تأملات في كتاب «المصابيح» لسماحة السيد أحمد الصافي (108)

كتب : علي حسين الخباز
في : 2026/09/08 اتجهت آليات النقد الحديث إلى تقنين فقرات الخطاب الفكري بتوجهات نقدية مدعومة بأسماء نقاد ومفكرين غربيين لهم شهرة عالمية، يصنعون لنا معايير تقييمية لصلاحية الخطاب، وكأن لاسم الناقد الأوروبي جاذبية القبول، أو ربما يُعتقد أنهم أسسوا لنا الخطاب، ودونهم لكنا نعيش المتاهة والفقر الفكري.
سماحة السيد أحمد الصافي، مع مجموعة من العلماء، شيدوا مشروعهم الفكري المستمد من إرث أهل البيت (عليهم السلام)، بعمقه التاريخي الساعي لترسيخ المفاهيم الإصلاحية، وبعث اليقظة الروحية، والالتفات إلى الموروث الدعائي المعصوم باعتباره يضم مجموعة من المعارف الإلهية.
خطاب وعظي يُرسل بأسلوب الدعاء، الذي يجعل الوعظ خطابًا غير مباشر، ويعمل بوجهات نظر ورؤى إمام معصوم. اليقظة تعني الابتعاد عن الزلل، وعند ارتباك خطوط التحصين نعيد ترصين الصفوف عبر التوبة.
والتوبة تقتضي أن ندرك أسباب الارتباك والخطأ والزلل، وذلك بالإقرار والاعتراف. ولفهم هذا الاعتراف وإعداده، الخط التواصلي كإجراء له فاعلية ومساحة تأثيرية واعية، يبين أهمية هذا الإقرار الإنساني بالخطأ والاعتراف به أمام الله سبحانه وتعالى.
أين تكمن قيمة هذا الاعتراف؟
أولًا: نسأل: هل ينفع هذا الاعتراف الله سبحانه وتعالى بشيء؟ وهو مطلع على الأعمال كلها، فلا يحتاج من الإنسان أي اعتراف، أي بمعنى أن هذا الاعتراف لا يضيف لله شيئًا.
ثانيًا: إضافة إلى معرفة الله سبحانه بهذه الأمور وإحاطته بكل شيء، فلن يكتفي الله سبحانه وتعالى بمعرفته، يستنطق جوارحنا للشهادة، ويُشهد الملائكة، وتَشهد الأرض والمكان.
ثالثًا: بعد تجريد المنفعة من الله سبحانه، تبقى المسألة تنحصر بالمنفعة عند المعترف نفسه، ويكمن مغزى هذا الاعتراف في سمة التنبه. وإذا تنبه سيدرك قيمة الخضوع لله سبحانه؛ ليقبل هذه التوبة.
الوثوق بالله تعالى فيه طمأنينة، وفيه أمل؛ لنعرف من خلال أدب وفكر المعصوم (عليه السلام) أن الله سبحانه يفرح لتوبة العبد المؤمن أشد من فرح العبد التائب نفسه، مع أن الله سبحانه لا تزيده أعمالنا منزلة.
والمصطلحات الكبيرة التي تعامل بها النقاد الغربيون هي أساسًا مأخوذة من إرثنا الحضاري الإمامي المعصوم، الذي علّم العالم كيف يحافظ على تحرير الأمل الإنساني من قيوده.
فإذا تحدثوا عن بنية المجتمع البشري، لدينا إرثنا المعصوم يرشدنا لمكامن القوة. الإنسان فقير وضعيف، ولا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا، ويحتاج القوة، يرتبط بقوي للحصول على القوة.
الإنسان مع الله سبحانه وتعالى لا بد أن يستشعر الحاجة دائمًا؛ لأنه في موقع المحتاج. حين يرتبط بالله سبحانه وتعالى يشعر بحالة من القوة. القوة الحقيقية هي قدرة الإنسان على الارتباط مع مصدر القوة.
عمق هذه القوة يمثل القوة الدلالية لاستحضار قيم العبودية، وتلك يقظة فكرية. هناك أمور كثيرة يفهمها الإنسان ويرتاح إليها، ويكتشف أن هذا الفهم غير صحيح، ولن تكون تلك الأمور صحيحة بارتباطها إلا حين ترتبط بالله تعالى، فيكون هذا الفهم ناجحًا ومتفتحًا.
بمعنى أن العقل الإنساني عقل غير متكامل إلا حين يرتكز على المقومات العقلية للمطلق، جل علاه. الإنسان يفر من ذنوبه ومن سيئاته إلى الله تعالى، إلى رحمته؛ ليشعر الإنسان حينها بالأمل.
