الماء بين المعسكرين
كتب : فاطمة محمود الحسيني
في : 2026/09/08 منذ أن فاضت أولى قطرات الماء على وجه الأرض، ارتبط هذا العنصر بالحياة ارتباط الروح بالجسد، حتى جعله القرآن الكريم أصل الوجود وسرّ بقائه، بقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾.
فالماء في جوهره مورد طبيعي تجلت به الرحمة الإلهية، وعطاء سماوي أُريد له أن يكون مباحًا بين الخلق جميعًا.
إلا أن التاريخ، في مسيرته الطويلة، لم يتعامل دائمًا مع الماء بوصفه رمزًا للحياة. ففي كثير من المحطات، تحوّل هذا العطاء الإلهي إلى أداة للصراع وسلاح يُشهر في وجه الخصوم، حتى غدا العطش نفسه وسيلة للهيمنة والإخضاع.
ومن هنا يمكن قراءة جانب مهم من الصراع الذي شهده التاريخ الإسلامي المبكر: في معركة صفّين، وعلى ضفاف الفرات، سعى جيش معاوية إلى إحكام السيطرة على مورد الماء ومنع أصحاب الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) منه، ظنًا أن حرمانهم من الماء سيكسر إرادتهم ويُضعف موقفهم.
لكن أصحاب الإمام استطاعوا استعادة النهر وإزاحة الحصار عنه، فأصبح الماء في متناول أيديهم، وأصبح بإمكانهم أن يعاملوا خصومهم بالمثل.
فقد رفض الإمام علي (عليه السلام) أن يجعل من الماء وسيلة للانتقام، وأمر بترك الفرات مفتوحًا أمام الجميع. لقد كان قادرًا على الرد بالمثل، لكنه اختار الرد بالمبدأ؛ لأن العدالة في مدرسته لا تُقاس بمواقف الآخرين، وإنما تنبع من القيم التي يؤمن بها الإنسان.
وبعد سنوات، ستظهر هذه القيم ذاتها في كربلاء بصورة أكثر إشراقًا وإيلامًا في آن واحد. فحين التقى الإمام الحسين (عليه السلام) بجيش الحر بن يزيد الرياحي في صحراء ملتهبة، كان العطش قد بلغ منهم مبلغًا شديدًا.
ومع ذلك، لم يتعامل معهم بوصفهم خصومًا قادمين لفرض الحصار عليه، بل أمر أصحابه بسقيهم وسقي خيولهم، وشارك بنفسه في إرواء الظمأ الذي كاد يفتك بهم.
كان ذلك الموقف تعبيرًا صادقًا عن امتداد مدرسة النبوة، المدرسة التي ترى الرحمة قيمة ثابتة لا تتبدل بتبدل الظروف والمواقف.
لكن المفارقة المؤلمة أن هؤلاء الذين ارتووا من ماء الحسين لم يمضِ وقت طويل حتى أصبحوا جزءًا من المشهد الذي مُنع فيه الماء عن الحسين وأهل بيته وأصحابه. فقد أُغلقت طرق الوصول إلى الفرات، وضُرب الحصار على المخيم، وحيل بين الأطفال والنساء وبين أبسط حقوق الحياة.
هنا يتجلى الفرق بين المدرستين بأوضح صورة؛ فإحداهما ترى في القوة وسيلة لخدمة المبادئ، والأخرى تجعل المبادئ خادمة للقوة. إحداهما تملك القدرة على الإيذاء، لكنها تمتنع عنه التزامًا بالقيم، والأخرى تملك فرصة الرحمة، لكنها ترفضها طلبًا للظلم.
✦ كتابات في الميزان ✦
يقارب المقال الماء بوصفه معيارًا أخلاقيًا يكشف الفرق بين مدرستين في التعامل مع الخصوم. فمن صفّين إلى كربلاء، جسّدت مواقف الإمام علي والإمام الحسين (عليهما السلام) الرحمة والالتزام بالمبدأ حتى في أشد ظروف الصراع. وفي المقابل، يكشف منع الماء عن أهل البيت كيف يمكن للقوة، حين تنفصل عن القيم، أن تحوّل حق الحياة إلى أداة للحصار والإخضاع.
