حين يقطر الألم من أنفاسه الأخيرة

تقليص
X
  •  
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • علي حسين الخباز
    مشرف الساحة الادبية

    • 20-09-2010
    • 9227

    #1

    حين يقطر الألم من أنفاسه الأخيرة

    حين يقطر الألم من أنفاسه الأخيرة

    كتب : حوراء رضا
    في : 2026/09/08 منذ أن لامس جسدُ الحسين رمضاءَ كربلاء، لم يعد الحزن شعورًا عابرًا… بل صار ميراثًا يسكن القلوب.

    هناك، في تلك الأرض التي اختلط فيها الغبار بالدم، كان العالم يشهد أعظم وحدة عرفها إنسان؛ رجل أثقلته الجراح، وأنهكه العطش، وأحاطت به السيوف من كل جانب، ومع ذلك بقي واقفًا كأنه آخر ما تبقّى من نور السماء على هذه الأرض.

    لم يكن جسده يُغسَّل بالماء، بل كانت دماؤه الطاهرة تنحدر فوق صدره كغسل الوداع، وكانت الرماح تُجرِّعه الموت جرعة بعد أخرى، حتى صار الألم يقطر من أنفاسه الأخيرة.

    وحين أثخنته الطعنات، لم يجد صدرًا يأويه، ولا ذراعًا تسنده، سوى التراب الذي احتضن خدَّه بصمت موجع، وكأن الأرض نفسها كانت تبكي وهي تضم ابن فاطمة إليها.

    كان وحيدًا بطريقة لا يشبهها أي وجع؛ وحيدًا حتى إن الخيام من خلفه كانت ترتجف من اليتم قبل أن يُقتل، وحتى إن السماء بدت بعيدة وهي ترى سبط النبي يُذبح عطشانًا على مرأى أمة تعرفه باسمه ونسبه وصوته.

    كان ينظر نحو الفرات، لا لأنه يريد النجاة، بل لأن الأطفال خلفه كانت شفاههم تحترق من الظمأ، وكانت سكينة تناديه بقلب يرتجف، فيما العطش يطحن أرواح الصغار قبل أجسادهم.

    أي قلب احتمل أن يرى الحسين يرفع طفله الرضيع، طالبًا له جرعة ماء، فيعود السهم إلى نحر الطفل بدل الماء؟ أي أرض هذه التي شربت دم الرضيع، ثم بقيت ثابتة ولم تنشقّ من هول المصيبة؟

    وحين سقط أصحابه وأهله واحدًا تلو الآخر، لم يبقَ معه سوى قلب مثقل بالفقد. كان يرى إخوته وأبناءه وأصحابه صرعى على الرمال، وكل جسد يسقط كان يقتطع جزءًا من روحه، حتى بقي وحده… لا معين له إلا الله، ولا صوت حوله إلا صهيل الخيل ووقع السيوف.

    ثم جاءت اللحظة التي انحنى فيها التاريخ من شدة ما حدث؛ حين جلس القاتل على صدر الحسين، بينما كانت عيناه المتعبتان تنظران إلى السماء، كأنه يودّعها للمرة الأخيرة. هناك انقطع الوتين، لكن الوجع لم ينقطع… بل بدأ.

    بقي الجسد الطاهر على التراب بلا كفن، تسلبه الأيدي القاسية حتى ثيابه، وتتركه عاريًا تحت شمس عاشوراء، والخيل تدوس صدرًا طالما نام عليه رسول الله.

    أما الرأس الشريف، فارتفع فوق الرمح، لكنه بقي أعلى من كل الذين رفعوه؛ لأن الطغاة مهما انتصروا بالسيف، يبقون أصغر من دمعة تسقط حزنًا على الحسين.

    وكانت زينب تسير خلف ذلك الرأس، تحمل في قلبها خراب الدنيا كلها؛ ترى أخاها مرفوعًا أمامها، وترى الأطفال حولها يبكون من الجوع والخوف، والخيام تحترق، والليل يزداد قسوة. لم تكن المصيبة موتًا فقط، بل كانت انكسار العالم بأكمله في قلب امرأة.

    حتى الشيب الذي كان يزيّن رأس الحسين اختلط بدمه، وحتى شفاهه اليابسة التي طالما تلا بها القرآن ضُربت بالقضيب أمام الناس، وكأن القوم لم يكتفوا بقتله، بل أرادوا إذلال القداسة نفسها.

    ثلاثة أيام والأجساد الطاهرة بقيت على الرمال، بلا دفن، بلا وداع، والريح تمر عليها كأنها تنوح، والوحوش تدنو منها، بينما السماء تمطر حزنًا لا يُرى.

    ومنذ ذلك اليوم، لم تعد كربلاء حادثة تُروى، بل جرحًا مفتوحًا في روح الزمن؛ كلما ذُكر الحسين، عادت الدمعة يتيمة إلى العيون، وعاد القلب يشعر أنه يقف على تلك الرمال نفسها، يسمع صوت العطش، ويرى الخد الملطخ بالتراب، ويشعر أن الإنسانية كلها سقطت يوم سقط الحسين.

    ولهذا لا نبكيه لأنه استشهد…

    بل لأن العالم بعده لم يعد كما كان أبدًا.

    ✦ كتابات في الميزان ✦

    ترسم الكاتبة مشهد الطف بكلمات يقطر منها الحزن، مستحضرة وحدة الإمام الحسين وعطشه وفقده لأهل بيته وأصحابه. ويتحول السرد من وصف اللحظات الأخيرة إلى تأمل في الجرح الذي تركته كربلاء في ضمير الإنسانية وذاكرة الزمن. فالحسين في النص ليس شهيد واقعة مضت فحسب، بل نورًا خالدًا فضح قسوة الطغاة وأبقى المأساة حيّة في القلوب.



المحتوى السابق تم حفظه تلقائيا. استعادة أو إلغاء.
حفظ-تلقائي
Smile :) Embarrassment :o Big Grin :D Wink ;) Stick Out Tongue :p Mad :mad: Confused :confused: Frown :( Roll Eyes (Sarcastic) :rolleyes: Cool :cool: EEK! :eek:
يعمل...