الأمل في منهج أهل البيت (عليهم السلام) طاقة روحية وعملية محفزة للنجاح والتطور، تربط الإنسان برحمة الله سبحانه، وتدفعه للعمل الصالح.
وخطاب المعصوم (عليه السلام) يوحد المفاهيم، وينمي فينا القوة والحزم، وحالة الضعف أمام الله سبحانه وتعالى تولّد فينا قوة.
تكشف لنا هذه المعادلة سبب بكاء الأنبياء بينهم وبين الله تعالى؛ يلجؤون إلى الله بأسلوب يجعلهم من البكّائين. وتحديد سمة هذا البكاء تميزه قاعدة منهج أهل البيت (سلام الله عليهم)، عبر المعرفة الأخلاقية.
حالة البكاء تزيد، لأن لهم (سلام الله عليهم) القوة والمنعة؛ لأنهم مرتبطون به تعالى، لنصل إلى مفهوم أن الإنسان يرتبط بخالقه تعالى لدرجة الذوبان، يمنحه الله القوة والرشاد.
يرى سماحة السيد أحمد الصافي أن هناك حقيقة مهمة علينا معرفتها واليقين بها: «إن الله معنا». تلك حقيقة لا ينكرها أحد، لكن الذي نحشد إليه الانتباه هو: كيف نكون نحن معه؟
إن نبتعد عن الله سبحانه بسبب الغفلة، والغفلة بطبيعتها تسبب حالة الابتعاد عن الله؛ لتأتي بعدها حالة التضييع والضياع.
هذا الشرح والتفصيل والتفضيل والتبيين وتوضيح المفاهيم، وسعي تواصلي لتوجيه رؤيتنا إلى المعنى القصدي للصحيفة السجادية ولما يريده الإمام السجاد (عليه السلام)، هو تعزيز شأن العمر المقدر للإنسان أن يعيشه في الحياة، وتكريمه بما يمتلك من عزة كرمها الله له.
أعز ما يملك الإنسان هو العمر. حين يضيع هذا العمر بأمور تافهة، تورثه المحنة والذبول. لا بد من القضاء على الضعف في ساعات المواجهة مع النفس.
هناك المعين هو الله، قوة لا بد أن يأخذها الإنسان ويستزيد منها. وما يرسخ قاعدة الأمل في الإنسان يحتاج إلى أساس حقيقي، جذر قوي، ليستقيم البناء، وأن يتحرر من المعاناة.
يدعو الإمام السجاد (عليه السلام):
«اللهم فارحم وحدتي بين يديك».
سماحة السيد أحمد الصافي يجلي لنا الفكرة، ويعرّفنا المضمون المعرفي؛ بما أن الإنسان يدرك احتياجه إلى الله، والله سبحانه وتعالى في غنى عنه، يريد من الله أن يعينه على تلك المعاناة، وأن يتحرك بواقعية ما هو فيه أمام الله سبحانه وتعالى.
الله وهب الإنسان العقل، وكتب عليه التكليف، فأصبح مسؤولًا أمامه، تبارك علاه.
هذا التشخيص الدقيق يساندنا على فهم الواقع الذي ينتظر الإنسان. القضية ليست هي قضية ناتج تأويلي أو تخميني، بل هي مرجعية إمام معصوم تجعلنا ندرك هذه المسؤولية.
الأمر المطروح هو تعزيز المسؤولية. لا بد من تهيئة مسبقة، ولا بد من محاسبة النفس. أغلب أدعية الصحيفة السجادية المباركة تنبه الإنسان، وتحمّله جميع التبعات المستقبلية؛ منها ما يستطيع أن يتحملها، ومنها ما يعجز عن تحملها، فيحتاج الدعاء، والدعاء بالرحمة:
«اللهم فارحم وحدتي بين يديك».
لأن هذه الوحدة لا تُحتمل، مع ما ستواجهه من مشكلات ومن حساب دقيق في كل شاردة وواردة. الإنسان يخشى هذه الوحدة؛ لأن وصفها ليس تخمينيًا، بل هي واقع لا محال.
هذا الخطاب التفاعلي والتواصلي يمنح الإنسان فرصة تكوين الذات وإعادة بناء المعرفة المدركة، كما ستسهل له الأمور، ويقينًا أن رحمة الله تعالى هي مرتكز الوجود.
✦ كتابات في الميزان ✦
يتأمل المقال في قراءة سماحة السيد أحمد الصافي للتراث الدعائي والصحيفة السجادية، بوصفهما مصدرًا للوعي الأخلاقي والروحي. ويركز على قيمة الاعتراف بالخطأ والتوبة ومحاسبة النفس، وعلى الأمل باعتباره طاقة تدفع الإنسان إلى الإصلاح والعمل الصالح. كما يبين أن قوة الإنسان الحقيقية تنبع من ارتباطه بالله واستشعاره الدائم للحاجة إلى رحمته وعونه.