كتب : فاطمة محمود الحسيني
في : 2026/09/08 منذ أن فاضت أولى قطرات الماء على وجه الأرض، ارتبط هذا العنصر بالحياة ارتباط الروح بالجسد، حتى جعله القرآن الكريم أصل الوجود وسرّ بقائه، بقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾.
فالماء في جوهره مورد طبيعي تجلت به الرحمة الإلهية، وعطاء سماوي أُريد له أن يكون مباحًا بين الخلق جميعًا.
إلا أن التاريخ، في مسيرته الطويلة، لم يتعامل دائمًا مع الماء بوصفه رمزًا للحياة. ففي كثير من المحطات، تحوّل هذا العطاء الإلهي إلى أداة للصراع وسلاح يُشهر في وجه الخصوم، حتى غدا العطش نفسه وسيلة للهيمنة والإخضاع.
ومن هنا يمكن قراءة جانب مهم من الصراع الذي شهده التاريخ الإسلامي المبكر: في معركة صفّين، وعلى ضفاف الفرات، سعى جيش معاوية إلى إحكام السيطرة على مورد الماء ومنع أصحاب الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) منه، ظنًا أن حرمانهم من الماء سيكسر إرادتهم ويُضعف موقفهم.
لكن أصحاب الإمام استطاعوا استعادة النهر وإزاحة الحصار عنه، فأصبح الماء في متناول أيديهم، وأصبح بإمكانهم أن يعاملوا خصومهم بالمثل.
فقد رفض الإمام علي (عليه السلام) أن يجعل من الماء وسيلة للانتقام، وأمر بترك الفرات مفتوحًا أمام الجميع. لقد كان قادرًا على الرد بالمثل، لكنه اختار الرد بالمبدأ؛ لأن العدالة في مدرسته لا تُقاس بمواقف الآخرين، وإنما تنبع من القيم التي يؤمن بها الإنسان.
وبعد سنوات، ستظهر هذه القيم ذاتها في كربلاء بصورة أكثر إشراقًا وإيلامًا في آن واحد. فحين التقى الإمام الحسين (عليه السلام) بجيش الحر بن يزيد الرياحي في صحراء ملتهبة، كان العطش قد بلغ منهم مبلغًا شديدًا.
ومع ذلك، لم يتعامل معهم بوصفهم خصومًا قادمين لفرض الحصار عليه، بل أمر أصحابه بسقيهم وسقي خيولهم، وشارك بنفسه في إرواء الظمأ الذي كاد يفتك بهم.
كان ذلك الموقف تعبيرًا صادقًا عن امتداد مدرسة النبوة، المدرسة التي ترى الرحمة قيمة ثابتة لا تتبدل بتبدل الظروف والمواقف.
لكن المفارقة المؤلمة أن هؤلاء الذين ارتووا من ماء الحسين لم يمضِ وقت طويل حتى أصبحوا جزءًا من المشهد الذي مُنع فيه الماء عن الحسين وأهل بيته وأصحابه. فقد أُغلقت طرق الوصول إلى الفرات، وضُرب الحصار على المخيم، وحيل بين الأطفال والنساء وبين أبسط حقوق الحياة.
هنا يتجلى الفرق بين المدرستين بأوضح صورة؛ فإحداهما ترى في القوة وسيلة لخدمة المبادئ، والأخرى تجعل المبادئ خادمة للقوة. إحداهما تملك القدرة على الإيذاء، لكنها تمتنع عنه التزامًا بالقيم، والأخرى تملك فرصة الرحمة، لكنها ترفضها طلبًا للظلم.
✦ كتابات في الميزان ✦
يقارب المقال الماء بوصفه معيارًا أخلاقيًا يكشف الفرق بين مدرستين في التعامل مع الخصوم. فمن صفّين إلى كربلاء، جسّدت مواقف الإمام علي والإمام الحسين (عليهما السلام) الرحمة والالتزام بالمبدأ حتى في أشد ظروف الصراع. وفي المقابل، يكشف منع الماء عن أهل البيت كيف يمكن للقوة، حين تنفصل عن القيم، أن تحوّل حق الحياة إلى أداة للحصار والإخضاع.
