بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
قال الله تعالى: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾[1].
﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ﴾، سلطة بالتمكين لعبد من عباد الله تعالى تتسم بالبركة وفيها تأكيدات ثلاثة و ﴿فِي الْأَرْضِ﴾، تعممها في كافة أرجاء المعمورة، فقد ذلت له الصعاب واستسلمت له البلاد! والسبب أيا كان هو الذي يتوسل به الى غاية لا تحصل إلاّ به، من عقلي أو علمي أو عملي.
ثم الأسباب هل هي لبسط الملك أم لأي شي؟ قد تكون حاضرة ظاهرة، وأخرى حاضرة غير ظاهرة، أو ظاهرة غير حاضرة تحصل بمحاولة بشرية مهما طالت أم قصرت، صعبت أم يسّرت، فهي في نطاق العلم والقدرة البشرية ممكنة!
وثالثة لا من هذه ولا تلك، بل هي خفية عن العلم بعيدة عن القدرة، فلا يؤتيها إلاّ اللّٰه لمن يشاء ويرضى! ﴿وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾، يعني ثالثتها وهي الأسباب الخارقة الإلهية التي تقصر دون التوسل بها العقول والعلوم وساير القدرات غير الإلهية! و ﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾، هنا لا يعني الاستغراق الشامل لسبب الوحي والنبوة واضرابها! وإنما ﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾، في سبيل تمكينه في الأرض، ثم ولا يعني كلا من هذا الكل، وإنما البعض من كلّ قدر ما يحتاجه كما تلمح له ﴿مِن﴾! فقد آتاه اللّٰه بعضا من الأسباب اللائقة من كل شيء في سبيل تمكينه في الأرض، من اسباب معرفة الحق الناصع الصراح عن الباطل ومن اسباب السفر كالسحاب الذلول أو غيره؟ ومن اسباب الضوء حيث تضيء له ليلا كما تضيء الشمس نهارا فهو ذو قرني الليل والنهار حيث هما عليه سواء؟ ومن اسباب الشبع والريّ منّا أو سلوى أو غير ذلك؟ ثم ومن أسباب التفتح في مشارق الأرض ومغاربها كسبب تفهّم مختلف اللغات وأضرابه كالطرق وكلها خارقة إلهية.
تذكر له في تالية الآيات ثلاثة أسباب لثلاثة أسفار بعيدة المدى، قد تكون هي من أهم الأسباب التي أوتيها في سفراته، وقد أطبقت أحاديثنا أنها السحاب الذلول وإن الصعب منها تختص بالإمام المهدي عجل اللّٰه تعالى فرجه الشريف وفي رواية عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (أن الله خير ذا القرنين السحابين الذلول والصعب، فاختار الذلول وهو ما ليس فيه برق ولا رعد، ولو اختار الصعب لم يكن ذلك له، لأن الله ادخره للقائم عليه السلام))[2]!
ولأن ﴿سَبَبًا﴾، تأتي بنفس الصيغة ثلاث مرات، دون أن تأتي ثانية وثالثة «السبب» إشارة الى الاوّل، فقد تعني ثلاث مركبات فضائية مهما كانت كلها من صعبة السحاب أو غير ذلك؟ هنالك أسباب غيبية أرضية أو فوق الارضية أو السماوية تستخدم في مثلث الأسفار بما آتاه اللّٰه، قد يشار الى وجودها وإمكانية التسبب بها: ﴿أَمْ لَهُم مُّلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ﴾[3]، ولولا أن هناك أسبابا ترقي الى السماوات لم يكن لهذا التحدي مجال على أية حال، ومنها المركبة المعراجية المحمدية (صلّى اللّٰه عليه وآله)، وقد يشار الى إمكانية الارتقاء الى السماء بأسباب مصطنعة؟: ﴿مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾[4].
ولقد خيّل الى فرعون إمكانية البلوغ إلى أسباب السماوات، وطبعا لم يك يعرف واقعها إلاّ بمعرفة الوحي من موسى أم سواه: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ* أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا ۚ وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾[5].
﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ﴾، أي جعلنا له مكنة وقدرة على التصرّف في الأرض من حيث التدبير والرأي والأسباب حيث سخّر له السحاب ومدّ له في الأسباب وبسط له النور وكان الليل والنهار عنده سواء وسهل عليه المسير في الأرض وذلّل له طريقها حتّى تمكّن منها أنّى شاء.
[1] سورة الكهف، الآية: 84.
[2] بحار الأنوار، ج 52، ص 321.
[3] سورة ص، الآية: 10.
[4] سورة الحج، الآية: 15.
[5] سورة غافر، الآيتان: 36 – 37.