كتب : علي حسين الخباز
في : 2026/09/08 اتجهت آليات النقد الحديث إلى تقنين فقرات الخطاب الفكري بتوجهات نقدية مدعومة بأسماء نقاد ومفكرين غربيين لهم شهرة عالمية، يصنعون لنا معايير تقييمية لصلاحية الخطاب، وكأن لاسم الناقد الأوروبي جاذبية القبول، أو ربما يُعتقد أنهم أسسوا لنا الخطاب، ودونهم لكنا نعيش المتاهة والفقر الفكري.
سماحة السيد أحمد الصافي، مع مجموعة من العلماء، شيدوا مشروعهم الفكري المستمد من إرث أهل البيت (عليهم السلام)، بعمقه التاريخي الساعي لترسيخ المفاهيم الإصلاحية، وبعث اليقظة الروحية، والالتفات إلى الموروث الدعائي المعصوم باعتباره يضم مجموعة من المعارف الإلهية.
خطاب وعظي يُرسل بأسلوب الدعاء، الذي يجعل الوعظ خطابًا غير مباشر، ويعمل بوجهات نظر ورؤى إمام معصوم. اليقظة تعني الابتعاد عن الزلل، وعند ارتباك خطوط التحصين نعيد ترصين الصفوف عبر التوبة.
والتوبة تقتضي أن ندرك أسباب الارتباك والخطأ والزلل، وذلك بالإقرار والاعتراف. ولفهم هذا الاعتراف وإعداده، الخط التواصلي كإجراء له فاعلية ومساحة تأثيرية واعية، يبين أهمية هذا الإقرار الإنساني بالخطأ والاعتراف به أمام الله سبحانه وتعالى.
أين تكمن قيمة هذا الاعتراف؟
أولًا: نسأل: هل ينفع هذا الاعتراف الله سبحانه وتعالى بشيء؟ وهو مطلع على الأعمال كلها، فلا يحتاج من الإنسان أي اعتراف، أي بمعنى أن هذا الاعتراف لا يضيف لله شيئًا.
ثانيًا: إضافة إلى معرفة الله سبحانه بهذه الأمور وإحاطته بكل شيء، فلن يكتفي الله سبحانه وتعالى بمعرفته، يستنطق جوارحنا للشهادة، ويُشهد الملائكة، وتَشهد الأرض والمكان.
ثالثًا: بعد تجريد المنفعة من الله سبحانه، تبقى المسألة تنحصر بالمنفعة عند المعترف نفسه، ويكمن مغزى هذا الاعتراف في سمة التنبه. وإذا تنبه سيدرك قيمة الخضوع لله سبحانه؛ ليقبل هذه التوبة.
الوثوق بالله تعالى فيه طمأنينة، وفيه أمل؛ لنعرف من خلال أدب وفكر المعصوم (عليه السلام) أن الله سبحانه يفرح لتوبة العبد المؤمن أشد من فرح العبد التائب نفسه، مع أن الله سبحانه لا تزيده أعمالنا منزلة.
والمصطلحات الكبيرة التي تعامل بها النقاد الغربيون هي أساسًا مأخوذة من إرثنا الحضاري الإمامي المعصوم، الذي علّم العالم كيف يحافظ على تحرير الأمل الإنساني من قيوده.
فإذا تحدثوا عن بنية المجتمع البشري، لدينا إرثنا المعصوم يرشدنا لمكامن القوة. الإنسان فقير وضعيف، ولا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا، ويحتاج القوة، يرتبط بقوي للحصول على القوة.
الإنسان مع الله سبحانه وتعالى لا بد أن يستشعر الحاجة دائمًا؛ لأنه في موقع المحتاج. حين يرتبط بالله سبحانه وتعالى يشعر بحالة من القوة. القوة الحقيقية هي قدرة الإنسان على الارتباط مع مصدر القوة.
عمق هذه القوة يمثل القوة الدلالية لاستحضار قيم العبودية، وتلك يقظة فكرية. هناك أمور كثيرة يفهمها الإنسان ويرتاح إليها، ويكتشف أن هذا الفهم غير صحيح، ولن تكون تلك الأمور صحيحة بارتباطها إلا حين ترتبط بالله تعالى، فيكون هذا الفهم ناجحًا ومتفتحًا.
بمعنى أن العقل الإنساني عقل غير متكامل إلا حين يرتكز على المقومات العقلية للمطلق، جل علاه. الإنسان يفر من ذنوبه ومن سيئاته إلى الله تعالى، إلى رحمته؛ ليشعر الإنسان حينها بالأمل.
الأمل في منهج أهل البيت (عليهم السلام) طاقة روحية وعملية محفزة للنجاح والتطور، تربط الإنسان برحمة الله سبحانه، وتدفعه للعمل الصالح.
