكانت من نتائج هذه النهضة بروز الوعي الوطني، ومن ثم ثورة العشرين.
ظهرت اتفاقية سايكس بيكو التي قسمت البلاد العربية بين فرنسا وبريطانيا وروسيا، ويعني خيانة الدول العظمى لاتفاقية شريف مكة التي نصت على مساندة العرب مع الدول الكبرى لطرد العثمانيين الأتراك مقابل تأسيس دولة العرب.
وجاء بعد الاتفاقية المرة مقررات سان ريمو التي ابتدعت الانتداب. وحينها أصدر محمد تقي الشيرازي، قدس سره، فتوى تجيز لهم التوسل بالثورة الدفاعية.
من الجانب الآخر، تطوع جماعة شريف مكة «جمعية العهد» لمقاتلة ثوار الفرات الأوسط. قال عنهم «ولسن»: هؤلاء الرجال يغازلون بريطانيا ليعلنوا عن أنفسهم.
وسعياً لإنصاف الحقيقة، يوثق الكاتب شهادته بوجود مساندة شعبية يقودها علماء السنة، ومن نتائج انبعاث الروح الوطنية صار التلاحم والتقارب الوطني بين المذاهب.
وتحدث أكثر من مؤرخ عن هذا التلاحم الذي ظهر على شكل زيارات ومسيرات استقبال، كالتي جرت من أهالي الجعيفر والسوامرة والتكارتة لمواكب الكاظمية، واشترك في المآتم الحسينية أفواج من السنة.وهذا الأمر لا يعجب الإنكليز وأتباعهم وذيولهم؟
وقف سليمان فيض أمام المس بيل الخاتون يقول بالحرف الواحد: «هذا الاتحاد الشيعي السني من أبغض الأمور إلى نفسي».
ويقف أمامها عبد الرحمن النقيب ليقول: «الشيعة متقلبون، قتلوا من يعبدونه اليوم، الشيعة وثنيون لا يؤتمن لهم وعد، فإياك أن تعتمدي عليهم».
هذا الكلام يأتي في زمن قاسى فيه الإنكليز الويلات من الثوار.
يقول الميجر ديكسون: «لا بد من تعيين المناصرين لنا دون أهل الثورة»، والمس بيل تقول: «أبتهج حين أرى الشيعة الأغراب يقعون في مأزق حرج، فإنهم من أصعب الناس مراساً وعناداً».
لو نتأمل في مفردة «أغراب»، وكأنها هي ابنة البلد، وهذه المفردة جاءت لتبرر حرمان الشيعة من أي مشاركة في الدولة، فعمل الإنكليز على تكريس تهمة الطائفية ضد كل من يشكو منها.يقول الدكتور سعيد السامرائي في كتابه «الطائفية في العراق»: من ضمن الخطة التي وضعها الإنكليز لتدمير نفسية الشيعة العراقيين هي صناعة الدولة الطائفية. فقرر الإنكليز تشكيل حكم أهلي سنة 1921م، وإعطاء المناصب لمن ناصروها، واختير عبد الرحمن النقيب رئيساً لها.يقول الباحث إسحاق نقاش: وجود مؤسسة دينية شيعية بهذا القدر من الاستقلال والنشاط السياسي جعلت الحكومات في حرج، ولم يبق أمامها إلا اجتثاث علماء الدين، فأسقطت الجنسية عن بعضهم، وقتلت البعض الآخر في عمليات غدر.
ويرى جمع من المؤرخين أن الإنكليز هم أول من أسس الدولة الطائفية في العراق، بعدما استعانوا بزمر الطائفية أمثال عبد الرحمن النقيب وغيره، وأسسوا دولة عراقية بشكل متسرع، شجعوا الانتقام من الشيعة وباقي المكونات الأخرى، وحرمان الشعب من المشاركة الفعلية.