وخطاب المعصوم (عليه السلام) يوحد المفاهيم، وينمي فينا القوة والحزم، وحالة الضعف أمام الله سبحانه وتعالى تولّد فينا قوة.
تكشف لنا هذه المعادلة سبب بكاء الأنبياء بينهم وبين الله تعالى؛ يلجؤون إلى الله بأسلوب يجعلهم من البكّائين. وتحديد سمة هذا البكاء تميزه قاعدة منهج أهل البيت (سلام الله عليهم)، عبر المعرفة الأخلاقية.
حالة البكاء تزيد، لأن لهم (سلام الله عليهم) القوة والمنعة؛ لأنهم مرتبطون به تعالى، لنصل إلى مفهوم أن الإنسان يرتبط بخالقه تعالى لدرجة الذوبان، يمنحه الله القوة والرشاد.
يرى سماحة السيد أحمد الصافي أن هناك حقيقة مهمة علينا معرفتها واليقين بها: «إن الله معنا». تلك حقيقة لا ينكرها أحد، لكن الذي نحشد إليه الانتباه هو: كيف نكون نحن معه؟
إن نبتعد عن الله سبحانه بسبب الغفلة، والغفلة بطبيعتها تسبب حالة الابتعاد عن الله؛ لتأتي بعدها حالة التضييع والضياع.
هذا الشرح والتفصيل والتفضيل والتبيين وتوضيح المفاهيم، وسعي تواصلي لتوجيه رؤيتنا إلى المعنى القصدي للصحيفة السجادية ولما يريده الإمام السجاد (عليه السلام)، هو تعزيز شأن العمر المقدر للإنسان أن يعيشه في الحياة، وتكريمه بما يمتلك من عزة كرمها الله له.
أعز ما يملك الإنسان هو العمر. حين يضيع هذا العمر بأمور تافهة، تورثه المحنة والذبول. لا بد من القضاء على الضعف في ساعات المواجهة مع النفس.
هناك المعين هو الله، قوة لا بد أن يأخذها الإنسان ويستزيد منها. وما يرسخ قاعدة الأمل في الإنسان يحتاج إلى أساس حقيقي، جذر قوي، ليستقيم البناء، وأن يتحرر من المعاناة.
يدعو الإمام السجاد (عليه السلام):
«اللهم فارحم وحدتي بين يديك».
سماحة السيد أحمد الصافي يجلي لنا الفكرة، ويعرّفنا المضمون المعرفي؛ بما أن الإنسان يدرك احتياجه إلى الله، والله سبحانه وتعالى في غنى عنه، يريد من الله أن يعينه على تلك المعاناة، وأن يتحرك بواقعية ما هو فيه أمام الله سبحانه وتعالى.
الله وهب الإنسان العقل، وكتب عليه التكليف، فأصبح مسؤولًا أمامه، تبارك علاه.
هذا التشخيص الدقيق يساندنا على فهم الواقع الذي ينتظر الإنسان. القضية ليست هي قضية ناتج تأويلي أو تخميني، بل هي مرجعية إمام معصوم تجعلنا ندرك هذه المسؤولية.
الأمر المطروح هو تعزيز المسؤولية. لا بد من تهيئة مسبقة، ولا بد من محاسبة النفس. أغلب أدعية الصحيفة السجادية المباركة تنبه الإنسان، وتحمّله جميع التبعات المستقبلية؛ منها ما يستطيع أن يتحملها، ومنها ما يعجز عن تحملها، فيحتاج الدعاء، والدعاء بالرحمة:
«اللهم فارحم وحدتي بين يديك».
لأن هذه الوحدة لا تُحتمل، مع ما ستواجهه من مشكلات ومن حساب دقيق في كل شاردة وواردة. الإنسان يخشى هذه الوحدة؛ لأن وصفها ليس تخمينيًا، بل هي واقع لا محال.
هذا الخطاب التفاعلي والتواصلي يمنح الإنسان فرصة تكوين الذات وإعادة بناء المعرفة المدركة، كما ستسهل له الأمور، ويقينًا أن رحمة الله تعالى هي مرتكز الوجود.
✦ كتابات في الميزان ✦
يتأمل المقال في قراءة سماحة السيد أحمد الصافي للتراث الدعائي والصحيفة السجادية، بوصفهما مصدرًا للوعي الأخلاقي والروحي. ويركز على قيمة الاعتراف بالخطأ والتوبة ومحاسبة النفس، وعلى الأمل باعتباره طاقة تدفع الإنسان إلى الإصلاح والعمل الصالح. كما يبين أن قوة الإنسان الحقيقية تنبع من ارتباطه بالله واستشعاره الدائم للحاجة إلى رحمته وعونه.
